شعرقص.حواركتاب الأمةأدب عالمينقدفكراصدارات جديدةاخبار ثقافيةتراثفضاءات

رفح مدينتي

2024-05-14

أم فلسطينية تحتضن طفلها في غزة لتحميه من القصف الاسرائيلي- الأناضول

عاطف الشاعر

تأتي أيّامٌ أودُّ فيها لو لم أستيقظ من النوم، مع أنَّ أشهى ما أُحِبُّ هو رؤية النهار مُشمساً طازجاً، مُنزَّهاً من المُنغِّصات التي لم يُعدّ لها قلب ولا روح. ها هي رفح مدينتي ومدينة أهلي والأصحاب والجيران، تقعُ تحت طائل الإنذارات الإسرائيلية المُروّعة للإخلاء، وخصوصاً للمنطقة الشرقية حيثُ يقطنُ الرَّبْع. حيّ السلام، حيثُ نشأت، وحيّ الجنينة المُجاوِر، وحيّ الشوكة، وحيّ البيوك. تلك الأحياء، وتلك الأسماء التي لها في الذاكرة علامات ومشاهد ومواقف، كلّها تحت مرمى جهنّم "إسرائيل"، مرمى الموت والدمار والكذب.

لي هناك طفولة تمتدُّ من البحر الأبيض المتوسّط الساطع بزُرقته والشمس التي تُحرِّرُ جسده من التجمّد وَتُدفِّئُه، حتى منطقة الشوكة والدهينية شرق رفح، هناك حيثُ كانت تُغنّي الحساسين وكنّا نأكلُ اللّوز الأخضر، ونشوي الشنار (الحجَل) وأجنحة الدجاج على وقعِ قهقهات الأصحاب ونِكاتهم المدوّية، عن آخِر ما في حياتهم المُزدحمة بـ المواقف والعثرات والشهوات.

تلك هي عشوائيّة "إسرائيل"، حين تُنصِّبُ نفسها محلَّ أعتى الآلهة لتفرضَ الويلات على أجساد الأطفال وغيرهم من المساكين، تطلبُ منهم الفرار إلى ما يستحيلُ الفرار إليه، وتطلبُ منهم تَرْك أشجارهم حيثُ عشَّش في قلوبهم حبّ الأرض، ومقابر عائلاتهم، وذكرياتهم، وصياح الديوك مؤذنةً ببدء الصباح، وهمهمة الحمير والأحصنة في البراري الخالية، ونباح الكلاب الضالّة، ومكان التجمُّع في الليالي حول إبريق شاي اسودّت معالمُه تماماً من كثرة ما التهمته النيران وعشقته الوجوه، وسَلْق البيض أو الباذنجان أو بسطات الفلافل عند منحنيات الشوارع، وزغاريد النساء عند الأفراح، وتوشُحهنّ بالسواد عند الأتراح، وسفر الصوت المُسجّى بعادات السجع القديم من المساجد بعد بعض الصلوات، ويوم الجمعة للمؤمنين كي يُؤمنوا أكثر وتستقيم عباداتهم، وفي عيونهم هموم الدنيا تتقاطر، عباداتهم التي تُنجيهم من الإغراقِ في هموم الدنيا شديدة الأثر من حولهم، وعباداتهم التي لولاها لمُحقتْ قلوبهم من العبث.

ستستشري حِمَمُ الصواريخ من الدبّابات والطائرات والبنادق والزنّانات والزوارق، وآخر معالم الجحيم في الأيادي الإسرائيلية من المصانع الأميركية. كلّها ستثبت فعاليتها في مدينتي رفح ومدن غزّة المُعذّبة. ستُعاد كَرَّة الخراب: سيموتُ أطفالٌ أكثر، ستُقلعُ أشجارٌ أكثر، ستُهدمُ وتُحرقُ بيوتٌ، وستَسقطُ القذائف والشظايا على المستهدفين، والمارّين، والنائمين، والبعيدين والقريبين، والمُسالمين، والمُقاومين، وستُقطَع أطرافٌ أكثر، وسيزداد العويل والحَرْقة والشوق على من ذهبوا، وسيتفشّى الخوف والمرض والفقر، والقهر، والإرهاق، والتيه، وتصدعُ نفوس من تبقّوا، هؤلاء الذين ما تبقّت حياةٌ في عيونهم ولا ضوء إلّا واستهدفته مشاريع الموت الإسرائيلية.

