شعرقص.حواركتاب الأمةأدب عالمينقدفكراصدارات جديدةاخبار ثقافيةتراثفضاءات

فن استثمار الوقت

2021-03-09

استطلاع: نجاة الفارس

بعد أكثر من عام على جائحة كورونا، إلى أي مدى أسهمت القراءة في الاحساس بعدم العزلة؟ وإلى أي مدى قدمت أفكاراً إبداعية للمثقفين؟ يؤكد عدد من الكتاب أنهم في أثناء الجائحة لجأوا إلى استثمار وقت الفراغ وملازمة المنزل للاستزادة من العلم والمعرفة، ومضاعفة ساعات القراءة والكتابة، ولولا ذلك «الحَجر» لَظلت الكتب مبعثرة والأفكار مشتتة، وفي ظل الجائحة صار معظم الكتاب يمارسون القراءة للبحث في المراجع، أو لقراءة مقالات مميزة تلفت نظرهم، أو روايات وأشعار تستهويهم.

وأكدوا أن فترة الجائحة كانت، ولا تزال فرصة لإعادة ترتيب الإنتاجات الأدبية المؤجلة بسبب كثرة الانشغالات، في ارتباطات العمل، كما أتاحت المزيد من الوقت لوليمة القراءة والمغامرات الشيقة في عالم الأفكار والكتابة.

صقل المهارات

يقول الكاتب محمد شعيب الحمادي: من المهم جداً ألا يقف الإنسان أمام معضلة ما، أو حتى مشكلة من دون حراك، لأن ذلك لا يجدي نفعاً، نحن نقرّ بأن العالم بأسره يواجه محنة بسبب جائحة كورونا التي عصفت بكل المجتمعات، وأضرّت باقتصادات الدول، ولكن هناك فئات من المجتمع استطاعت أن تستفيد من هذه الجائحة بتحويل المحنة إلى منحة ربانية، من خلال إجادة استثمار وقت الفراغ وملازمة المنزل، في الاستزادة من العلم والمعرفة، بمضاعفة ساعات القراءة والكتابة، وبالتالي الإنتاج الغزير من المؤلفات والكتب، وهذه الفئة تتكون من المثقفين والكتاب وعشاق القراءة والأدب، وبما أنني قريب من هذه الفئة، وعلى تواصل مع بعض الكتاب فقد أكدوا لي أنهم انتهجوا هذا النهج واستفادوا من الجائحة، فقد قرأوا كتباً كثيرة والبعض الآخر على وشك الانتهاء من الإصدار الثاني والثالث خلال هذه العزلة.

ويضيف: نعم نحن نعيش في وقت لم نعهده، وظروف قاسية ومؤلمة، ولكن لدينا ما يهوّن علينا ذلك ولو بشكل جزئي، وهو القراءة والكتابة، فمن لا يكتب، يستطيع أن يمارس القراءة لأنها تغذي العقل وتنقل لنا المعرفة، وتصقل مهاراتنا في التحليل والتدبر والتفكير، وعلى الصعيد الشخصي فإنني قمت بتأسيس مجموعات ثقافية وأدبية عبر قنوات التواصل الاجتماعي، واستطعت بفضل تكاتف الأدباء أن نطرح محاضرات وجلسات ثقافية بشكل أسبوعي وشهري، ما أدى إلى كسر العزلة والملل، وفي الوقت نفسه الاستفادة من خبرات الكتاب بشكل عام، وعمدت في هذه الفترة إلى قراءة الكثير من الكتب في أقل من شهر، علما بأني لم أكن أستطع الانتهاء من كتاب واحد في المدة نفسها قبل الجائحة بحكم الأشغال والالتزامات.

وانتهيت من وضع اللمسات الأخيرة لإصداري القادم، علما بأني بدأت كتابته منذ 3 سنوات، ولكن أنجزته في زمن كورونا، فنحن في الإمارات الراعية للثقافة والعلم والمعرفة، ونستمد هذا الاهتمام والرعاية بالكتاب من قادتنا، حفظهم الله، والدعم اللا محدود لعشاق القراءة ومتذوقي الأدب والثقافة.

وقفة مع النفس

الشاعر الدكتور محمد فياض، يقول: تعوّدت في المساء أن أخرج إلى لقاء بعض أصدقائي؛ لتغيير جو كما يقولون، ولم ينقطع هذا اللقاء خلال (15) سنة، إلا لليال معدودة لظروف حرجة، وفجأة عمّ بلاء «كورونا» الكرة الأرضية، وكان ما عُرِف بالحَجر الصحي، وأن يلزم الناس بيوتهم مع حلول الليل، بداية أصابني كدر وهمّ فظيع، وغلب على ظني أنني سأصاب بجنون في هذا الحجر، لكن ما إن مرت الليلتان الأولى والثانية، حتى بدأت ألملم نفسي من ناحيتين، الأولى في جمع ما تبعثر من كتاباتي هنا وهناك، والثانية في برنامج مطالعة جديد، وكانت المفاجأة اللذيذة؛ فتمّ لي خلال بضعة أشهر تهيئة ما يقارب عشرة كتب للطباعة، بعد أن كانت مبعثرة في مستندات متفرقة، وقرأت من الكتب ما لم يكن يخطر ببال، خاصة في الشعر والأدب، وأذكر أني قرأت -ولأول مرة- كتاباً من (400) صفحة في جلسة واحدة، وهذا لم يحدث من قبل. ولولا ذلك «الحَجر» لَظلت كتبي مبعثرة وأفكاري مشتتة.

