
الطيب ولد العروسي*
في سياق الاحتفال باليوم العالمي للغة العربية، وفي ظل النقاش المتجدد حول موقع اللغة ودورها في عالم تتسارع فيه التحولات الثقافية والهوياتية، نظّم المركز الإسلامي بمدينة إيسي-لي-مولينو، بضواحي باريس، يومًا ثقافيًا ثريًا ومتعدد الأبعاد، شكّل مناسبة فكرية وفنية لإعادة تسليط الضوء على اللغة العربية، لا بوصفها مجرد أداة تواصل، بل باعتبارها حاضنًا حضاريًا وذاكرة تاريخية أسهمت بعمق في تشكيل الثقافة الإنسانية.
افتُتح هذا اليوم الثقافي بكلمة للأستاذ كريم، مدير المركز الإسلامي، ركّز فيها على أهمية اللغة في بناء جسور الحوار بين الثقافات والحضارات، مؤكدًا أن اللغة ليست كيانًا جامدًا، بل كائن حي يتفاعل مع محيطه، ويتأثر ويؤثر، ويعكس تاريخ الشعوب وتجاربها. كما شدد على أن اللغة العربية، بما تحمله من إرث معرفي وأدبي وفلسفي، تظل عنصرًا أساسيًا في أي نقاش جاد حول التعدد الثقافي والعيش المشترك، خصوصًا في المجتمعات الأوروبية متعددة الهويات.
تأثير العربية
شكّل المحور الأول من اللقاء محاضرة فكرية متميزة حول كتاب أكاديمي لقي صدى واسعًا لدى الجمهور الفرنسي، وهو كتاب "أجدادنا العرب… ما تدين به لغتنا لهم" للأكاديمي الفرنسي جون بريفو، الذي صدر قبل سنوات، غير أن الاهتمام به تزايد إلى حد إعادة نشره في طبعة “كتاب الجيب”، ما يعكس تعطش القارئ الأوروبي إلى إعادة اكتشاف الجذور المنسية للغته وثقافته.
في هذا العمل، يتناول المؤلف أكثر من أربعمئة كلمة فرنسية متداولة في الحياة اليومية، وفي مجالات متعددة تشمل الفنون، والطبخ، والموسيقى، والزراعة، والعلوم، والملابس، والتجارة، وغيرها، ليكشف عن أصولها العربية، مستندًا إلى مصادر لغوية موثقة، ومعاجم فرنسية مرجعية. ولا يكتفي بريفو بإثبات الأصل اللغوي، بل يربط كل كلمة بسياقها التاريخي والحضاري، موضحًا كيف انتقلت من العربية إلى اللغات الأوروبية عبر الأندلس، أو الترجمة، أو التبادل التجاري، أو الاحتكاك الثقافي.
وخلال المحاضرة، أكد المؤلف أن اللغة العربية تحتل المرتبة الثالثة من حيث عدد الكلمات الدخيلة في المعجم الفرنسي، بعد الإنجليزية والإيطالية، مشيرًا إلى أن عدد الكلمات الفرنسية ذات الأصول العربية يفوق بضعفين عدد الكلمات المنحدرة من لغة الغاليين، وهم أجداد الفرنسيين القدماء. وهو معطى يثير الدهشة، ويدعو إلى إعادة النظر في السرديات السائدة التي تقلل من أثر الحضارة العربية الإسلامية في تشكيل الوعي الأوروبي.
وقد أرجع بريفو هذا الحضور القوي للغة العربية إلى جملة من العوامل التاريخية، من أبرزها الدور الذي لعبته الحضارة العربية الإسلامية في نقل الفلسفة والعلوم اليونانية إلى أوروبا في العصور الوسطى، عبر الترجمة والشرح والتعليق. كما أشار إلى تأثير الأدب العربي، والتبادلات التجارية بين ضفتي البحر الأبيض المتوسط، إضافة إلى دور الهجرة الحديثة في إدخال مفردات عربية إلى اللغة اليومية المعاصرة، سواء بشكل مباشر أو عبر اللهجات.
