
راضية تومي* كلّما مشى سقطت الأشياء من جيوبه. تارةً من الجيب الأيسر وأُخرى من الأيمن. وكلّما سقط شيءٌ ما كان يتوقّف برهةً للتحقُّق من جيوبه، فيشرع في البحث عن الفتوق التي سقطت منها تلك الأشياء، لكنّ الغريب أنّه لا يعثر على فتقٍ واحد. ثم إنّ تلك المسطرة وذلك القلم وتلك القِدر النحاسية وتلك الحصى لم
باسم النبريص* رحبت بلجيكا بنا، على أحسن وجه، فرمتنا في مخيم بروخم (القريب من أنتويرب) عاماً ونصف العام، وقبلها، رمتنا في مخيم البيتي شاتو ببروكسل، شهرين اثنين، والآن ترمينا في جنة بلا ناس، منذ خمسة شهور: في فيلا منعزلة، تفتقر إلى أيما جار (سوى جارة صبية، نراها على الجانب المقابل من الشارع العام،
رضا نازه- المغرب الجمعة رنين. أو شيءٌ كالرنين. اهتزاز أخرج سهيل من غفوة استسلم لها بعد عودته إلى البيت وأهمل هاتفه بجانبه والهاتف بئس الضجيع. رفع الشاشة فوق صفحة وجهه، فارتعشت أصابعه وارتطم الهاتف بالأنف رأسًا حتى صرخ من الألم. وضع يسراه على غضروف أنفه يتلمّس اللكمة الهاتفيّة، وأطلق يمناه تبحث
كولالة نوري* شرفتان نفخت على زجاج النافذة بكسل لتصنع هالة من الضباب الأبيض، تحجب الرؤية عن بياض الثلج خارج نافذة الشرفة الخشبية المقفلة بإتقان ربات البيوت، اللواتي لا يخرجن إلا للضرورة الملحة. وكأنها تعاكس نفسها التي لا تستطيع البقاء يوماً واحداً دون أن تخترق شوارع مدينتها الصغيرة بحجة ش
عبدالوهاب جباري* إلحاد مبكرقررت اليوم أصلي ؛في ظلمة القبر ضاعت القبلة . تآئهفي الصحراءكان يبحث عن ظل بلكونته ؟فظل قابعآ في فنجان قهوته ؛يشربه الزمن! ندمأحس براحة بال وعقل وقلب وضميربعد إحتساء (قنينة ) سم الفئرآنيريد أن يتذكر بعد خروجه من غرفة الإنعاش :_ (إسم القنينة ) لايذكر ! تنوعوهو يت
ساري موسى* الحاجةُ إلى آخرِين لم تزعجه مسألةُ العيشِ وحيداً. تأقلم معها متدبّراً أمره على أحسنِ وجهٍ طيلةَ حياته: يزرع ما يأكل، يربّي حيواناتٍ ويصيدُ أخرى، يُقَطّر العَرَق من عنب كرمته، يتداوى بأعشاب الغابة، ويقتلع أسنانه المنخورة بالكمّاشة المعقوفة رفيعة الرأسين. لكنْ ما أخذ يُقلقه ويش
روجر دين كايسر* ترجمة: حسام حسني بدار في وقت ما من أوقات حياتي، كان للجمال معنى خاصّ لي. انتابني هذا الإحساس، كما أظنّ، عندما كنتُ في السادسة أو السابعة، قبل بضعة أسابيع فقط من قيام ملجأ الأيتام بتحويلي إلى شيخٍ هرِم. كنت أستيقظُ كلّ صباح في الملجأ، أرتّبُ سريري وكأنني جنديّ مبتدئ، ثم أقف أنا و
أنيس غنيمة* تركتَ بيتك وغادرت سريعاً بعد ليلة صعبة، ناسياً شيئاً بالتأكيد، هل تذكّرت الآن؟ هناك على الأقل منفضة سجائر تحبّها. انتقلتَ إلى أقارب في مكان آخر، هل يبدو القصف أبعد الآن؟ لا، ولكنك تطمئنُّ قليلاً: ثمّة قصف هنا أيضاً، إذ نشترك جميعاً في الرهبة ذاتها. السماء حمراء في كلّ مكان، يعجبك الل
ماجدولين الرفاعي كنت أقف خلفك تماماً، أتابع ما تفتحه ماكينة الحلاقة من شوارع ضيقة في بياض رغوة الصابون، وجهٌ لوّحته الشمس بسمرتها وأعارته من وهجها هذا الألق المرسوم في المرآة بعناية فائقة تذيله ابتسامة رهيفة مثل حرير ربطة عنقك الباريسية الفاخرة. تستدير نحوي، فتفوح رائحة الليمون من كولونيا حفرت خ
