
حسونة المصباحي* بعد رحلات شيّقة إلى بلدان ومدن من جميع أنحاء العالم، وصلت إلى تلك القرية المكسيكية البيضاء الواقعة على الساحل الباسيفيكي. نزلت من الحافلة التي تعجّ بمهاجرين مكسيكيين عائدين من كاليفورنيا، وتحديدًا من لوس أنجليس وسان دييغو، وجارًّا حقيبتي سرت باتجاه وسط القرية. طقس دافئ، وشمس مشرقة ف
مصطفى حديد كحلة القمل حدثنا زوج خالة والدي وهو من مواليد النصف الثاني من القرن التاسع عشر فقال: ــ تسلط عليَّ الرمد حتى لم تعد تنفع معه القطرات، ولا غسول البوريك، ولا أملاح التوتياء. مرت جِمال (عنزة) على ماء الحميرة، وهي قناة صغيرة كانت دائمة الجريان. نشفت القناة لمدة نصف النهار بعد أن ا
زيد عيسى العتوم* أقود سيارتي صوب تلك القرية الهادئة، لا تنفكّ سجاجيد العشب الصامت عن ملازمتي كلما نظرتُ يمنة ويسرة، وفوقي أسراب من الطيور المحلّقة ترافقني بعضها ربما لأخذي إلى وجهتي التي استشعَرتها أو لظنها أنني أرعى نوعاً غريباً وهادراً من الماشية الحديدية، أبطأتُ سرعتي قليلاً لنيل قسط آخر من الرو
صلاح بوزيان* هل ستهرب؟ سأهرب مستخفيا، سأهربُ من غيظ يلازمني، سأهربُ من عالم الدماء والقهر والتنازع، سأهرب من أمي وأبي وحمار عمي إسماعيل، سأهربُ من الخيبات والتطبيع، سأهربُ من الطوابير التي نعيشُ فيها في السوق وأمام المغازة العامة، ودكاكين الخبز والدقيق والزيت، سأهربُ من الأغراب الذين اجتاحو
صالح الرزوق* وجدت عمتي فرخ غراب وراء غطاء النافذة، فحملته إلى البيت وكرست له قسطا من وقتها. كانت تنظفه بليفة رطبة وتطعمه قشور الخس وأعواد البقدونس، لكن نصحها عدولي بالبيض، وأخبرنا أن الغربان عدو بقية الطيور، لأنها تأكل بيوضها قبل أن تفقس. كان عدولي ينام في كوخ على الرصيف، ويعتني بحديقة البن
فاروق يوسف حنجرة في حجرة «ولكن المسألة كلها أنني أجنبي وأنت مواطن»«تضحكني فكرة أن أكون مواطنا في بلد لا مواطنين فيه»«إذن سنكون متساويين. أنت في حجرتك وأنا في حنجرتي»«مرة ثانية سأضحك. ذلك لأن حنجرتك هي ببغاء في حجرتي»«الفكرة أننا سنفترق
جمال العتّابي* في شوارع المدينة الترابية كنتَ تتسكع، متحسراً على أيام الدفء التي مضت، تبحثُ عن مأوى، على ضفاف الساقية تتسكع، غير مكترث لواجبك المدرسي، تفضّل متابعة الكرة في ملعب فريق الجمعية. عند نواصي الأزقة تتمهل، تتلفت حولك، لا يأبه بك أحد، لديك شعور غامض بأنك مرفوض ومنبوذ في هذه المدينة
هيفا نبي * ــ أنظر إليها من هنا، من هذه الزاوية، كم تبدو منشغلة! لا تترك شيئًا يفلت من يدها إلا لتلتقط آخر. قال الرجل الأول متأملًا المرأة من نافذته.صمت قليلًا، ثم أضاف:ــ من حيث أنظر، تبدو وكأنها تكرّس نفسها بإخلاص لكل ما تفعله. لكني أعرفها جيدًا... لم تكن حاضرة يومًا. إنها تدور حول نفسها كص
عمر الحمود* كنتُ أحلمُ بامرأةٍ جميلة، عطشى للعشق، بيني وبينها مودة، وتخضلّ بحرف همسة، وتسكر في رقّة لمسة. وسُرِقَ حُلمي. استيقظتُ، ولم أجد امرأةً جميلة ولا امرأة قبيحة.وقدّمت شكوى إلى القاضي، فسألني: هل كنت تحلم برخصة؟قلت مع شهقة دهشة: لا أعلم أنّ الأحلام تحتاج إلى ترخيص.قال منتصراً: القانو
