شعرقص.حواركتاب الأمةأدب عالمينقدفكراصدارات جديدةاخبار ثقافيةتراثفضاءات

الفكاهةُ في الشّعر العربي

2021-08-27

رحاب حسين

تعد الفكاهة عنصرا هاما من عناصر الأدبِ العربي، فهي لونٌ هزلي أدبي موجّه، يقوم على النّقدِ المُضحِك او التنبيه والإشارة الهازِئة معتمداً على أساليب ووسائط فنّية مختلفة، وبما أنّ الضحكَ والفكاهة جزءٌ من الحياة اليومية،حيث وظيفته الروحية المبهجة، فلا بد أن تكون للأديب قدرة على صنعِ الفكاهة بغض النظر عما إذ كان شاعراً، خطيباً، كاتباً، قاصاً او روائياً، فعن طريق الفكاهة والطرفة يسهل الوصول إلى قلوب القراء والمستمعين ويشحذها لاستقبال مواضيعه وآرائه باهتمام، فعقل الإنسان انشط واكثر وعياً للفكرة، أياً كانت، لاسيما إذا طُرحت بطريقة فكاهية مازحة، فقد قال القدماء ان الإنسان يتعلم بالضحك والإضحاك أكثر مما يتعلم بالتجهم والعبوس، فمن شأن روح الدعابة شرح الصدور، وتهدئة النفوس، وهَشّ الأرواح، حتّى إنّ الجاحظ قال ممتدحًا الفكاهة ومؤكدًا أهميتها: «من كانت فيه دعابة فقد برئ من الكبر»، فالفكاهة نوع أدبي وانْ ندر في العصر الجاهلي الا أنّ بوادره أخذت بالظهور في العصر الأموي، ثّم شاع بكثرة وتطوّر مجاله الرّحب في العصر العبّاسي نتيجة لتطور الحضارة وحبّ الخلفاء وسُراة القوم للمجالس وتشجيعهم الشعراء، إذ جعلوا من الفكاهة وسيلة للترويح والترويض الفكري كما قال الرشيد: النوادرُ تشحذ الأذهان، وتُفتّق الآذان.

لطائفُ الفكاهةِ في ذمِ البخلاء

من المعروف أنّ البخلَ ظاهرةٌ سلبية لا يرتضيها اي حُرٍ، والبخلُ هو امتناع الإنسان عن إسداء المعروف، وقطع الخير عن الآخرين، وهو نتاج الأنانية والطمع واللؤم، وفيه قال تعالى «وَلاْ يَحْسَبَنّ الذين يبخلونَ بِما آتاهم الله من فضلهِ هو خيراً لهم بلْ هو شرٌّ لهم سَيُطَوّقونَ ما بخلوا بهِ يومَ القيامة وللهِ ميراثُ السّماوات والأرضِ والله بما تعملونَ خبيرٌ»، ولذلك كان البخلاء محل سخرية، وكثيراً ما تسبب هجاء الشعراء لهم بإضحاك الآخرين، ولأبي نواس في البخلاء مقاطع عديدة كقوله في رجل يُدعى سعيداً:

رغيفُ سعيدٍ عنده عِدْلُ نفسه *** يُقلّبه طوراً وطوراً يُلاعِبُهْ

ويُخرجه من كمّهِ فيَشُمّه *** ويُجلسهُ في حجرهِ ويُخاطبهْ

وإنْ جاءهُ المسكينُ يطلبُ فضلهُ *** فقد ثَكلتهُ أمّهُ وأقاربهْ

يَكرُّ عليه السوطُ من كلّ جانبٍ *** وتُكسرُ رجلاهُ ويُنتفُ شاربهْ

وكقوله في آخر يُدعى الفضل، حيث قال فيه:

رأيتُ الفضل مكتئباً *** يناغي الخبزَ والسّمكا

فقطّب حين أبصرني *** ونكّس رأسه وبكى

فلما انْ حلفت له *** بأني صائمٌ ضحكا

فأبيات الشاعرِ لا تخلو من عِبرة طريفة رُسمت عن طريق الفكاهة و مزج الجدِ بالهزل، وهي تتضمن دعوة الناسِ الى ترك صفة البخل، فالإنسانية تتطلب مشاركة الآخرين الموائد، لاسيما إذا كانوا من المساكين او المحرومين.

