
منذ مطلع الألفية الثالثة، أصبح صناع القرار السياسي والاقتصادي، بل والتكنولوجي، في الولايات المتحدة والغرب بشكل عام يعتبرون الصعود الاقتصادي والعسكري والتكنولوجي للصين تهديدا خطيرا، وربما وجوديا، للغرب، وأن التصدي له يجب أن يشمل التحرك على أصعدة عديدة، بدءا من التخطيط العسكري وحتى فرض قيود على تأشيرات الطلاب الصينيين الراغبين في الدراسة بالولايات المتحدة، للحد من فرص وصول الصين إلى المعرفة العلمية المتطورة الأمريكية.
وفي تحليل نشرته مجلة “فورين أفيرز” الأمريكية، يقول لوجان رايت، الشريك في مؤسسة “روديوم جروب” للاستشارات ورئيس إدارة أبحاث الاقتصاد وأسواق المال الصينية في المؤسسة، إن الأوضاع الاقتصادية في الصين تغيرت بشكل جذري، حتى أصبح التحدي الاستراتيجي الذي تشكله الصين مختلفا تماما عن ذلك الذي كانت تشكله بالنسبة للولايات المتحدة وحلفائها قبل أربع سنوات فقط، وإن هذا التغيير يمثل فرصة ملحة، بل وربما حاسمة، للولايات المتحدة لكي تعيد فرض هيمنتها الاقتصادية على العالم وتحتوي الصعود الصيني.
ويرى رايت أن العديد من المحللين يتجاهلون حقيقة أن أدوات بكين السياسية لتحقيق النمو الاقتصادي تنطوي في جوهرها على خلل كبير، وهو ما جعل الصين لا تواجه أزمة اقتصادية حادة أو انهيارا سريعا، وإنما تدهورا مستمرا في قدرتها على التأثير في اقتصادها من خلال أنظمتها المالية والضريبية. فبعد سنوات من الاستثمارات الضخمة وتراكم الديون المعدومة، باتت الصين عاجزة عن توليد طلب محلي مستدام من جانب الأسر أو الشركات، لتعتمد كليا على الصادرات لتحقيق النمو الاقتصادي.
ففي العام الماضي، ورغم الحرب التجارية التي شنتها إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب على الصين وأغلب دول العالم، حققت بكين أكبر فائض تجاري في تاريخها، بلغ 1.2 تريليون دولار، من خلال تصدير سلع بقيمة 3.8 تريليون دولار، بزيادة نسبتها 5.5% سنويا. في المقابل، تشهد باقي قطاعات الاقتصاد الصيني تباطؤا ملحوظا منذ عام 2022، وسط انهيار قطاع العقارات والقيود الصارمة التي فرضتها بكين لمكافحة جائحة فيروس كورونا المستجد في 2020.
وأصبح تباطؤ الطلب المحلي في الصين هو المحرك الرئيسي لقوة صادراتها، لأن ضعف الطلب المحلي يعني تصدير فائض الإنتاج بأسعار أقل. وأدى تباطؤ نمو الاقتصاد الصيني إلى تراجع حصتها من إجمالي الناتج المحلي العالمي. فبعد أن بلغت ذروتها عام 2021 عندما سجلت 18.5%، انخفضت الحصة إلى 16.7% وفقا لأحدث البيانات الرسمية. في المقابل، زادت حصة الولايات المتحدة من الناتج المحلي الإجمالي العالمي إلى 26% حاليا مقابل 24% في عام 2021. ويعني هذا أنه لا توجد فرصة لتجاوز الصين الولايات المتحدة لتصبح أكبر اقتصاد في العالم خلال العقد المقبل، بل من المرجح اتساع الفجوة بينهما لصالح واشنطن.
ويقول رايت، مؤلف كتاب “الصين المنهارة: كيف تحطمت المعجزة الاقتصادية وماذا يعني ذلك للعالم”، إن الولايات المتحدة لم تعد تواجه منافسة اقتصادية وجودية طويلة الأمد مع الصين، وإن موقف بكين الاستراتيجي أصبح أضعف بكثير. فللحفاظ على أي نمو، يجب على بكين تركيز جهودها بالكامل على إبقاء أسواق صادراتها مفتوحة، وهو ما يفسر جزءا كبيرا من دبلوماسية الصين خلال العامين الماضيين، سواء مع إدارة ترامب أو مع القادة الأوروبيين.
كما أن تداعيات ضعف نمو الصادرات الآن أخطر بكثير بالنسبة لبكين مما كانت عليه قبل أربع سنوات فقط، لأنها تشمل الانكماش المحلي، وارتفاع أعباء ديون الشركات، وضعف سعر الصرف، وخروج رأس المال، وعدم الاستقرار المالي. ويعني هذا أن الضغوط الاقتصادية على الصين ستقلص قدرتها على مواصلة تحديث جيشها والحفاظ على استمرار الابتكار التكنولوجي، لأن الموارد المالية العامة لها ستتجه نحو الانخفاض.
