شعرقص.حواركتاب الأمةأدب عالمينقدفكراصدارات جديدةاخبار ثقافيةتراثفضاءات

العربيّةُ الفصحى واللهجاتُ العاميّة.. مفاضلةٌ صعبة وجدليّةٌ عُمرها قرون

2020-12-18

اللغة العربية

الشارقة - أوميد عبدالكريم إبراهيم

خلال انعقاد الدورة 190 للمجلس التنفيذي لمنظمة الـ«يونيسكو»، وتلبية لاقتراح تقدمت به كلٌّ من المملكة العربية السعودية والمملكة المغربية؛ أصدرت الجمعية العامة للأمم المتحدة في 18 ديسمبر/كانون الأول من عام 1973؛ قرارها رقم 3190 الذي أُدخلت بموجبه اللغة العربية ضمن اللغات الرسمية، ولغات العمل في المنظمة الأممية، وأصبح ذلك التاريخ مناسبةً رسمية للاحتفال باللغة العربية في عموم دول العالم العربي، وكانت الجهود الرامية إلى تحقيق هذا الهدف قد بدأت منذ خمسينات القرن الماضي.

تعدّ اللغة العربية واحدة من أكثر اللغات انتشاراً على مستوى العالم، وأغزرها على الإطلاق من حيث عدد المفردات؛ حيث تضم أكثر من 12 مليون كلمة، كما يتحدث بها أكثر من 460 مليون نسمة يتوزعون إلى جانب الدول العربية، في عدد من الدول المجاورة للعالم العربي، ودول أخرى في آسيا، وإفريقيا وشرق أوروبا، وكغيرها من اللغات، فقد طرأت على اللغة العربية تعديلات جوهرية غيرت شكلها وطريقة نطقها، ومنذ قرون خلت، وإلى يومنا هذا، واللهجات المحلية تشكّل التحدي الأكبر والأهم الذي تواجهه اللغة العربية الفصحى.

عوامل متعددة

لا يقتصر ثراء اللغة العربية على عدد مفرداتها أو أعداد الناطقين بها فحسب؛ بل هي الأثرى على الإطلاق من حيث عدد اللهجات العاميّة التي طغت على الفصحى، وباتت لغة المنزل، الشارع، العمل وكل مكان تقريباً، وبالنظر إلى كونها اللغة الرسمية لـ22 دولة؛ فإن ذلك يضعنا أمام عشرات؛ بل مئات اللهجات العامية؛ إذ إن البلد العربي الواحد لا يقتصر على لهجة محلية واحدة؛ بل يمكن لكل مدينة أن تضم أكثر من لهجة، ناهيكم عن لهجات الأرياف، أما الفصحى، فأصبح استخدامها شبه مقتصر على الأبحاث والدراسات، والمناهج التعليمية، والفعاليات الدولية الرسمية.

تتعدد اللهجات العامية في البلد العربي الواحد وفقاً لعوامل متعددة جغرافية وثقافية وغيرها، ففي الإمارات على سبيل المثال؛ يمكن ملاحظة العديد من اللهجات، مثل اللهجة الظبيانية، اللهجة القيوانية، اللهجات البدوية المتعددة، وغيرها الكثير، وفي جمهورية مصر، هنالك اللهجات الصعيدية، الشرقاوية، القاهرية، الإسكندرانية وغيرها، والأمر ذاته ينطبق على كافة الدول العربية، وفي بعض الحالات، تختلف اللهجات العامية عن بعضها اختلافاً كبيراً داخل البلد الواحد، سواء فيما بين المدن، أو بين المدينة وأريافها.

قواعد غير مطلقة

مع أن تعدد اللهجات العربية وُجد منذ قرون خلت، إلا أنها لم تكن شديدة التباين من حيث التراكيب والمفردات، كما كان الأدب، القصائد، المواثيق والعهود وغيرها، تكتب بلغة موحدة، ولم يكن أهل الشام يجدون أي صعوبة في فهم لهجات اليمن، الحجاز، العراق وغيرها، والعكس صحيح، مع استثناء بعض التباينات أحياناً، أما اليوم، فقد وصل الاختلاف بين اللهجات العربية العامية إلى درجة أن أبناء بعض الدول قد يجدون صعوبة بالغة في فهم الكثير من المفردات والمصطلحات المستخدمة في دول أخرى.

ولكن القواعد السابقة ليست مطلقة؛ إذ إن تعدد اللهجات كان موجوداً حتى قبل بزوغ فجر الإسلام، وقد تطورت وتداخلت ببعضها، ولكن في ذلك الوقت كان للكثير من القبائل لهجاتها الخاصة بها، والتي تختلف اختلافاً جذرياً عن غيرها أحياناً، لا سيما أن الأميّة كانت مستشرية في العصور الجاهلية، ولم تكن هناك روابط ناظمة للتجمعات البشرية، فضلاً عن كثرة الترحال، ولكن رغم ذلك، كانت هناك لغة عربية واحدة مشتركة يمكنهم التواصل من خلالها، وكان الجميع يتقنها.

فحفحةٌ وعنعنةٌ وطمطمانية

ومن اللهجات العربية الكثيرة في الماضي على سبيل المثال لا الحصر؛ «فحفحةُ هذيل»؛ أي لفظُ الحاءِ عَيناً، «عنعنةُ تميم»، وهي إبدال الهمزة عيناً، إذا وقعت في أول الكلمة، و«طمطمانيةُ حِمْير»، وهي استخدام «إم» بدل «أل» في التعريف، و«عجعجةُ قُضاعة» أي قلب الياءِ جيماً بعد العين أو الياء المشدَّدة، أما في وقتنا الراهن، فتُسمَّى اللهجات بحسب المنطقة الجغرافية غالباً، كأن يقال: اللهجات الشامية، اللهجات الخليجية، اللهجات المغاربية، وهكذا.

تبقى مسألة اللغة العربية الفصحى، واللهجات العامية، ومدى علاقة التأثير والتأثر فيما بينها، موضع جدل محتدم ومستمر على مختلف المستويات، وقد شكَّلت هذه الجدلية فريقين يتمسَّك كلٌّ منها بأطروحته؛ إذ يرى فريق أن اللهجات العامية من أكبر المآزق التي تعرضت لها اللغة العربية، خصوصاً على مستوى الأجناس الأدبية المختلفة، في حين يرى فريق آخر أن هناك عوامل موضوعية عديدة تقتضي توظيف اللهجات العامية على مختلف المستويات، ليس أقلها أن هذه اللهجات تنتمي إلى بيئة الحدث، كما أنها لغة الواقع اليومي، وما بين هذا وذاك، يبقى التساؤل مشروعاً.











كاريكاتير

إستطلاعات الرأي