عبد الله جنّوف أردت إدخال الدجاج في القنّ، فامتنع الديكة الأربعة، ثمّ دخل هرم وشابّان بعد مطاردة ومحاصرة، وأبى الرابعُ. وكلّما حاصرته حلّق كرئيس هارب، فتركته... رجعت بعد ساعة ففهمت أنّه قفز عاليًا ولم ير شبكة سمك أمنع بها الحمام المتطفّل من نهب طعام الدجاج، فعلقت فيها رقبته واختنق قبل أن أصل إليه.ح
شادية الأتاسي* في وقت ما من طفولتي كنت مع رفيقتي وشريكتي في هوى الحكايات، ننتظر بشغف عند غروب كل شمس – قبل أن يجبرنا أهلنا للذهاب إلى النوم- سؤال ماما نعيمة الساحر:ـ كان يا ما كان في قديم الزمان، نحكي ولّا نام؟كانت تعرف الجواب، إلا أنه كان يحلو لها أن تستفزّنا، أو ربما هي تريد أن تستمتع بسماع
باسم المرعبي* كان منخي رِخي يلقب نفسه بالكاتب العالمي ويحلم بإصدار أعماله الكاملة، رغم أنه لم يكتب حرفاً واحداً. ولم يكن يأبه بنصائح والديه وأصدقائه بالكفّ عن هذا الجنون، فقد تملّكه اعتقاد مرَضي راسخ بأن كل من يثنيه عن تطلعات
ثائر دوري* حدق الصغير شرقاً فملأت حدقتيه زرقة السماء الصافية، فصرخ:بابا.. بابا إنه البحروأشار نحو السماء، ابتسم الأب وصحح له :بابا هذه السماء وليست البحر.كانت سيارة النقل تمرق كسهمٍ بين بيارات البرتقال الواقعة في السهل الممتد شمال اللاذقية،على طريق القصر الجمهوري، بينما الصغير الواقف بين سا
صلاح بوزيان* تنفس الربيع منذ أيامٍ، الشمس تخاتل، مرة تشرق فتخترق الأرض ومن عليها، وأخرى تحتجب وراء السحب وتهطل أمطار وتهب رياح، فيتألم باعة الآجر والجص والحمير والبغال والأغنام والإبل والتمور والصخور.. وتحدث شنائع وتشيع الصكوك، والناس في وجلٍ من تقلبات الجو.. اليوم الطقس دافئ ربيعي قبالة ال
رضا نازه* رفع رأسَه وسط الرؤوس المتطامنة وصوتَه قائلا: «هْنِيَّة هي الرجل فيكم!»، سرت يمينا ويسارا همهمات متبرمةٌ متبرئة من عبارة اتخذها البودالي لازمة منذ الصباح. كان يرددها بصوت جهوري لا يخطر ببال سامعه أن صاحبه بنحافة البودالي وخفته. اغتاظ من اغتاظ وظل هو يستمتع بارتدادات لاز
صالح الرزوق* كنا ستة في العنبر، مات أربعة، وبقي اثنان. أنا وهو. ولا أعرف لحينه ما هو مرضي. سألت الطبيب عدة مرات، فانتهرني بقوله: ليس الآن. بعدين. ألححت بالسؤال على الممرضة، فهمست: تشنج في الرئة. سألت جاري: وهل يسبب التشنج كل هذه الآلام؟ كنت أشعر أحيانا بأنني مرفوع على الصليب. قال: إذا رافقه
عبير خديجة* في تموز/يوليو الماضي، هرعتْ امرأةٌ، وعلامات الرعب على وجهها، بسرعةِ قطةٍ دِيسَ على ذيلها، إلى الطريق، وتبعها، بعد دقيقتين، رجلٌ شبهُ عارٍ من الأسفل، يقفز كالكنغر، وصراخُه المجنون يسبقه. أمسك الرجل بالمرأة، ولم يترك عضواً في جسدهِ دون أن يُشارك في حفلة ضرب المرأة، ولولا لُطف الله و
مارا أحمد استمرت الحوارات بينهما عدة أشهر.. يغيب على فترات ثم يعود.. وكل عودة ببداية جديدة كأنه شخص آخر.. احتارت في أمره.. كيف يعود بكل هذا الشغف، وعلى لسانه نفس الحوار.. الذي ينتهي بنفس الجملة.. سأشتاق إليك.. لا تغيبي.. ويتوارى خلف ستائر الستان زرقاء اللون.. ثم عود جديد بقلب جديد وموعد جديد.. تقل