تداعي الزمن الصعب

2021-02-23 | منذ 2 شهر

عبدالناصر مجلي *

 

تعصف بك دوائر شيطانية حادة مثل تيارات هوجاء شديدة الشراسة من ضيق ذات اليد، وتتكالب عليك الدنيا بأسرها وكأنها تريد منك قصاصاً دون ذنب جنيت, منذ الصباح الباكر وأنت تتوسل وتناشد الأهل والأقارب ليمدوا إليك يد العون لحاجتك الشديدة والملحة للمساعدة, لكن كلهم يرفضون، يعتذرون ويعطونك مبررات لا تسمن ولا تغني من جوع، وبعضهم لحظك التعس تجاهلك وتجاهل طلبك المتواضع وهم للأسف الأهل والأقرباء.
تبقى وحيداً وسط هذه التكتلات البشرية الجامدة، لا معين لك على متاعب هذه الحياة القاسية، سوى بقايا من أحلام الأمس البعيد شبه الميتة في أغوار وجدانك المتداعي تتمنى وتعلل نفسك بتحقيقها يوماً ما.
دائماً أنت شارد الذهن خصوصاً إذا قابلتك إحدى عقبات الزمن فتشرد في صلاتك، عملك, وفي كل شيء يمت إليك بصلة, وهذا ليس بيدك بل عنوة عليك، وعندما تبكي حظك العاثر تبكي بدون دموع أو نشيج، فدموعك آهات حارقة تطحن بها السنين روحك المعذبة.
لماذا أنت دون البشر.. لماذا!!
قنطت من مساعدتهم إياك هؤلاء مدعوا القرابة في اللقب فقط، في صفة الدم المدونة على البطاقات، أما المشاعر فلا توجد في القلوب فبينك وبينهم هوة سحيقة من عدم الاهتمام أو المبالاة, لا سبيل لردمها إلا بابتعادك عنهم والكف عن الاستنجاد بهم مرات أخرى قادمة، فهناك دوما رب أسمه الرحيم.
تخرج وتهيم على وجهك في شوارع المدينة المترامية الأطراف تصفعك أشعة الشمس بحرقة جحيمية من حرارتها التي لا ترحم فيغلي دماغك في قراراة جمجمتك, حتى يوشك أن يتبخر في الهواء لتصادم الأفكار والهواجس فيه، فتضع يديك البارزتي العروق النافرة كثعابين خضر جائعة على الصحراء المترامية في بلقاء رأسك الخالي نصفه من الشعر, وتضغط بشدة عليه خوفاً من الانفجار الذي تترقبه كل لحظة وكل ثانية.
ها أنت تعود يمتطيك الإرهاق وكل آلام الأيام العجاف راسية على كتفيك الواهنتين إلى عملك, ينتظرك مكتب تكومت عليه تلال من الملفات فتذيب ما تبقى لك من نظر في الكتابة وضرب وطرح للأرقام التي لا تنتهي، وتحطم فقرات ظهرك الغضروفية من شدة الإنحناء على تلال هذه الملفات الكثيرة العدد كالنمل في مواسم تزواجها المباركة اللعنة، ينتهي دوامك باكراً واليوم هو الخميس كما تذكر وهو يوم استلام الراتب الضيئل، تهرول وكأنك أول مرة ستقبض ولست منذ خمسة عشر عاماً تمر في نفس الطريق إلى الخزانة.
تتناول الريالات المعدودة بأصابعك المرتعشة وتبدأ الحساب في عقلك.. إيجار المسكن وحده يستنزف ثلاثة أرباع المرتب والمتبقي منه مصاريف البيت والأولاد، تتذكر صغارك الأبرياء فلذات كبدك, فتبكي كما هي عادتك بآهات مجنونة تدك أضلعك المتعبة، وحتى الآن لم تنس ولن تنسى بأن أبنك الأصغر توفي العام الماضي, نتيجة لأنك لم تكن تملك المال الكافي لإدخاله المستشفى الذي طالبك عامل استقباله بإيجار السرير مقدماً, وكأنك ضللت به الطريق إلى فندق وليس إلى مستشفى، تتذكر حينها بأنك صرخت لأول مرة في حياتك وقد كانت الأخيرة، صرخت وكان صراخك نشازاً نظراً لأنك لم تتعود أبداً على الانفعال والصراخ, فقد كنت متسامحاً حتى في أبسط حقوقك كإنسان موظف وهذا ليس تسامحاً بقدر ما كان عدم ثقة في نفسك للمطالبة بحقوقك, ولأول مرة في حياتك أيضاً تدحرجت دمعتين يتيمتين من مقلتيك الجافتين منذ طفولتك اليائسة..
