شعرقص.حواركتاب الأمةأدب عالمينقدفكراصدارات جديدةاخبار ثقافيةتراثفضاءات

مدن من الأشباح

2020-12-29

السينما وحدها، كصناعة ثقافية، خسرت  10 مليارات دولار حتى نهاية مايو/أيار الماضي

القاهرة - مدحت صفوت

إلى جانب قطاع السياحة، تعد القطاعات الثقافية والإبداعية من بين أكثر القطاعات تضرراً من أزمة جائحة «كوفيد ـ 19»، وحسب إحصاءات رسمية تصل الوظائف المعرضة للخطر لنحو 40% من العمالة في الإنتاج الثقافي.

مع إعلان منظمة الصحة العالمية «كوفيد ـ 19» جائحة، وانقلبت أحوال العالم برمته، واتجهت جلّ الدول إلى سياسات الإغلاق، والحد من الحركة، وتطبيق الإجراءات الاحترازية والوقائية؛ أهمها التباعد الاجتماعي، الأمر الذي حوّل أكبر المدن الفنية والثقافية إلى «مناطق أشباح».

خسائر بالجملة أصابت القطاع الثقافي، ونظراً لتوقف حركة الطيران لفترات طويلة، جاءت القطاعات القائمة على المكان الثقافي مثل «المتاحف والفنون المسرحية والموسيقى الحية والمهرجانات والسينما» وما إلى ذلك، على قائمة الأكثر تضرراً من تدابير التباعد الاجتماعي.

وحسبما أفصحت منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (OECD)، هي منظمة دولية تعمل على بناء سياسات أفضل من أجل حياة أفضل، فإن الانخفاض المفاجئ في إيرادات المؤسسات الثقافية يعرض استدامتها للخطر، وهو ما أدى فعلياً إلى انخفاض الأجور، وتزايد عمليات تسريح الموظفين.

قد تكون خسائر الدخل هي الجزء الأول فقط الذي يصيب مستثمري القطاع الثقافي، وفي الموجة الثانية، تكون الخسارة المقبلة على نحو أوضح في المبيعات بخاصة بالنسبة لدور النشر؛ بسبب المكتبات المغلقة أو الكتب المؤجلة طباعتها، فيما تحمل الموجة الثالثة عواقب كونها غير مرئية في السوق، الأمر الذي يصيب العاملين بالمجال الثقافي بالقلق على مستقبلهم الوظيفي.

خسائر بالجملة

لا خلاف على ما سببه فيروس كورونا على الفنون والثقافة و«الاقتصاد الإبداعي»، وحسب دراسة للأكاديميين الأمريكيين ريتشارد فلوريدا ومايكل سيمان، المتخصصيْـن في إدارة الفنون بمعهد LEAP التابع لجامعة ولاية كولورادو لأبحاث الفنون، فإن الأزمة الراهنة يمتد تأثيرها إلى صناعات مثل السينما والإعلان والأزياء، إضافة إلى المهن الإبداعية كالموسيقيين والفنانين وفناني الأداء والمصممين.

وقدرت الدراسة ذاتها الخسائر في مبيعات السلع والخدمات والتوظيف والأرباح للصناعات الإبداعية والمهن الثقافية، داخل الولايات المتحدة فقط، خلال الفترة من 1 إبريل/نيسان إلى 31 يوليو/تموز الماضيين، بفقدان 2.7 مليون وظيفة وأكثر من 150 مليار دولار في مبيعات السلع والخدمات للصناعات الإبداعية على الصعيد الوطني، وهو ما يمثل ثلث جميع الوظائف تقريباً في تلك الصناعات و9% من المبيعات السنوية.

كما تأثرت صناعات الفنون الجميلة والأدائية وتكبدت خسائر تقدر بنحو 1.4 مليون وظيفة و42.5 مليار دولار في المبيعات، ومثلت هذه الخسائر 50٪ من جميع الوظائف في تلك الصناعات وأكثر من ربع إجمالي المبيعات المفقودة على الصعيد المحلي.

وقبيل الأزمة، كانت الصناعات الثقافية تشهد ازدهاراً مطرداً وعلى نحو دوري، بخاصة في الصناعات التي تشمل الفنون الجميلة والأداء، وغيرها من المهن بدوام كامل ومستقل، وارتفعت نسبة التوظيف في هذا المجال بالولايات المتحدة بنسبة 29٪ بين عامي 2010 و2019 مع إضافة 21.546 وظيفة، قبل أن تحل كورونا لتوقف هذه العجلة المتسارعة، إلى مدى غير معلوم.

جوانب خفية

كشفت أزمة الوباء وعلى نحو جلّي عن جانبين مهمين، الأول الهشاشة الهيكلية لبعض المنتجين في القطاع الثقافي، الذي يتكون إلى حد كبير من شركات صغيرة ومنظمات غير هادفة للربح والمهنيين المبدعين، وفي الأغلب تعمل على هامش الاستدامة المالية. وتعتمد المؤسسات والشركات الثقافية العامة والخاصة على هذا النظام البيئي الثقافي الديناميكي؛ لتوفير السلع والخدمات الإبداعية، وأبرز انتشار الوباء عدم كفاية مخططات الدعم العام.

