حل القوات الاستعمارية: ما أعجز إسماعيل الأزهري وقام به نايريري
2026-07-19
عبدالله علي ابراهيم
عبدالله علي ابراهيم

ليست الحرب الزؤام التي تبتلينا بالتعيسة بعد وقوع الفأس على الرأس. فهي، على كراهتها، مما وصفه ونستون تشرتشل خلال كلمة منسوبة له بـ"الأزمة الناصحة" التي لا ينبغي أن نقذف بها في سلة المهملات. وهو بالفعل ما نرتكبه بحقها لامتناع صفوة الفكر والقلم عندنا التفكير فيها إلا كلعنة أو عبث. 

ومن أوسع أبواب التفريط في هذه "الأزمة الناصحة" باب مقارنة أوضاعها بأوضاع غيرنا. فسال مداد غزير يقارن الأوضاع التي سبقتها بأحوال كانت في ليبيا وسوريا واليمن والصومال. وهي مقارنة لا تراعي الفروق بين السودان وأحوال تلك البلدان السياسية والعسكرية. فهذه المقارنة في أحسن حالاتها نوع من الفأل السيئ أكثر منها علماً سياسياً. فلم نخضع خصائص السودان العسكرية السياسية بعد لنظرة مستقلة لنرى إن كان يصدق عليها ما صدق على ليبيا وسوريا واليمن والصومال.

 فمتى استعراضنا لأوضاع هذه البلدان وضح تباينها عن أوضاع السودان. فما تتفق فيه جميعاً هو قيام الثورات فيها وقد خلت من جيش مهني قومي. فقامت الثورات في تلك البلدان دون الصومال، وقد انتدبت نظمها الحاكمة جيوشاً قبائلية (اليمن وليبيا) أو عقائدية (سوريا) توطدت على حساب الجيش الوطني. ولم يشذ "نظام الإنقاذ" في السودان في البحث عن جيش آخر، غير الوطني، ليحميه من غوائل الهبات الشعبية عليه، أو حتى تمرد جيشه الوطني، ولكنه لم يبلغ بهذه العملية مبلغاً استضعف الجيش الوطني استضعافاً أخرجه من الميدان.

فحكم معمر القذافي في ليبيا بالقوات الخاصة من دون الجيش بعد هزيمته في تشاد عام 1987 لينشئ الحرس الجمهوري من شعب القذاذفة وحلفائهم، بل استغنى عن وزارة الدفاع نفسها. من جهة أخرى، سادت الثنائية العسكرية السورية منذ عهد حافظ الأسد، فكانت الفرقة الرابعة، علوية الهوى، بقيادة ماهر الأسد، شقيق بشار الأسد، نداً، بل خصماً للجيش، السنّية فيه غالبة. وضربت الثنائية القبائلية جيش اليمن منذ انتصار علي عبدالله صالح في الحرب الأهلية عام 1994، فانقسم جيشه بين مناصر له ومناصر لعلي حسن الأحمر. أما في الصومال، فما إن انهزم الرئيس سياد بري خلال عام 1990 حتى تفرق الجيش الوطني إلى الجهات الأربع وسادت الميليشيات. وخلافاً لجميع الحالات التي جاؤوا بها لمقايسة السودان بها ترى أنه كانت فيه قوات مسلحة لم تبلغ القرن من العمر قبل عامين سدى. وعلق بها بالطبع من شرور السياسة كثير الطالح الذي كاد يقتلعها من مركز قيادتها نفسه في هذه الحرب. ولكن كانت السياسة نفسها من وطّنها في خبرة لا إدارة الحرب وحدها، بل البلد نفسه لعقود.

وصحّت مقارنات لأوضاعنا لا يتطرق إليها فكرنا السياسي، فلو صحت مقارنة أوضاع السودان في أتون الحرب، لما صدقت مثل صدقها عن العراق وهايتي، في مطلب الصفوة في جماعة "صمود" والجذري وأضرابهما، حل قواتنا المسلحة لأنها حكمت البلاد بالحديد والنار لعقود. ففي كلا البلدين كان ذلك الاستبداد من وراء، لا المطلب بحل جيشيهما وحسب، بل في واقعة حلهما بالفعل. فالمعارضون لنظام البعث هم من كانوا وراء حل الجيش العراقي ضمن تفكيك دولة البعث. وهي خطة لم تجد استحسان لا البنتاغون ولا وكالة الاستخبارات الأميركية. وتكبدت أميركا الأمرّين من جراء ذلك الحل الذي فرّغ طواقم حسنة التدريب العسكري للعمل المسلح ضدها، علاوة على التفريط في حصرية السلاح بقيام ميليشيات نراها تستقل في يومنا بقرار الحرب والسلم عن دولتها. وخرج حل جيش هايتي عام 1994 من ضغينة مدنية سياسية لذهنية العسكريين الانقلابية ضد الديمقراطية. فجيش هايتي إما حكم البلاد مباشرة أو تحت خدمة ديكتاتور مثل فرانسوز دولفير (باب دوك) (1957-1971). وبتبخّر الجيش، تحكم هايتي ليومنا العصابات تحت سمع العالم وبصره. ولا أعرف هولاً يصيب البلد في مقتل ولا تتعافى منه لعقود، إذا ما تحقق لـ"صمود" ومن تواثقوا معها، حل القوات المسلحة كما عرفناها.

