شعرقص.حواركتاب الأمةأدب عالمينقدفكراصدارات جديدةاخبار ثقافيةتراثفضاءات
بسبب انتفاء دور اتحاد الأدباء والمؤسسات الثقافية الرسمية والخاصة

استطلاع رأي : المثقف اليمني يتهاوى بين ثنائية الحرب والجوع!

2020-12-20

صنعاء ( الجمهورية اليمنية) - ميسون الإرياني - في المرحلة العصيبة الراهنة التي يمر بها اليمن، بين ثنائية الحرب والفقر، لا يزال وضع المثقف اليمني مأساوياً، فبين جرس الإبداع الذي يحاول فرض نفسه على الواقع الثقافي الذي أصبح رقمياً في ظل جهل معظم المثقفين اليمنيين بالتكنولوجيا الحديثة وآليات التعامل معها، والجوع الذي يحول بثقله دون قدرة المبدع على النشر والتواصل، والشللية التي لا تزال تمثل عائقاً أمام الأدباء الشباب تحديداً في الوصول، يظل المثقف مجهولاً ومجهّلاً بينما تزداد شعلة الخلافات والظروف الصعبة يوماً بعد يوم، ما جعله مغيباً وغير قادر على تطوير قدراته أو العمل على مشروعه الثقافي، سواء عند الرجوع للمشهد الثقافي اليمني من جهة أو المشهد العربي من جهة أخرى، إلا ما ندر من الأصوات التي تمكنت من كسر كل هذه القيود الصعبة. ويعدد مبدعون يمنيون في حديثهم لـ القبس كثيراً من الهموم التي حالت دون عبور المثقف اليمني حدود بلاده، منها الوضع الاقتصادي السيئ، وظروف الحرب، وعدم انغماس كثير من الأدباء في مواقع السوشيال ميديا إلى جانب «الشللية» التي تغرز مخالبها في الوسط الثقافي.
يقول الشاعر عبدالمجيد التركي بأن هذا الانكفاء موجود قبل عشر سنوات تقريباً. فقد كان الشاعر والمثقف اليمني حاضراً في الصحافة العربية، ولا تكاد تخلو مطبوعة ورقية من وجود أسماء يمنية، سواء كانت يومية أو أسبوعية أو شهرية أو فصلية. ويعتقد التركي بأن انكفاء شعراء اليمن وأدبائه على أنفسهم في الداخل حدث منذ ظهور مواقع التواصل الاجتماعي، مبيناً أنه وبعض أصدقائه كانوا يكتبون في مجلات عربية عديدة، وكانوا يرسلون النص عبر البريد.. وحين صار الأمر متاحاً بضغطة زر دون عناء أصبح الزهد في النشر هو السائد، لاعتقاد الأديب أن بإمكانه أن يفعل هذا في أي وقت وبسهولة. ومع هبوب رياح الربيع العربي منذ تسع سنوات، واندلاع الحرب منذ 2015 ـ كما يقول التركي ـ فقد الكثيرون مصدر دخلهم ومرتباتهم الحكومية، فوجدوا أنفسهم في مناخ غير مستقر وصار الرغيف هو الأساس، بينما يصبح الشعر والكتابة في هذه الحالة مجرد ترف لا أكثر. انكفاء من جهته،


يؤكد الشاعر زياد القحم أن انكفاء الشعراء مشكلة ضمن مجموعة مشكلات، سببها متعلق بتأهيل الشاعر، وبكفاءته وظروفه، مشيراً إلى وجود حضور نسبي من خلال وسائل التواصل الاجتماعي، ولكنه لا يمثل الجميع ولا الأفضل، بل يمثل من لديه فائض من الوقت للتواصل مع المشهد العربي.. ويرى القحم أن من لا يجدون وقتاً للتواصل والتسويق لأنفسهم هم الأكثر مقدرة على الكتابة والإدهاش، وهذه الإشكالية كافية لتأكيد الغياب اليمني عن الجمهور خارج الحدود. مبيناً أن المثقف اليمني -في ظل الحرب- يعاني تهميشاً غير مسبوق، وحالة مؤثرة من الاستغناء عن خدماته وعطائه.
الشاعرة مليحة الأسعدي تقول من جانبها إن المؤسسات الثقافية اليمنية كانت وما زالت مستندة على نفر قليل من الإداريين، وعدد محدود من المثقفين الذين استحوذوا على الواجهة الثقافية خارج اليمن لوقت طويل، وظلوا كذلك حتى بعد انتشار وسائل التواصل الاجتماعي. وتشير الأسعدي إلى أن ما ساعد على ذلك هو انتشار تلك الوسائل في اليمن مع قيام الاحتجاجات في عام 2011 والتي خلفت أثقالاً كثيرة على الإنسان اليمني والمثقف على وجه خاص، فتجده يتعامل مع الإنترنت كنوع من الرفاهية التي لا يطيقها مع انعدام الأعمال ومصادر الدخل، فضلاً عن أمية كثير من المثقفين تجاه التكنولوجيا وكيفية تطويعها لخدمة مشاريعهم الثقافية، حتى تكاد صفحات الكثير منهم تكون خالية من المتابعين الذين يعطون هذا المثقف أو ذاك نوعاً من الرواج المطلوب للوصول إلى الآخر. وتوضح أن هذه المشكلة المركبة وقفت سداً منيعاً تجاه المثقف الحقيقي، ما أتاح الفرصة لكثير من المهرجين ممن يدعون الثقافة الوصول إلى الواجهة وخلق قطيعة بين الداخل والخارج، رغم أن اليمن يزخر بالكثير من الأقلام الرصينة التي لم تجد نافذة للضوء في كل هذه العتمة المحيطة به. غياب الفرصة