الجانب الآخر، مثلما فضح الوباء الثقلَ الاقتصادي للثقافة وقطاع الإبداع، فقد أوضح القيمة الجوهرية للثقافة كتعبير عن الإنسانية التي يمكن أن تكون مفتاحاً للنهوض بالتنمية المستدامة.

وأصبحت أهمية الثقافة والإبداع، اليوم أكثر من أي وقت مضى، للمجتمع واضحة؛ إذ يسهم توفر المحتوى الثقافي في الصحة العقلية من جانب وتحقيق مستوى الرفاهية من جانب آخر، ونظراً لهذه الأهمية؛ قدمت مؤسسات ثقافية عدّة محتوى مجانياً عبر الإنترنت في الشهور الأخيرة.

وهي الأهمية ذاتها التي دفعت بمؤسسات اقتصادية إلى البحث عن طرائق استدامة ثقافية وفنية أثناء وبعد الأزمة الحالية، بوصفه أمراً ضرورياً لبقاء القطاع، فحال إهمال البنى الأكثر هشاشة قد يتسبب ذلك في أضرار اقتصادية واجتماعية لا يمكن إصلاحها.

ويتمثل التحدي الحالي في برامج الدعم والإصلاح، هو تخفيف الآثار السلبية على المدى القصير والمساعدة في تحديد فرص جديدة على المدى المتوسط لمختلف الجهات الفاعلة العامة والخاصة وغير الربحية المنخرطة في الإنتاج الثقافي والإبداعي.

سوق الكتب

بطبيعة الحال، مثّل سوق النشر أكثر القطاعات هشاشة في المجال الاقتصادي الثقافي، فكثير من الدول أرجأت معارض الكتاب، وهي أسواق ومواسم مهمة لترويج وبيع الكتب بالنسبة للناشرين، آخر هذه الدول كانت مصر التي أعلنت إرجاء معرض القاهرة الدولي للكتاب المقرر إقامته في يناير/ كانون الثاني المقبل، إلى نهاية يونيو/حزيران 2021.

وفرضت الأزمة على سوق الكتاب وجوب أن يتعامل المسؤولون عن القطاع مع تحول كبير، بعد إغلاق المزيد والمزيد من المكتبات، وبعضها لم يفتح مرة أخرى، وتأجيل دور النشر أو إلغاء خطط نشرها، ما فرض على مؤسسات ثقافية عدة ـ المكتبات خاصة ـ التعامل مع الخسائر سواء بالإغلاق أو خفض الميزانية بشكل عام للأحداث الثقافية.

وبسبب مزيج من عدة عوامل، ستمتد التأثيرات طويلة الأمد على الاستثمار الثقافي وإنتاج السلع والخدمات الثقافية وتنوعها في الأشهر، إن لم يكن السنوات المقبلة.

وعلى المدى المتوسط يمكن أن تؤدي المستويات المنخفضة للقوة الشرائية للكتب إلى تضخيم هذا الاتجاه السلبي أكثر، في غياب الدعم العام المتجاوب واستراتيجيات التعافي عند أغلب الدول.

ففي أول شهر من انتشار الفيروس، انخفض إجمالي مبيعات الولايات المتحدة من الكتب بنسبة 8.4% إلى 667 مليون دولار، في علامة توضح كيف أضرت الأيام الأولى للوباء بائعي الكتب والناشرين، ولا يزال من غير الواضح مدى شدة تأثر الصناعة بالأزمة المستمرة، بعد أن توقفت المبيعات على نحو مفاجئ.

في المقابل استفادت بعض القطاعات الثقافية والإبداعية، مثل منصات المحتوى عبر الإنترنت، من زيادة الطلب على تدفق المحتوى الثقافي أثناء فترات الإغلاق وحظر التجوال، لكن الفوائد من هذا الطلب الإضافي تعود إلى حد كبير على أكبر الشركات في هذه الصناعة، وليس على صغار المستثمرين في المجال الثقافي والفني.

 مساعدات

من منظور آخر، ليس فقط المستثمرين بالقطاع الثقافي ولا موظفيه هم الذين تضرروا فحسب. المؤلفون أيضاً قد يصيبهم الضرر من توقف الحياة وتعطلها بسبب الجائحة، بخاصة الكتّاب المتفرغين والمستقلين، وكتاب المسرح والسيناريو، والمترجمين، ما دفع ببعض الدول إلى تقديم منح مباشرة للمبدعين لإعانتهم على تكاليف الحياة.

في النمسا مثلاً، دشّن المجتمع المدني صندوقاً للدعم المؤقت منذ مارس/ آذار الماضي بقيمة مليون يورو، ويقدم للمؤلفين ما يصل إلى 2000 يورو كمساعدة أولى وغير قابلة للسداد في أقل من ثلاثة أيام بعد تقديم الطلب.