سائد نجم* بعد أن فتّشوا حقائبنا، وأوقفونا على أكثر من حاجز عسكري بين الأزقّة القديمة، للسؤال عن "التصريح" تارةً، وأُخرى للاطمئنان من أنّنا لسنا يهوداً، ضلّوا طريقهم بالاتجاه إلى الأقصى. أذكر وقتها كم ضحكنا حين استنطقَنا ضابطٌ "إسرائيلي" ليتأكّد من ذلك، وضحكنا أكثر حين استنطقَنا أحد حُرّاس ا
لطف الصراري * في عتمة ليل صيفي ماطر، أصغت الحاجّة ياقوت لقعقعة رشاشات الكلاشينكوف وهدير الرشاشات المتوسطة ودويّ المدافع. كانت تأتي من بعيد؛ من التلال المكتظة بالمنازل الآهلة والمهجورة، وبالمعسكرات والمواقع القتالية. مضى شهر وعشرة أيام منذ نزح جميع سكان الحيّ عدا عائلتها. لكن هذا فقط،
باسم النبريص* زرت المسجد الأقصى مع أم صبحي. ففي مثل ظروفنا، لابد لك من رفقة امرأة كي تكون في مأمن من عيون الشرطة. حين وصلنا مدخل المسجد، أفهمتني أم صبحي بضرورة التقيد ببعض التعليمات: 1 - عدم النظر ناحية الحاجز. 2 - التصرّف بطبيعية حين تقترب منهم. 3 - إذا وقعت الفاس في الراس وسألوك إبراز بطاقة
في الطائرات أنام، أحرص على وجود أقراص المنوم معي، ساعة من إقلاع الطائرة بالضبط، وأطلب قليلا من مشروب، أخلطه مع قرص الزانكس وأنام. مرة واحدة ضاع مني القرص، ولسوء الحظ دخلت الطائرة في مطبات هوائية، كان بجواري سائح إنكليزي، وبالجوار الآخر راكبة كورية، أبرد خلق الله أعصابا. صحبة ثقيلة تحملته
حسن أكرم* أعرف تلك الاستعدادات التي يحتاجها أيّ شخص ليودّع أحداً ما. أعرفها وأفهم جيّداً أنَّ الحياة وداعات متكرّرة، وأعرف مِنْ أيّ نوع مِنَ النساء هي حليفتي. أسمّيها "حليفتي" لأنّي أرى الحياة على أنّها حرب مستمرّة وأن مَنْ يُحبّك يعني أنه يحالفك في تلك الحرب. وحليفتي فائقة الجمال تملك وجهاً ريف
قصي الشيخ عسكر لم يكن طلب السيدة ليزا غريبا عليّ قط، فهي تعرف علاقتي بزوجها الذي توفي قبل أشهر. كنا صديقين منذ أكثر من ثلاثين عاما، نعمل على حاملة الطائرات البريطانية. باترك مهندس للكهرباء وأنا المهندس الميكانيكي. لقد جبنا بلادا ورأينا ما لم يره أحد مثلنا. وبدا أن هذا التنقل الطويل جع
حسن داوود ذاك الرجل تُرك بلا اسم. وهذا في أي حال لن يضيره لأن لا أحد سيكلّمه. ذاك أن لا أحد يشاركه الأداء على الخشبة، ثم إنه لن يعتدّ بنفسه فيقول أنا فلان، بسبب إحباطه، كونه يعزف على آلة لا يطيقها. الكونترباص هو أبشع آلة موسيقية بحسب ما يَرى. إنه عائق أكثر مما هو آلة. في وصفه له يقول: لا تستطيع
واثق الجلبي لهفتي وحنيني عملتان ضائعتان، أشواق تمزقها الريح وصوت ثمِلٌ يصرخُ في رأسي: عن أي حبٍ تبحثُ أيها التائه؟ يا من بددّ قلبهُ ورمى به في فوهات الحتوف، لن يُجديك نفعا ما تقوم به، الصوت يخترقني مراراً وعبثيتي تزيدهُ احتراقا وتنمّرا، ماذا فعلتُ؟ صرخة حبلى بالأنين تفترع أدمغة الف
البرد الخفيف في الهواء، الدكاكين المغلقة، رائحة الرطوبة والعفن، ونصف مكعّب جُبن في يدي. نصف مكعّبٍ صغير بحجم طائر أقبض عليه بهدوء وأنا أتخيّل كيف تنازلتُ من أجله عن شراء التبغ. كنت أمام خيارين: إمّا الأكل أو التدخين. وأنا، كرجلٍ ناضج، يجب أن أختار ما قد يسدّ رمَقي حتّى الغد، مع أن هناك شيئاً