حياة متخمة

الكاتب نبيل الحريبي الكثيري، يقول: بعد أكثر من عام على جائحة كورونا أصبحنا نتعامل مع الآخرين عن بعد، وفقدنا حضور الندوات والمؤتمرات والأمسيات الأدبية التي كانت جزءاً من حياتنا الدورية، وأصبحنا في عزلة حقيقية، فمهما بلغ عدد قنوات «الزووم» التي نشارك بها يومياً فإنها لا تساوي ساعة واحدة برفقة زملائنا الأدباء والكتاب والمثقفين، وبالنسبة إلي تغلبت على العزلة بمزيد من الكتابة والقراءة وممارسة رياضة المشي لوقت طويل، فالقراءة الهواية الرئيسية لي خاصة في ساعات الهدوء القليلة المتاحة في البيت، ومع الحظر الاختياري أفضّل ومعظم أفراد أسرتي البقاء في البيت وعدم الخروج إلا للضرورة القصوى حفاظاً على صحتنا وحياتنا وحياة الآحرين.

ويتابع: في السابق لم تكن القراءة المنتظمة أولوية في حياتنا المتخمة بكل أنواع الأجهزة الالكترونية إلا لمن هم على علاقة من قريب بالكتاب أو الكتّاب بمختلف مشاربهم ومدارسهم الإبداعية، ولكن في ظل الجائحة صار معظمنا يمارس القراءة للبحث في المراجع، أو لقراءة مقالات مميزة تلفت نظره.

ويؤكد الكثيري أنه خلال عام كورونا أصدر عدة كتب وشارك في أخرى، منها كتاب عن الطبخ وهو «مطبخ الشيف نبيل» بمشاركة 50 مبدعة عربية تعتز بتراث بلدها الإنساني، وكتاب آخر عن الشعر النبطي وهو «ديوان الذكريات»، ورواية جديدة بعنوان «صندوق نوال الصغير» تتحدث عن قصة حب أفلاطوني، وكتاب بعنوان إمارات «المحبة والتسامح» بمشاركة 140 من الإمارات ومعظم الدول العربية، حيث عبر كل منهم عن رأيه في الإمارات، فالإبداع لا يتوقف حتى في زمن الكورونا، وكل إنسان مطالب بالاستمرار في دحر الفيروس وطرده نهائياً من منظومة كرتنا الأرضية.

متنفس

الشاعرة هبة مقدم، تقول: لا شك في أن السنة الماضية كانت ضربة قاصمة تعرضت لها الإنسانية والفنون والتعليم كنتيجة لوباء كورونا العالمي الذي أبقانا في عزلة محكمة، وتعطلت فيه الكثير من الأعمال، وأثار فينا الدهشة والقلق، والاستغراب والفضول، لمتابعة أحداث العالم في بادئ الأمر، ولكن سرعان ما ألفنا الوضع الجديد، حيث وضعنا في مواجهة حاسمة مع أنفسنا، فلم يتأفف أصحاب المواهب والفنون بشكل عام، ومن يهتمون بالكتابة الإبداعية والتأليف والقراءة والترجمة من العزلة، بل كانت متنفساً ومنفذاً ليمارسوا فيه إبداعهم.

هذه العزلة هدية وفرحة غامرة لكل قارئ شغوف بالكتاب، وكانت فترة من القراءة المكثفة وتأمل الحياة واكتشاف الذات، هذه العزلة بسبب الوقت الذي تتيحه مع رفيق مأمون الجانب فتحت نافذة لعالم الخيال والقصص، تجعلك تقهر أي مشكلة تواجهك مهما بدت قاسية، بل كأن العزلة تختارك حين تمكنك التوغل في داخل كل تلك الحكايات، مفعماً بالقوة التي يمنحك إياها الأدب، فيأخذك الشعور بالرغبة في الانفراد أكثر وأكثر والولوج من قصة والخروج من أخرى، وبالحديث عن العزلة لا بد لنا من ذكر قصة جابرييل ماركيز في رائعته «مئة عام من العزلة»، وكيف وطّن نفسه ولم ينهض من أمام الآلة الكاتبة، ثمانية عشر شهراً، وهو يكتبها بهوس وذهن متأجج، وبطلها خوسيه الذي ينفق سنوات من العزلة لاكتشاف أسرار الكون في رائعة من روائع الأدب.











كاريكاتير

إستطلاعات الرأي