"حرام حرام عليكم هو ابني.. اسعفوه.. أنقذوه أتوسل إليكم".
كانت كلماتك طحين في مهب ريح هوجاء لا يصل صداها إليهم، وكان جواب عامل الاستقبال وممرض جرّع إبنك سائلاً أبيض كعلاج أولي حتى يُرّقد، يصفعك ويطوق عنقك الناحل وكأنهما يريدان قتلك بكلماتهم القاسية وغير المبالية..
- يا أستاذ أفهم.. يجب أن تستخرج لصغيرك بطاقة تنويم طارئة وهي تكلفك مبدئياً خمسمائة ريال لخمسة أيام!
وقعت هذه الجملة الأطول خلال معاملتك لمختلف البشر على أذنيك كجبل نقم(1) فسدّت عليك أنفاسك وجعلت عينيك تضطربان في محجريهما, وكأنك فقدت السيطرة عليهما,من رآك في هذه الحالة لولى منك الأدبار..
- لكنني لا أمتلك سوى خمسين ريالاً فقط.. صدقوني.. أنا لا أكذب عليكم و...!!
مزقت جيوب بنطلونك أمامهم كي يصدقوك وكأنك تنفي عن نفسك تهمة سرقة أتهموك بها, فتريهم الجيوب الخاوية ليعلموا بأنك لا تمتلك شروة نقير، وقد كنت تتمنى في قرارة نفسك بكل أمل ورجاء أن يصدقوك، لكن نفس كلماتهم الجوفاء كانت تأتيك مبهمة غير مفهومة لديك, لأنك في الحقيقة لا تريد أن تفهم أو تسمع شيئاً مما قالوه من كلماتهم الحبلى بعدم الاكتراث, والممطرة باللامبالاة والسامجة كطعام بدون ملح منذ أمد سحيق.
- ياسيدي صدقنا لا نقدر على مساعدتك بشيء سوى بالإسعافات الأولية هذا هو المتعامل به في مستشفانا وهذه هي الأوامر..!
تفيق من تذكرك وأنت قد صرت أمام مخبز لبيع الخبز، تلجه لتشتري منه قوت عيالك الأربعة وأمهم، ستة أرغفة فقط محسوب حسابها منذ أول الشهر وتحديداً منذ اللحظة التي استلمت فيها المرتب السابق.
تعاود سيرك في الشارع الواحدة ظهراً والشمس تلسعك وتلهب قفاك بشدة, لأنك دوماً لم تتطلع إلى الأعلى إلا بوجل، كنت قنوعاً زيادة عن اللزوم على الرغم من حاجتك الشديدة لكل فلس، لم تطالب حتى بحقوقك المكفولة لك بحكم القانون، خمسة عشر عاماً مضت وأنت في الدرجة السابعة، زملاؤك منهم الآن مدراء ورؤساء لشركات ومؤسسات كبرى بل ومنهم الوزراء، وأنت كعيبان(2) مستقر مكانك تردد بضعف بينك وبين نفسك مقولتك وحكمتك العاجزة.. "هم لم يصلوا إلى ما هم عليه إلا بالخداع والنفاق والرشوة", وأنت تدري تمام الدراية بأن هذا غير صحيح أبداً, بأنه وهم كاذب أطلقته لتداري عجزك على أن تحذو حذوهم، فليس كلهم غشاشين أو منافقين بل منهم الصالحون والمجتهدون في أعمالهم مثلك تماماً، ولكنهم عرفوا الحياة أكثر منك وعرفوا أيضاً بأن الحظ لا يأتي سوى مرة في العمر، فيصيب من هو مقدام متطلع إلى الأمام بعزم وعندما أتى بالطرق الشريفة أو بغيرها أستغلوه، الشريف منهم وغير الشريف، الأمين والسارق وهم الآن فوق في القمة وأنت دونهم لا زلت تعارك ظلك الجبان تحت في السفح.
لقد جاهدوا ووصلوا إلى ما وصلوا إليه، أنت فقط كنت الأخير والجبان.. نعم جبان وهّياب بكل ما تعنيه هذه الكلمة من معان.