والبخلُ اما ان يكون صفة اعتادها الإنسان، فصارت جزءاً من طباعه، واما ان تكون صفة مفتعلة لغرض الشهرة، فقد قيل لأحد البخلاء انّ هناك من هو أبخل منك فدعاه الفضول لمعرفة الرجل الذي فاقه بالبخل، فاتجه نحوه وحينما طرق الباب خرج الرجل واضعاً إحدى يديه على عينهِ، فقال له لماذا تضع يدك على عينك، فأجاب الرجل: انه لمن التبذير ان انظر الى الدنيا بعينينِ!

ويشبه هذا قول ابن الرومي هاجياً احدهم ويدعى عيسى فقال:

ومن البخل ايضاً ان يقعد المرء مكتوف الأيدي تجاه اغاثة الآخرين، وهو قادر على المساعدة، وفي هذا انشد الشاعر الضبي يسخر من بني العنبر الذين لا يغيثون قومه حين يستغيثون بهم فقال:

فالشاعر جعل المستغيث بهؤلاء كمن يستغيث بمن في بطون الأمهات من صغار تهكماً وسخريةً. 

أسباب الفكاهة

ولم تقف الفكاهة عند هذا الحدّ من المواقف بل تجلت وارتبطت في بعض الأحيان بالسخرية من الساسة او لتخليص النفس من المآزق او للدلالة على قوة البديهة، كما قال احد الشعراء ساخراً من احد الخلفاء، حيث شبّهه كطائرٍ محبوس في قفصٍ يكتفي بتنفيذ اوامر القادة الأتراك الذين سيطروا عليه تماماً فقال:

خليفةٌ في قفصٍ بين وصيفٍ وبُغا

يقولُ ما لُقّنَهُ كما تقولُ البَبَّغا

أما عما يخص فكاهة سرعة البديهة، هو مواقف الشعراء في الأزمات للتخلص من المآزق وقد مثّل هذا الاتجاه أبو دلامة، اذ دخلَ يوما على المنصور، وعنده المهدي وجعفر، وابناه، وعيسى بن موسى، فقال له المنصور:عاهدت الله يا ابا دلامة إنْ لم تهجُ واحداً ممن في المجلسِ لأقطعنّ لسانك، قال ابو دلامة: فقلتُ في نفسي قد عاهد، وهو لابد فاعلٌ، ثّم نظرتُ إلى أهل المجلس، فإذا خليفة، وابنا خليفة، وابن عم خليفة، وكلّ منهم يشير إليّ بإصبعه بالصلة إن تخطيته وايقنت أني إنْ هجوت أحدهم قُتلتُ، والتفتُ في المجلسَ يمنة ويسرة لأرى بعض الخدم فأهجوه فلم أرَ احداً، فقلتُ في نفسي: انما حلف على من في المجلسِ، وأنا أحد من في المجلس ومالي الا ان أهجو نفسي فقلتُ:

الا قُبحت أنت أبا دلامة

فلست من الكرامِ ولا كرامة

إذا لبس العمامة كان قرداً

وخنزيراً اذا خلع العمامة

جمعت دمامة وجمعت لؤماً

كذاك اللؤم تتبعه الدمامة

ويصف ما حصل بعد أن قرأ هذه الأبيات بأن المنصور ضحك حتى استلقى، وأمر له بجائزة ووصله كلّ من الحاضرينَ بصلة سنية.

غرض أدبي

ولأهمية موضوع الفكاهة وماله من تأثير في الفكر والنفس والصحة، فثمة طائفة كبيرة من مشاهير العلماء ألفوا في هذا الباب، منهم الخطيب البغدادي في كتابه التطفيل، وابن الجوزي في كتابه أخبار الظّراف والمتماجنين، والحصري القيرواني في زهر الآداب، والجاحظ في كتابه البخلاء، ومع ان الفكاهة غرض ادبي كسائر اغراض الشعر الا ان العرب كانوا ينفرون من الإسراف في المزاح ويرون الفكاهة حسنة بمقدار ما يُجدد الهمة ويذكي النشاط ولذلك قالوا: «الإفراط في المزاحِ مجون، و الاقتصاد فيه ظرف، والتقصير فيه ذم».











كاريكاتير

إستطلاعات الرأي