ومن بين المقارنات المبتكرة أخيراً ما اتُفق لبعضهم عقده بين جيش السودان وتنجانيقا (تنزانيا الحالية). فكتبت الصحافية رشا عوض أنهم رأوا بأم أعينهم "أن المؤسسة العسكرية، معول هدم الدولة السودانية وأداة تفكيكها وتعذيب شعبها، وأكبر ثغرة للتدخلات الخارجية الخبيثة، فهي أهم وكر للعمالة والخيانة الوطنية وسرقة الموارد الاقتصادية". وتمنت لو كان قرار حكومة الاستقلال الأول (بزعامة إسماعيل الأزهري) هو حل هذا الجيش المصمم على حراسة سلطة المستعمر وقمع الشعب، والشروع في بناء جيش السودان المستقل بمواصفات منسجمة مع توجه دولة وطنية مستقلة، تماماً كما فعل (الرئيس يوليوس) نايريري مع جيش تنزانيا غداة الاستقلال".

ووضعتنا رشا عوض أمام مقارنة أخرى غير موفقة أقله، فنايريري بالفعل أعاد النظر في الجيش ولكن لسبب غير أنه أراد أن يطهره من دنس الاستعمار لو شئت. كان يريده كما تركه الاستعمار في وجه حركة سياسية معارضة أرادت تحريره من ذلك الدنس بـ"أفرقة" قيادته في الأقل. وهي "أفرقة" ناصبها العداء ذلك الطليعي في حركة التحرر الأفريقي، كما سنرى.

فاصطرع في تنجانيقا بعد استقلالها في ديسمبر (كانون الأول) 1961 موقفان حيال ما ينبغي عمله لإحلال التجانيقيين مكان الإنجليز والآسيويين ممن شغلوا مناصب الدولة العليا والمتوسطة خلال فترة الاستعمار. وهما الموقفان اللذان عُرفا بـ"التوطين" و"الأفرقة"، فعنوا بالتوطين أن تكون الوظيفة في تنجانيقا المستقلة للسكان المستحقين بغض النظر عن العرق، بينما عنت "الأفرقة" أن تقتصر الوظيفة على الأفارقة ذوي البشرة السوداء.

وكان نايريري داعية توطين، أي أنه أراد أن يبقى عدد كبير من الموظفين المدنيين والضباط والجنود البريطانيين والآسيويين في وظائفهم بعد الاستقلال. وكانت النقابات و"حزب المؤتمر الأفريقي" المعارض على خطة "أفرقة" مؤسسات الدولة عن بكرة أبيها.

وبلغت من استماتة نايريري عند التوطين، عرض استعداده أن يضحي برئاسة الوزارة التي كان أول من شغلها، فقال عن فساد عقيدة "الأفرقة" إن "المواطنة صفة تخص الفرد لا الجماعة. الحقوق التي نعترف بها هي حقوق الأفراد". ولم يقتصر تبنيه للتعددية الثقافية عند حد الوظيفة في البلد، بل سمح لغير الأفارقة بأن يشغلوا حتى مناصب دبلوماسية تمثل تنجانيقا. ووصف "الأفرقة" بأنها "شكل من أشكال التمييز العنصري"، وأكد أن الدولة "يجب أن تستفيد من كامل مخزون المهارات المتاحة... أما لون البشرة التي تحمل هذه المهارة، فلا أهمية له على الإطلاق".

كان نيريري وأنصار سياسة التوطين يخشون تطبيق سياسة "الأفرقة" لاعتقادهم بأنها ستؤدي إلى إضعاف القدرة المؤسسية والتنظيمية الهشة أصلاً للحكومة الجديدة. وانطلاقاً من هذا التصور، وافق نايريري على توفير شروط تفضيلية لبقاء الضباط البريطانيين في تنجانيقا، بما في ذلك منحهم الحق في الحصول على مستحقاتهم التقاعدية ومعاشاتهم ومغادرة البلاد متى شاؤوا. ودفعت هذه الامتيازات 85 في المئة من الموظفين المدنيين البريطانيين إلى اتخاذ قرار البقاء في وظائفهم بعد الاستقلال.

ولم يتراجع المطالبون بـ"الأفرقة" عن مواقفهم، فدعا حزب "المؤتمر الوطني الأفريقي" والنقابات العمالية إلى قطع علاقاتها مع حزب الاتحاد الوطني الأفريقي لتنجانيقا (تانو) بسبب موقفه المناهض لـ"الأفرقة"، ووصفت أدبيات "المؤتمر الوطني الأفريقي" نيريري بأنه "العميل الأول للإمبريالية" و"أداة الاستعمار الجديد" والوكيل الرئيس والزعيم الدائم لحزب "تانو" متعدد الأعراق. وفي واقع الأمر لم يكُن حزب "تانو" نفسه على قلب رجل واحد مع نايريري حول التوطين. فتحالف مع النقابات ونفذ إضراباً لدعم مطلب "أفرقة" الدولة. ولم يتراجع نايريري عن موقفه، فاستقال في يناير (كانون الثاني) عام 1962 بعد 44 يوماً من توليه رئاسة الوزراء.