وترى القاصة انتصار السري أنه ليس كل الأدباء مغيبون في الخارج، فهناك أدباء يشتغلون على أنفسهم وعلى إبداعهم عبر النشر في السوشيال ميديا، ويقرأ لهم أصدقاؤهم في منتديات أدبية عربية فيتلقّون دعوات للمشاركة خارج البلاد، لكن هؤلاء ليس بالضرورة أن يكونوا الأبرز، بيد أن النشر والمشاركة الخارجية منحتهم تذكرة العبور خارج حدود اليمن. وتردف السرّي: هناك أدباء كثر لم تتح لهم فرصة المشاركة، وهم أيضا كسولون في مجال النشر الالكتروني وغيره، وهؤلاء يعيقون أنفسهم بأنفسهم لأن المنتديات الثقافية المحلية تعتمد على الشللية لإبراز هذا وذاك، بالإضافة إلى أن اتحاد الأدباء والمؤسسات الثقافية الحكومية والخاصة كلها مغيبة، فلا يجد المبدع اليمني من يسانده لإبراز إبداعه، مشيرة إلى أن وسائل التواصل الاجتماعي أتاحت فرصة كبيرة للمبدعين، حتى أن عدداً من الأدباء لم يخرجوا من وطنهم لكن إبداعهم انتشر عربياً.
ومن جانبه، يبرر الشاعر قيس عبدالمغني غياب المبدع اليمني في ارتباطه القوي بالمحلية، وعدم استيعابه بعد متغيرات العصر وحقيقة أن العالم أصبح مجتمعاً واحداً بفضل الثورة التكنولوجية التي بمقدورها أن توصل صوته إلى العالم كله على الأقل، مؤكداً عدم ثقة الشاعر اليمني بما يكتبه رغم جودته وفرادته. ويستدرك عبدالمغني «أحبّذ عدم الثقة هذه، رغم تأثيرها على انتشار الشاعر لأنها تشعره دائماً بالنقص وهو وقود الشاعر الحقيقي ودافعه للكتابة، لكن ليس كل الشعراء اليمنيين كذلك فكثيرون استطاعوا كسر الحاجز والتمدد بعلاقاتهم وكتابتهم خارج إطار المحلية». عزلة إجبارية ولعل ما يعيشه أدباء اليمن يشكل حالة عزلة إجبارية فرضتها الحرب، وحالت بينهم وبين الانطلاق في الفضاء العربي
كما يؤكد الشاعر زين العابدين الضبيبي.. ويأسف لتواطؤ المؤسسات الثقافية المحلية والعربية وظروف الحرب على المبدع اليمني، فبات يستثنى من أي دعوة خارجية بشتى الذرائع. وحول وسائل التواصل الاجتماعي، يعتقد الضبيبي بأن هناك طفرة إبداعية قوية مكّنت بعض الأصوات من الوصول إلى المتلقي العربي بجهد ذاتي، يحسب للمبدع الذي يبذل كل وقته في الكتابة والتفاعل مع القضايا المحلية والعربية، وهي بشارة خير لقادم أفضل بعد زوال الحرب.

وتعزو الشاعرة خالدة النسيري أسباب غياب المبدع اليمني إلى عدم التفكير باستخدام السوشيال ميديا، والاكتفاء بالوسائل التي توصله للمجتمع المحيط به، فضلاً عن ضعف الإنترنت في اليمن ومحدودية الطموح وانشغال التفكير بلقمة العيش بسبب ظروف البلاد. وهناك الكثير من المعوقات التي تعترض طريق المثقف اليمني ـ
كما توضح النسيري ـ من أهمها غياب المؤسسات الثقافية، وعدم الاهتمام بالمثقف ومحدودية النشر إلى جانب غياب معرض الكتاب السنوي، الذي كان يشكل حلقة وصل بين المبدع والخارج.. وكذلك الشللية وتأطير التفكير والتوجهات الخطأ وانقياد البعض لها، ما أفرز الكثير من التكتلات التي يحارب بعضها بعضا. اتحاد الأدباء المؤسسات الثقافية المثقف اليمني الحرب الجوع











كاريكاتير

إستطلاعات الرأي