على الصعيد الرسمي، خصص صندوق الأزمات للقطاع الثقافي والموظفين الفرديين في فيينا، مليار يورو، وهو صندوق تابع لغرفة التجارة الفيدرالية، ومعني بشركات الشخص الواحد والمنظمات غير الهادفة للربح، وأيضاً بالعاملين لحسابهم الخاص في قطاع الفنون والثقافة غير الهادفة للربح والجمعيات والمؤسسات الفنية والثقافية.

الأمر ليس قاصراً على النمسا، فأغلب دول الاتحاد الأوروبي اعتمدت السياسة ذاتها في دعم الفن والثقافة، والعاملين بالمجال، منها دول فنلندا وفرنسا وألمانيا وهولندا وبلجيكا والدنمارك وغيرها.

ففي فرنسا، ومن بين برامج المساعدة، أطلقت جمعية المؤلفين SGDL وCNL حزمة دعم بقيمة مليون يورو للكتاب لمواجهة آثار كوفيد 19، وكمساعدة طارئة استثنائية للمؤلفين وبدعم من المركز الوطني الفرنسي للكتاب، وتصل قيمة المساعدة الشهرية إلى نحو 1500 يورو لمدة أقصاها 4 أشهر. وخُصصت للمؤلفين الذين لم يستفيدوا من «صندوق التضامن» الذي أنشأته الحكومة للفنانين والمؤلفين والعاملين لحسابهم الخاص وأصحاب المشاريع الصغيرة والشركات متناهية الصغر.

وأعلنت بريطانيا أنها ستستثمر نحو ملياري دولار في المؤسسات الثقافية والفنية؛ لمساعدة قطاع أصابته جائحة فيروس كورونا وإجراءات العزل العام بالشلل.

واعتبر رئيس الوزراء البريطاني بوريس جونسون أن «هذا المبلغ سيساعد على حماية القطاع من أجل الأجيال المقبلة وضمان أن تستطيع الجماعات والمنتديات الفنية عبر المملكة المتحدة في الاستمرار، ودعم العاملين في القطاع على الرغم من أن أبوابه ما زالت مغلقة وستائره مسدلة».

وتأتي كل هذه الصناديق استناداً إلى الشعور بالخطر الحقيقي الذي يحيط بمنتجي الثقافة جميعاً حسبما تشير نظرية «ورق الدومينو»، والإيمان بأهمية الإسعافات الاقتصادية الأولية قصيرة المدى، التي يمكن تقديمها لقطاع الثقافة إضافة إلى استراتيجيات طويلة الأجل لسوق الكتاب والمجال الثقافي.

ضوء وسط الظلام

عربياً، بدت المخصصات المالية لإنقاذ القطاع الثقافي متدنية، على الرغم مما رصدته الدول العربية من حزم مالية هائلة لدعم الاقتصاد برمته خلال فترة انتشار الفيروس.

وهنا تبرز مبادرة صاحب الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي، عضو المجلس الأعلى، حاكم الشارقة، بتخصيص 10 ملايين درهم لاقتناء أحدث إصدارات دور النشر المشاركة في معرض الشارقة الدولي للكتاب الأخير، استمراراً لنهجه الدائم في دعم صناعة الكتاب ودور النشر، وبهدف تزويد مكتبات الشارقة العامة والحكومية بأحدث الإصدارات الفكرية والأدبية والعلمية العربية منها والعالمية.

وخلال الدورة ذاتها من معرض الشارقة، وجّه سموه بإعفاء جميع دور النشر المشاركة في الدورة من رسوم إيجارات الأجنحة المترتبة نظير مشاركتها في المعرض، لما تلمّسه من ضرورة دعم هذه الدور في ظل ما يشهده العالم من تداعيات جائحة «كورونا». وبلغت قيمة الإعفاءات 6 ملايين درهم، وهي تعد بالنسبة إلى دور النشر المشاركة دعماً أساسياً، ورافداً حقيقياً لديمومة عملها وعطائها.

 أرقام مفزعة

في 3 يوليو/تموز الماضي، أصدرت منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة ‏«يونيسكو»، تقريراً بعنوان «الثقافة وكوفيد 19، تعقب الأثر والاستجابة»، تكشف خلاله عن كون «الاقتصاد الإبداعي» أحد أكثر القطاعات المعرضة لخطر الأزمة.

وبيّـن التقرير، إغلاق نسبة 95٪ من عدد يقدر بـ95 ألفاً من المتاحف في جميع أنحاء العالم في مايو/أيار الماضي بسبب COVID-19، كما تراجع عدد السياح، السياحة الثقافية عامة بنسبة فاقت 80% خلال العام، مع الأخذ في الاعتبار أن السياحة الثقافية، تحقق ما يقرب من 40٪ من عائدات السياحة العالمية، ومن المتوقع أن تصل خسائر القطاع إلى نحو 2.1 تريلون دولار أمريكي من الناتج المحلي الإجمالي في عام 2020. والسينما وحدها، كصناعة ثقافية، خسرت حسب التقرير 10 مليارات دولار حتى نهاية مايو/أيار الماضي.











كاريكاتير

إستطلاعات الرأي