وكان لنايريري تدبير آخر، فاستغل فترة ابتعاده من السلطة للإعداد لعودته رئيساً للجمهورية في انتخابات ديسمبر 1962. وشهدت الفترة العاقبة، لا تمسكاً منه بخطة التوطين وحسب، بل فرض نهجاً كاملاً لفرض سلطانه على الدولة أزهق الديمقراطية الليبرالية التي جاءت به إلى الحكم مرتين. فدعا إلى إقامة نظام الحزب الواحد، ولجأ إلى اعتقال أبرز معارضيه من دون محاكمة. ومع ذلك لم تتراجع المعارضة لسياسته المناهضة لـ"الأفرقة"، فأضرب العمال تأييداً لها في فبراير (شباط) 1963، كما طالب اتحاد عمال سكك حديد في فبراير 1963، بـ"الأفرقة" الفورية لجميع الوظائف، باستثناء المناصب ذات الطبيعة التقنية العالية. وامتد السخط إلى قوات الشرطة التي احتجت على تعيين أوروبيين ضمن سلكها بمرتبات عالية في وظائف يحسنها ضباطها مثلهم. 

واتخذ الجدل حول "الأفرقة" منحى دراماتيكياً وحاسماً بعد اضطرابات زنجبار في يناير 1964، فخلال أقل من أسبوعين على إعلان نيريري إصراره على سياسة التوطين، تمرد الجنود في دار السلام، عاصمة تنجانيقا. وخشية أن يؤدي "إنهاء سياسة الأفرقة" التي انتهجها نيريري إلى إبطاء وتيرة الترقيات، طالب الجنود بزيادة الرواتب واستبدال الضباط البريطانيين بضباط أفارقة. وكان جميع ضباط الجيش الذين تعلو رتبهم رتبة نقيب، بريطانيين، كما أن غالبية الضباط المفوضين (59 في المئة) ممن تعلو رتبهم رتبة ضابط صف، كانوا أيضاً بريطانيين.

وكان من الممكن أن يطيح التمرد بنايريري لولا أنه استدعى القوات البريطانية للتدخل وقمع التمرد. وعاد لمنصبه وهو يشعر بحرج بالغ بسبب اضطراره، وإن على مضض، إلى طلب تدخل البريطانيين. ووصف ذلك الحل الأجنبي لمشكلته بأنه "أشد مظاهر العار التي لحقت بأمتنا". وألقى باللوم على خصومه السياسيين، قائلاً إنهم هم "الذين جلبوا هذا العار علينا... أولئك الذين حاولوا ترهيب أمتنا بقوة السلاح".

واهتبل نايريري السانحة لفرض سلطانه الرئاسي على كل وجوه الدولة، فخلال أسابيع قليلة من التمرد حلّ اتحاد نقابات عمال تنجانيقا ووضع جميع النقابات العمالية تحت اتحاد جديد خاضع لسيطرة الحكومة. ولإزالة المعارضة شكّل لجنة لوضع خطة لتحويل تنجانيقا إلى دولة الحزب الواحد. وعرض لفلسفة الحاكم والمحكوم بمصطلح أبوي، فالقادة مثل الآباء، ولا يمكن لأي منهم أن يسمح للأطفال-المواطنين "أن يفعلوا ما يشاؤون بغض النظر عن النتائج".

ومع تصميم الحزب الحاكم بوصفه المؤسسة العليا في البلاد وفق دستور عام 1965، أصبحت السلطة التشريعية كما الحكومة لحزب "تانو". فحتى "إعلان أروشا" (1976) الذي كان "إنجيل الاشتراكية الأفريقية"، لم يُناقش لا في البرلمان ولا في مجلس الوزراء، بل أعلنه الرئيس وقادة الحزب الحاكم علناً. ولتعزيز قبضته على الجيش، أنشأ نايريري ميليشيات شعبية جرى تجنيدها إلى حد كبير من رابطة الشباب التابعة للحزب.

وإذا كان ثمة شيء لم يقُم به نايريري، فهو تحرير الجيش من نفوذ الاستعمار، وزاد ضغثاً على إبالة بإقامة دولة رئاسية صماء خصيصاً لكي لا يحرر الجيش الموروث.

نصح تشرتشل ألا يلقي المرء أزمة ناصحة في سلة المهملات مما انطبق حذو النعل بالنعل على تعزيز دعاة حل قواتنا المسلحة لدعوتهم هذه بمثل هذه المقارنة مع تنجانيقا غير الموفقة.

 

*هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولايعبر بالضرورة عن رأي موقع الأمة برس - الاندبندنت عربية



مقالات أخرى للكاتب

  • أنقاض مكتبة بروف عبدالله الطيب: يا دار ما صنعت بك الأيام
  • القوى الحداثية في السودان: الانقلاب مهنتي
  • القائد نور القبة.. انسلاخ أم استسلام؟









  • كاريكاتير

    إستطلاعات الرأي