هل تذكر صديقك محمود الذي اختارك زمان لتشاركه مشروعه الطموح دون سائر أصدقائه الآخرين, والذي لو نجح فسيغير نظام تعامل المؤسسة وعملها إلى الأفضل ويوفر لها ملايين الريالات سنوياً، لكنك خفت، جبنت تهيبت المسئولية, وكان يجب عليك الإقدام لأنك ستقدم بشرف لا لتسرق كالغير ولكن لتشيد وتعمر، أبيت المساعدة على الرغم من أنها كانت في صالحك، تخوفت لقاء المدير العام وهو يناقشك تفاصيل المشروع، أمهلك شهراً.. ثلاثون يوماً كاملة للتفكير ومراجعة ذاتك, لتأتيه بعد هذا كله وتقول له وبالفم المفتوح عن آخره.."آسف", صرخ، نعم تتذكر جيداً بأنه صرخ وكأن ثمة صاعقة أصابته من هول المفاجأة المتمثلة في ردك الأجوف.. "محسن أجننت.. إنها فرصة العمر يا رجل لمَ الرفض", أجبته بتفاهة وخوا: "أخاف الفشل.. العقاب!!"
"لكن" وهو لا يريد التصديق "ممن العقاب وأنت لن تخرق القانون أو سواه، ولم الفشل وأنت تعي مهنتك وطبيعة عملك جيداً!!"
"آسف".. بكل إصرار أبله في أعماقك أجبته، ونجح المشروع كما كان متوقعاً له نجاحاً باهراً، وتحدثت عنه كل وسائل الإعلام بل وطالبت بتعميمه على باقي المؤسسات, وترقى محمود إلى نائب المدير العام وبعد مرور ثلاثة أعوام لا غير، صار مديراً عاماً للمؤسسة كلها الآن، وأنت كما أنت لا زلت ذلك المحاسب درجة سابعة لا تقدم ولا تؤخر، تأكل أصابعك.. تقضم أظافرك، تتمزق ندماً, تعصف بك رياح القهر وضيق العيش، ضاقت عليك الأرض على سعتها، لو أنك وافقت محموداً أيها الغبي لو..!!
يعود إليك شعورك مذعوراً من رحلة ذكرياتك التي لا تنسى على صوت كابح قوي لسيارة مسرعة كادت أن تدهسك تحت عجلاتها السود كأيامك وتسويك بالإسفلت كعلبة فارغة, تتمتم والعرق يتصبب منك غزيراً بكلمات مبهمة" أرجو المعذرة, لم آخذ بالي.. آ..و.." فصدمك صوت ساخط ومخدر
"لا تعتذر وكفاك خبالاً, أنتبه لطريقك أيها المجنون هل تريد أن تموت؟!"
قال هذه الكلمات وأنطلق ذاك الذي كان على وشك أن يرديك وييتم صغارك يسابق الريح، والقدر، والموت.
رددت بعمق كلمة الموت في أذنيك.. ولكن أين هو هذا الموت من يبيعه في هذه الأيام الملعونة فقد أصبح الشيء الرخيص الوحيد في هذا الزمن الصعب.
فجأة يترائى لك وجه أبنك الأصغر بسام ذي الوجه الملائكي البريء كبراءة نوارس السماء الحالمة، وحمى السعال الديكي تعصف به، تخنق عمره وتفتك بجسده أمامك، أذابت رونق وجهه البللوري وأنت تراه، عيناه تذوبان كزهرة بالية ولا حول لك ولا قوة، ويسعل بألم شديد حتى طفح الدم من فمه قادماً من شلالات صدره الغض النازفة..
" بابا.. صدري يؤلمني أخبر الطبيب يضرب لي إبرة"!!
أبداً لن تنسى هذه الجملة التي خرجت من أعماق طفلك الذي يمزقه الألم مدى حياتك، فبكيت ليس بالآهات كما هي العادة بل بالدموع الغزيرة الانهمار المرة الطعم، وعندما رآك تبكي أراد تعزيتك في نفسه ببراءة الصغار" بابا حبيبي لا تبكي أنا بخير وغداً سوف أهجي لك ألف باء فقد حفظت ما علمتني إياه".
أه يا بسام الحبيب يا بسمة عمري، ويا زهرة حبي ويا أملي الذي كنت من أجله أعيش، أخذتك مني يد المنية التي لا شفقة في قلبها، مزقت وشائج قلبي حطمت آمالي بفقدانك ياسيدي الصغير، أحالت سويعات فرحي بقربك جحيماً لا يطاق، أين أنت ألن تعود يا صغيري الحبيب؟!
