يوميات كورونا

 قصي الشيخ عسكر
2021-01-30 | منذ 4 شهر

من نافذة الصالة تلك الفسحة التي يطل بها على العالم، لمح الأشجار تترنح، وكان المطر يجلد الأرصفة. كلّ شيء في الخارج قاتم مبهم الملامح. في الليل، قبل أن يغفوَ، أبصر السماء صافية وتراءت له بعض النجوم فمتى انقلب الخارج؟ ومما زاده ضجرا أنّ الوقت مازال مبكّرا على قدومها، وفي هذه الساعة ليس معه سوى طائر الكوكتايل الذي اشتراه العام الماضي من المزاد الشهير في (ملتون) واختارت هي اسمه، لكنه الآن في هذه اللحظة لا يسمع صوتا صادرا عن القفص. هناك هسهسة من مكان ما. شدته الحركة فالتفت أسفل النافذة فرآى نحلة عند الزاوية اليمنى تعلو وتهبط. لا يشك أنها دخلت البارحة حين لاح الجو لطيفا ففتح المصراع بضع ساعات ليملأ رئتيه بهواء نقيّ قبل أن ينام. لقد كان متعبا حقّا إذ بقي على الهاتف ينتظر، حتى إذا جاء دوره تناوشته السيدة الممرضة بفضولها الممل. مجرّد اشتباه دفعه للاتصال أو رغب أن يطرد عنه القلق في حين واصلت السيدة على الطرف الآخر إلحاحها:

هل تشعر بحرارة؟

لا أظنّ.

حشرجة في الصوت؟

نعم.

ضيق في التنفس؟

نعم. وكل عام يلازمني زكام فلا يفارقني إلا بعد أشهر

ألم في المعدة؟

شهيّة مفتوحة؟

ألم المفاصل؟

زوغان البصر؟

حسنا ابق على اتصال معنا.

انتبه أنه يحبس نفسه حبسا استعراضيا. السيدة من خط الطوارئ 111 نصحته ألا يغادر البيت. وليس معه إلاطائر الكوكتايل، أما (ميشيلة) فتزوره ثلاث ساعات في الأسبوع ولم تنقطع عن زيارته خلال الجائحة، وكان صاحب المزاد أكّد له أنه سيدِّرب الكوكتايل على أيّ جملة يرتأيها، ولن يدفع مبلغ السبعين جنيها إلّا يوم يأتي فيأخذ الطائر. سيقول كما أراد: طاب يومك سيدي ولن يخشى أن يفتح القفص ليجعل الطائر يتسلّق ذراعه فقد دربوه وجعلوه يفقد عشر ريشات من أحد جناحية. كانت النحلة مازالت تستعرض على الزجاج حين سمع جرس الباب، أطلّ برأسه فوجد كيسين من الطعام وضعهما متطوّع وقف أسفل السّلَّم. حيّاه فرد عليه بابتسامة، وضع الكيسين على دكة المطبخ، وعاد إلى الصالة.

أكثر من ساعتين على قدوم (ميشيلة). قبل عام في أول شهر لبلوغه الثمانين، استقبلها، وقتها لم يكن يرتاح لها. فضَّل لو بعثت التعاونيّة واحدة أخرى، نحيفة أو رشيقة ثمّ اعتاد عليها، وجدها لطيفة صريحة إلى درجة السذاجة. قالت له إنها مصابة بالسكري، لكنها على الرغم من بدانتها راحت تعمل بخفّة النحلة.

تضحك برشاقة..

تبتسم..

والأهم من كل ذلك أنها أحبت الكوكتايل.. حالما تقول له مرحبا بك يرد عليها مرحبا بك أيها السيد، فتضحك من أعماقها حتى يرى طيات بطنِّها تهتزّ من الضحك وتعقّب:

لا يسّرني ذلك الأفضل أن أكون سيدة.

أمنحُها حرية أكبر.. أوحي لها بأنَّها يمكن أن تتصرف خلال تلك الساعات الثلاث كما لو أنَّها في منزلها، لا أدري لِم أفعل ذلك فهؤلاء موظفون يتعاملون بحدود. يبتسمون بوجوهنا نحن كبار السن يخدموننا، لكن مقابل أجر مع ذلك استدرجتها بلطف إلى أن تبوح ببعض خصوصياتها. أمّ لشاب في السابعة عشرة يعيش مع أبيه. انفصلت وعاشت مع شريكٍ سنتين، ورغبت عن الصداقات. كان يستفزها ولا يدري لم يفعل ذلك. ها هو يشرف على الثمانين. صادق الكثيرات في أكثر من بلد. وفي آخر زيارة لها شعر بالضيق حين غادرت. حاول أن يداري الوقت بمتابعة التلفزيون. ترك الكوكتايل مشغولا بحبة عباد الشمس. يثق فيه ثقة عمياء مادام فقد عشر ريشات من أحد جناحيه، راح يتابع خطاب رئيس الوزراء وهو يعلن الحظر. مجرد فضول وقضاء وقت. هل يجرب في الزيارة المقبلة أن يمسك يدها بحنان. يطبع عليها قبلة. لكنّه الحظر الذي جعل الآخرين يبتعدون عن بعضهم بعضا. سيجرِّب حين تنتهي كل الإجراءات. بدا رئيس الوزراء مرهقا، أكثر نحافة وما زالت آثار كورونا بادية على ملامحه. وقف يحث المواطنين على أن يلزموا بيوتهم:

stay home

وفاة طبيب عراقي في مشفى ليستر وعدد الإصابات في ازدياد… أعلام قوس قزح ترف:

Thank you for NHS والناس أمام بيوتها تصفق، من غريب المصادفات أن الكوكتايل تسلل إليه تلك اللحظة قفز إلى الأريكة واستقر جنبه يتابع أعلام قوس قزح. سألها باهتمام:

لم أسمه بعد هل تحتفظ ذاكرتك باسم ما؟

تأملت لحظة وقالت بابتسامة طفولية:

ماذا لو تسميه هاري! واستدركت: مجرد اقتراح

لا بأس اسم جميل ليكن هاري.. طاب يومك يا هاري

تعال يا هاري.. طاب يومك أيها السيد، لكنه الآن مشغول عن هاري الكوكتايل بالنحلة التي تأخذ النافذة صعودا ونزولا، لا بد أنها ظلت محبوسة طوال ليلة أمس. كان يستل المفتاح الصغير من الدرج حين رن الهاتف:

سيد عبد الواحد أنا أكلمك من مكتب البلدية أقول لك آسفة ميشيلة لن تأتي اليوم لقد انتقلت إلى مقاطعة أخرى، أظن أننا نحتاج إلى أسبوع في ظل هذه الظروف لنرسل لك موظفة آخرى أي شيء يطرأ اتصل بـ111

لا مفاجأة إذ لن يرى بعد اليوم السيدة ميشيلة..

لفحة ذهول

حزن ما شفاف

ألقى على الأمير هاري نظرة سريعة، وهمس طاب يومك يا هاري ثم انتقل إلى موضع النافذة، حيث مازالت النحلة تهبط وتصعد وهي تلامس الزجاج بجناحيها، فتح المصراع فلفحته العاصفة بفحيحها وكانت الأشجار الضخمة مازالت تترنح أمامه وتطايرت أوراق من على المنضدة، في الوقت نفسه كانت النحلة تتمايل مثل الاشجار الضخمة، وتختفي عن عينيه وسط الأجواء القاتمة الحمراء…



إقرأ أيضاً


التعليقات

لا توجد تعليقات حتى الآن ، كن أول المعلقين

إضافة تعليق





كاريكاتير

إستطلاعات الرأي