مستشرق استثنائي
أما المحور الثاني من اليوم الثقافي، فقد خُصص لتكريم أحد أبرز المستشرقين الفرنسيين الذين كرسوا حياتهم لخدمة الثقافة العربية، وهو شارل بيلا، الذي عُرف بلقب «صديق الجاحظ»، نظرًا إلى انشغاله العميق بتراث هذا الأديب العربي الكبير. وقد قدّم الدكتور محمد الجويلي محاضرة معمقة تناول فيها سيرة هذا الباحث، مبرزًا أبعاده الإنسانية والعلمية، ودوره الريادي في مد جسور التفاهم بين العالمين العربي والغربي.
وبيّن المتدخل أن شارل بيلا، المولود في الجزائر في سياق استعماري معقد، انجذب إلى اللغة العربية منذ طفولته، قبل أن يتخذها مجال تخصصه الأكاديمي، ليصبح واحدًا من أبرز أعلام الدراسات العربية في فرنسا. وقد درّس في مؤسسات علمية مرموقة، مثل جامعة السوربون، وجامعة بوردو، والمعهد الوطني للغات والحضارات الشرقية، كما كان عضوًا فاعلًا في عدد من مجامع اللغة العربية في العالم العربي، منها العراق وسوريا، وهو اعتراف نادر بمكانة مستشرق غربي في المؤسسات اللغوية العربية.
وشهد اللقاء لحظة إنسانية مؤثرة بحضور حفيد شارل بيلا وحفيدته، اللذين عبّرا عن علاقتهما القريبة به على المستوى العائلي، وأكدا محبته العميقة للعالم العربي وثقافته. كما أشارا إلى أنهما لم يكونا على دراية كاملة بمكانته العلمية الرفيعة إلا بعد وفاته، نظرًا إلى صغر سنهما آنذاك، وهو ما يعكس تواضع هذا العالم، وبعده عن الأضواء.
البعد الوجداني
إلى جانب المحاضرتين، تخلل اليوم الثقافي عدد من الأنشطة الموازية، من بينها ورشة فنية حول الخط العربي، أتيحت خلالها الفرصة للمشاركين لاكتشاف جمالية الحرف العربي وأبعاده الفنية والروحية. كما نُظم معرض ثقافي حول كتاب «كليلة ودمنة»، أحد روائع الأدب الحكمي العالمي، تخللته قراءات قصصية قدمتها المترجمة والكاتبة الفرنسية ماريان فايس، أمام أطفال من أعمار مختلفة، في مبادرة تهدف إلى تقريب التراث العربي من الأجيال الناشئة بأسلوب تربوي وتفاعلي.
واختُتم هذا اليوم الثقافي بأمسية شعرية وموسيقية، أحيتها الفنانة المغربية نزيهة مفتاح، المعروفة بلقب «فيروز المغربية»، وهي فنانة تقيم في باريس، بدأت مسيرتها الفنية في مدينة شفشاون شمال المغرب. وقد أضفت الأمسية بعدًا وجدانيًا على الحدث، وجذبت جمهورًا متنوعًا من مختلف الخلفيات الاجتماعية والثقافية، في مشهد يعكس قدرة الفن على تجاوز الحدود وبناء المشترك الإنساني.
ويمكن القول، في الختام، إن مثل هذه الأيام الثقافية لا تكتفي بالاحتفاء باللغة العربية بوصفها تراثًا لغويًا، بل تسهم في إبراز صورتها الحقيقية كلغة حية، منفتحة، ومؤثرة في محيطها، وتفتح آفاقًا جديدة للحوار الثقافي في زمن تتزايد فيه الحاجة إلى خطاب عقلاني وإنساني، بعيد عن التوظيف السياسي المتطرف والضيق، وقريب من قيم المعرفة والتعايش.
*كاتب جزائري