ها أنت ذا تعود وتكلم نفسك من جديد كمن فقد عقله..
"هل أنا مجنون كما قال سائق السيارة؟" تتسائل مقلباً كفيك في الهواء مرتجف القسمات.
تواصل مسيرك ببطء وتعب والغبار المتطاير يكتم أنفاسك, تمرق بمحاذاتك سيارة مرسيدس زرقاء اللون منطلقة كالسهم، انتبه أنها على وشك أن تقذف بك في الفضاء لتلحق بصغيرك الذي رحل قبل الأوان، تتراجع مذعوراً إلى الوراء وقلبك بين أضلعك يخفق بشدة الرعب الذي امتطاه حتى يوشك أن يتوقف عن الحركة.
آه.. تخرج من أعماقك بحسرة وغيرة، أنه سامي أبن محمود مدير عام المؤسسة, يمتلك سيارة فارهة وهو لم يتجاوز السابعة عشرة من عمره، بينما أنت يتهدد صغارك المرض.
سرعان ما تنسى الذي رأيت وتعود إلى سحب ذكرياتك الداكنة وتغوص في أعماقها، تتذكر وحياتك كلها ذكريات عندما خرجت من المستشفى كالمجنون تهرول لا تدري إلى أين، تبحث عمن ينجدك فذهبت إلى كل من تعرف تستنجد بهم هلعاً يملؤك الرجاء بمديد العون إليك، كلهم قالوا "لا" باعتذارات باهته يتحججون، شرحت لهم بأن ابن الفرحة، فارس صحراء حياتك المجدبة وواحة روحك وسيد أحلامك على وشك أن يسقط وينهزم عن جواده، يكاد أن يقهره طفيلي حقير "ساعدوه في معركته هذه من أجل أن ينتصر ويعيش لي شمساً ومطراً وسنبلة".
لا فائدة كلهم اعتذروا كما هي عادتهم، ولأول مرة منذ بداية صداقتك لمحمود تفكر بأن تذهب إليه كي ينجدك, وذهبت وهناك استقبلك بشهامة ونبل و..حب، أطلقت كلماتك في وجهه كالرشاش دون ترتيب، تجهم وجهه الرزين أرتدى ثيابه وعلى عجل وانطلق معك صوب المستشفى على متن سيارته الفخمة, وأنت تدعو الله في سرك أن يقدم الخير أمامك.
ولكن مهلا..ألم تلحظ أنه من يلبي نداء ملهوف وينجد مضطراً ليس باللص أو الغشاش المنافق، بل إنسان كريم الأصل رهيف المشاعر وهذا محمود بجوارك والقلق مرتسماً على وجهه من أجل ابنك أنت لا أبنه هو.
هل نسيت بأنك اتهمته بينك وبين نفسك بأنه غير شريف, هل تعتقد بصدق أن مثل هذه الصفة تجدها عند إنسان غير شريف.. ستقول وبكل تأكيد لا، أنا هو العاجز الجامد مكاني كتمثال فرعوني قديم، أما هم فقد غامروا واجتهدوا ونبذوا الخوف والرهبة وراء ظهورهم, وهاهم ومحمود أحدهم يسوق سيارة لن تركب في حياتك القادمة مرة أخرى عليها ولو أدخرت مرتبك لمائة عام من الادخار المهلك.
وصلتما المستشفى لتجد زوجتك وأبناؤك الصغار ينتحبون, تجول بناظريك بينهم تبحث عن بسام الصغير لكنك لا تراه, تهتز الأرض تحت قدميك بعنف، خطر لك خاطر مروع رهيب فتصرخ بجنون.." بسام.. لا ؟؟", عرفت دون أن يخبرك أحد أن واحتك في الأرض المجدبة، وفرحتك التي كنت تدخرها لصعاب الحياة قد ذهب صوب السماء، أغمي عليك لهول الصدمة التي هوت على ذاتك المستباحة أمام كل الآلام، لم تدرك كم من الوقت مضى وأنت ملقى على الأرض, فقد استفقت مذهولاً وجسدك كله يرتجف, وكمن نسي شيئاًَ تذكرت أن بسام قد رحل إلى البعيد ولن يعود، صار أبعد مسافر في الوجود فأجهشت بالبكاء كالثكالى.