يا لهُ من عبَثٍ جحيمي تتربّعُ على عرشه "إسرائيل"، وولاة نظامها في "البيت الأبيض". يا لهُ من عارٍ مُرَكّب، وخراب مُحقّق يمتدُّ من أروقة السواد والكذب والتضليل في تل أبيب إلى مراكز القرار التوراتية في الكونغرس الأميركي والجُبن الغربي مترامي الأطراف، يُطاردون شباناً وشابّاتٍ أحراراً من شعوبهم في الجامعات لأجل عيون الإجرام الإسرائيلية، يمنعون أنبل الناس، كالطبيب غسّان أبو ستّة، من الإدلاء بشهادته عن الموت الإسرائيلي المفروض على الشعب الفلسطيني في المستشفيات، وفي الطُّرقات، وفي البيوت، وفي الهواء المُدلهمّ بالرَّماد ورائحة الجُثث المُتحلِّلة والمجاري وصُراخ الناس على أحبّائهم المفقودين تحت الرُّكام، وآخر صعقة موتٍ حلّت بالناس بينما هُم يبحثون عن شربة ماءٍ ولقمة خبزٍ تسدُّ رمَق أبنائهم وبناتهم.

إنَّ أنبل كلمات الحبِّ بأعمق دلالات الإنسانية والرحمة لا تكفي لكِ يا غزّة، يا أوّل وآخر قلاع المقاومة أمام أكثر الأعداءِ همجيّة وسوداوية. إن حياتنا بكلِّ تفاصيلها تتأثّر بدمارِ الحياة فيكِ، وتكادُ عقولُنا تنتفضُ علينا من عجزها أمام ما تتعرّضين له من ظُلمٍ يتناثر كوابيسَ في كلِّ فضاءاتِ حياتنا. إنّنا نتكلمُ حتى نستقوي على الصمت الضارب في قلوبنا من قهرنا، ونكتبُ لعلّنا نتحرّر من ضيق مآلاتنا وأنفاسنا.

إنّ حياتنا بدونِ الالتحام روحاً ومعنى معكِ يا غزّة وفلسطين وطولكرم وجنين ونابلس والقدس والخليل وبيت لحم، تبقى هروباً من الوعي والضمير والشعور، هروباً لا يليقُ بأي حُرٍّ تعني له حياته وحياة الآخرين المظلومين شيئاً. إنّنا حين نتقدّمُ نحوكِ يا غزّة، وأنتِ مَن تُذبَح الحياة فيكِ على الملأ، فإنّنا نقصد أنفسنا، لعلَّ أطفالنا وشعبنا ومستقبلنا يرون النور من عتمة أحلكِ اللحظاتِ فيك.

إنّ الكوكبَ الأرضي يبقى ملعوناً مذموماً ما لم تتحرّك أفئدةُ ناسه ضدَّ من يفرضُون الموت والخراب عليكِ. أنتِ صغيرة في الجغرافيا، عميقة الأثر، تجلٍّ كثيف لكلّ المعاني الإنسانية وغير الإنسانية في ساحةٍ تدفعُ أثماناً لا يحتملها عدوٌّ ولا صديقٌ، وتكشفُ ثنايا الضمائر في هذه الغابة البشرية الكبيرة. لا توجد بقعة في التاريخ البشري الحديث، وربّما القديم، أشدُّ سواداً من تلك التي تتربعُ على عرشها "إسرائيل".

وتبّاً للكراهية أينما كانت، لو كانت بلا سبب، لو كانت بلا فهم، لو كانت بلا أمل. تبّاً لأيّ إلهٍ، قديم أو حديث، يباركُ الموتَ والدمار ضدَّ الأبرياء، والمساكين من أجل توسّع وتثبيت الهيمنة. تبأً لكلِّ قوّة مهما كانت لا تُوقفُ الدّم النازف من أجساد أطفال فلسطين، هؤلاء الذين معجزتهم وجودهم في ظلِّ الخراب الإسرائيلي، والانهيار الأخلاقي العالمي الرسمي.

سأُتابع المشهد يا مدينتي، رفح، سأُتابعه بكلّ أسىً وحسرة، وبكلِّ لعنةٍ يستصرخُ بها القلب على مُرتكبي الموت والدمار من "إسرائيل" وأميركا، وغيرهما من عصابات السَّفَلة.

كاتب وأكاديمي فلسطيني مقيم في لندن









كاريكاتير

إستطلاعات الرأي