لكن القاعدة الصناعية الضخمة للصين حاليا تتيح لها السيطرة على نقاط ارتكاز في بعض سلاسل التوريد الرئيسية والمدخلات الوسيطة. كما أن تدهور الاقتصاد المحلي للصين يفاقم التهديد الذي تمثله قاعدتها الاقتصادية الضخمة للاقتصاد العالمي. فمع تزايد الضغوط الاقتصادية التي تؤدي إلى انخفاض أسعار الصادرات، وإجبار الشركات الصينية على توسيع أسواقها الخارجية بحثا عن الأرباح، يمكن أن تتآكل القواعد الصناعية في أماكن أخرى من العالم، بما في ذلك الولايات المتحدة وحلفائها. وإذا فقدت الدول القواعد الصناعية اللازمة لحماية مصالحها الاقتصادية والأمنية، فسيكون لدى بكين فرص أكبر لاستغلال نقاط ضعف سلاسل التوريد كسلاح في المستقبل، وقد يشهد العالم توسع الصين في فرض قيود التصدير لتشمل مكونات صناعية أخرى، وحتى سلعا استهلاكية للضغط على الدول الأخرى.
في المقابل، هناك فرصة سانحة أمام الولايات المتحدة والغرب لكي ينقلب “السحر على الساحر”، وتتحول سيطرة الصين على إنتاج معادن الأرض النادرة وغيرها من نقاط الارتكاز في سلاسل الإمداد، والضغوط التي تمارسها على الدول الأخرى، إلى نقطة قوة لدى الغرب من خلال حل واضح ويحظى بدعم شعبي يتمثل في الضغط لسحب الاستثمارات من بكين، وضخ استثمارات جديدة في الاقتصادات المتقدمة. فإذا استطاع الغرب استعادة مرونته الصناعية من خلال آليات دفاع تجارية فعالة ومحددة لكل قطاع، وضخ استثمارات ضخمة في صناعاته، فستجد بكين نفسها في مأزق خانق. ففي ظل ضعف الطلب المحلي بالصين، سيؤدي تزايد الحواجز التجارية والاستثمارية الغربية عليها إلى تآكل موقعها الاستراتيجي بسرعة.
ويرى لوجان رايت أن أوضاع الاقتصاد الكلي في الصين غيرت طبيعة المنافسة الاستراتيجية تغييرا جذريا، لدرجة أنه إذا غيرت الولايات المتحدة نهجها أيضا، فبإمكانها ردع التهديدات الاقتصادية والأمنية المستقبلية من بكين والتخفيف من حدتها.
وقد تسبب التباطؤ الاقتصادي في الصين وانهيار قطاع العقارات في انخفاض حاد في إيراداتها الضريبية، سواء من حيث القيمة المطلقة أو نسبتها إلى حجم الاقتصاد. فقد بلغت الإيرادات الضريبية وغير الضريبية مجتمعة 15.4% فقط من الناتج المحلي الإجمالي للصين خلال العام الماضي، وهو أقل من جميع الدول الأعضاء في منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية. لذلك بات العجز المالي السنوي للصين يتراوح بين 9 و10% من الناتج المحلي الإجمالي (حوالي تريليوني دولار سنويا)، مما يعني أن قدرة بكين على ضخ المزيد من الأموال في الاقتصاد محدودة للغاية. وللحفاظ على النمو، لا تملك السلطات سوى خيار واحد، وهو الاعتماد على الأسواق الخارجية، وهو ما يمكن أن يصبح، كما يرى رايت، نقطة الضعف المميتة للصين.
في المقابل، خسرت إدارة ترامب نفوذا حاسما في جولتها الأخيرة من المفاوضات التجارية مع الصين، وذلك بمواجهة تهديدات بكين بشأن عرقلة الإمدادات بالتركيز على تأمين الإمدادات نفسها. ولكي تصل إلى اتفاق بشأن الوصول إلى العناصر الأرضية النادرة، وافقت الإدارة الأمريكية على تقليص توسيع نطاق قيود التصدير الأمريكية على أشباه الموصلات للصين، مما أتاح لعدد أكبر من الشركات الصينية إمكانية شراء الرقائق الأمريكية والمعدات ذات الصلة. ومنح هذا النهج بكين مسارا نحو الهيمنة التصعيدية. فمع فائض تجاري ضخم، تستطيع الصين دائما إيجاد صادرات أكثر لتقييدها مقارنة بما تستطيع الولايات المتحدة فعله. في المقابل، لا تملك الصين بديلا حقيقيا لأسواق المستهلكين في الولايات المتحدة وحلفائها.
لذلك ينبغي على الولايات المتحدة قيادة حلفائها لإشراك الصين في عملية تفاوض طويلة الأمد، رسمية أو غير رسمية، تقابل فيها قيود الصين على صادرات المعادن الأرضية النادرة بقيود تجارية غربية تستهدف القطاعات الأسرع نموا في صادرات الصين، مثل الآلات، والروبوتات الصناعية، والمواد الكيميائية، والسفن. كما يمكن لواشنطن أيضا فرض حواجز غير جمركية، كالمعايير الفنية التي تعجز العديد من التقنيات الصينية عن الوفاء بها، للحد من وصول الصين إلى أسواق الاستهلاك الغربية، والأمريكية بشكل خاص، بصورة موثوقة ومستدامة.
أخيرا، يقول رايت إن التباطؤ الاقتصادي الصيني غير طبيعة التنافس الاقتصادي الاستراتيجي بين بكين وواشنطن. فالتهديدات الصينية باتت الآن محكومة ومقيدة زمنيا، وقابلة للردع أكثر من كونها قدرا محتوما على الغرب. وقد تضررت قدرة بكين على تنفيذ خططها الاقتصادية والصناعية طويلة الأجل بسبب التدهور الذي يعتري أنظمتها المالية والضريبية، كما أن تمسك الصين بنموذجها الاقتصادي المتداعي بدلا من تغيير مسارها يقلص آفاق تطورها بصورة أكبر.