أخبرتك زوجتك وأنتم عائدون إلى البيت تحملون جثمان فقيدكم الصغير استعداداً لدفنه ومواراته التراب، من بين دموعها بأن صديقك محمود قبل أن يذهب وضع في يدها ألف ريال بينما أنت في غيبوبتك القهرية، آخ ما أقساها هذه الحياة قبل ساعات معدودة كنت تبحث عن خمسمائة ريال لا غير حتى لو بعت عمرك كله، ولم تجدها وفي يدك الآن ألف ريال كاملة لكنها أتت بعد فوات الأوان.
واليوم ها أنت قد استأذنت من مديرك في العمل نصف دوام لتذهب وتبحث عمن يزيد فوق راتبك, لتعالج بجزء منه أبنك الأكبر الذي ألم به مرض فجائي, وها هو ينهي شهراً كاملاً في البيت دون شفاء، ولسوء الحظ لم تجد العون إلا من قريبة منك أعطتك مائة ريال لا غير هي كل ما استطاعت إعطاءك أياه، لكن ماذا تعمل مائة ريال في هذا الزمن الوحش؟
"عليكم ألف ألف لع..تريد أن تطلق صوتك بكل قاموس اللغات التي تُنطق بعد لكنك تتراجع متمتماً باستغفار بارد ومتلعثم أستغفر الله العظيم، لكنهم هؤلاء الأقارب وحوش ليسوا من البشر" تتحجر الكلمات في حلقك وتموت.
تصل إلى بيتك فترى نسوة يدخلن ويخرجن وهن متشحات بالسواد تسبقهن دموع المجاملات، فتخاطب نفسك في دهشة ما الأمر، ماذا يجري هناك هل..؟؟؟
لا تستطيع إكمال جملتك المستفسرة، تهرول مسرعاً ترتقي السلالم كالمجنون صوب شقتك الصغيرة التي تشبه علبة الكبريت, وهناك تجد في انتظارك النحيب والعويل وبقايا من رائحة الموت الذي حل للحظات في دارك، وكأنما الألم والحزن هما طريقاك في دروب العمر المتشابكة حتى تموت أنت أيضاً.
تتيبس كعمود من خشب عند عتبة الباب وأنت ترى زوجتك وهي تبكي بحرارة ولوعة فقيدها الجديد يعتصرها الكمد دون شفقة..
"أوه ياولدي.. ذهبت أنت الآخر وتركتنا، لماذا.. آه"
تيقنت من أن أبنك البكر قد ترك الساحة، ساحة العراك والفقر وشظف العيش والتحق ببارئه, حينئذ ولأول مرة في تاريخك يسقط رغيف الخبز من بين يديك, ولكن هذه المرة كانت ستة أرغفة تدحرجت صوب القاع, بينما أنت كنت تهوي إلى قعر هاوية من الإحباط والرعب والفزع, "لِمَ ياقدري أنت قاسٍ عليّ هكذا.. لِمَ" بغضب هذه المرة..
بدأ السخط يجتاحك كشرارة من البرق..
" لِمَ " ونار غضبك يزيدها الحزن اشتعالاً وجنوناً، وهذا شيء جيد وكأن موت صغارك هو مَنْ سيحيي فيك إعتدادك بنفسك، وعدم الخوف من أي شيء حتى وأن كان القدر نفسه، بداية التحرر من عقدة الخوف والخواء. "يا قدري أنت جبان هكذا؟"
ودون أن تشعر به يتقدم أحد أطفالك, أوسطهم منك ليأخذ بخاطرك الممزق ألماً وحسرة والمضمخ بالدموع القانية, "لا تبكِ يا بابا.. قاسم وبسام سيأخذان بيديك يوم القيامة ويدخلانك كما أخبرتنا الجنة، لا تبكِ.. بابا", وبكى هو نيابة عنك.
تركته على الأرض يبكي هو والنسوة وعدت أدراجك إلى بئر السلم تبحث عن أرغفتك الستة التي تدحرجت قبل قليل من بين أصابعك،والتي لم تنسها وأنت تبكي ابنك الفقيد بدمع مختلف هذه المرة وكأنه دمع الانفجار القادم الذي يغلي داخلك!!!.

صنعاء 1989


هامش:
1 نقم: جبل يقع شرق مدينة صنعاء
2 عيبان: جبل يقع غرب مدينة صنعاء
3- اللوحة المرفقة للفنان التشكيلي العالمي سلفادور دالي



إقرأ أيضاً


التعليقات

لا توجد تعليقات حتى الآن ، كن أول المعلقين

إضافة تعليق





كاريكاتير

إستطلاعات الرأي