اصدارات جديدةشعرقص.حواركتاب الأمةأدب عالمينقدفكراخبار ثقافيةشعبيات

كيف نفكّر بكامل حريتنا في حرية التعبير

2020-11-21 | منذ 1 أسبوع

حرية التعبير مفهوم يعاني من الخلط

أبو بكر العيادي*

لا يزال الجدل صاخبا في الأوساط السياسية والفكرية والدينية في فرنسا وخارجها حول قضية حريّة التعبير، بدعوى أنها من أهمّ أسس المجتمع الديمقراطي، ولكن غلب الانفعال على المواقف الحكومية وغير الحكومية، فسمعنا أصواتا تدعو إلى تعميم رسوم الكاريكاتير في كل المدارس، وحتّى تحوير الدستور. غير أن أصوات بعض الحكماء تدخلت لتذكّر بأن عدم الإساءة إلى الآخر في معتقده هو أيضا من شروط التعايش السلمي، فلا مجال لمجتمع ديمقراطي في غياب التسامح وانفتاح الأذهان.

 

الحرية هي القدرة على فعل كل ما لا يتسبب في إيذاء الآخرين.

ثمّة خلط متعمّد في أغلب الأوقات بين نقد الأديان وازدرائها من جهة، وبين حرية التعبير وتدريسها من جهة أخرى.

فالدين الإسلامي، موضوع القضية المطروحة الآن، طالما تعرّض للنقد من قبل المستشرقين أمثال لويس ماسينيون وماكسيم رودنسون وشارل بيلا وريجيس بلاشير، ومن قبل العرب أنفسهم أمثال صادق جلال العظم ومحمد أركون ومحمد الطالبي ويوسف الصدّيق دون أن يصدر عن المسلمين عنف أو تكفير ضدّ أصحابها، لكونها اجتهادات علمية ناجمة عن بحوث ودراسات قد نختلف معها، وليست استهزاء مجّانيا لا غاية من ورائه سوى استفزاز مشاعر المؤمنين، كما تفعل أسبوعية شارلي هبدو الفرنسية، التي أنقذها من الإفلاس غباء بعض المسلمين.

ومن ثَمّ فلا يصحّ أن يبني الفرنسيون، بمن فيهم الرئيس ماكرون، تأييدهم نشر الرسوم المسيئة للإسلام بدعوى حرية التعبير، ومن بينها حرية نقد الأديان.

الموضوع الثاني هو الخلط بين حرية التعبير وطرق تدريسها، فلئن كان القانون الفرنسي يكفل حق كل فرد في التعبير عن مواقفه بأي شكل من الأشكال، فإنه يضع أيضا حدودا لتلك الحرية، أولها عدم الإساءة إلى المعتقدات، كما سنفصّل القول فيه أدناه.

ولكن قضيّة الحال، تتجاوز حرية التعبير كمفهوم، إلى كيفية تدريسها ضمن مادة التربية المدنية والأخلاقية، التي ينهض بها هنا مدرسو التاريخ والجغرافيا.

احترام المعتقدات

ولئن نادت أطراف سياسية وثقافية كثيرة، عقب مقتل المدرس الفرنسي، وهي جريمة نكراء ندينها بكل قوة، إلى عدم الرضوخ للإرهاب الإسلاموي بسحب رسوم الكاريكاتير، بل إن ثمة من دعا صراحة إلى ضرورة تعميمها على كل المدارس ونشرها في شوارع المدن كما فعل مفكران يهوديان هما باسكال بروكنر ورفائيل إنتوفن، فإن أصواتا أخرى لا تقل عنهما وزنا في الساحة الفرنسية أعربت عن معارضتها استعمال تلك الرسوم وسيلة إيضاح في المدارس، وخاصة لتلاميذ في المرحلة الإعدادية.

هذا مثلا الفيلسوف لوك فيري وزير التربية الأسبق يصرح لإذاعة فرنسا الدولية “لسنا مرغمين على إظهار رسوم كاريكاتير قريبة من البورنوغرافيا ومقرفة. لسنا مرغمين على شتم الناس للدفاع عن حرية التعبير”. وأضاف قائلا “إن كان عليّ أن أقدّم درسا عن الكاريكاتير وحرية التعبير، فسوف أنطلق من لويس فيليب، آخر ملوك فرنسا، حينما حوّله الرسامون إلى إجّاصة”.

لوك فيري: لسنا مرغمين على إظهار رسوم كاريكاتير مقرفة للدفاع عن حرية التعبير

وبين وزارة لا تقدر العواقب، وبرامج ضبابية، يقف المدرسون حائرين، لاسيما أن أغلبهم لم يخضع لتكوين بيداغوجي، ولا يعرف أي الطرق تنجيه من تهديدات المتشددين. وقد كشف عالم الاجتماع والانثروبولوجيا والديموغرافيا، فرنسوا هيران، أن عددا من مدرّسي التاريخ والجغرافيا اتصلوا به ليسألوه بخصوص درس التربية المدنية والأخلاقية الذي سيقدّمونه لتلامذتهم بعد عطلة “كل القدّيسين” (من 17 أكتوبر إلى 2 نوفمبر): كيف يترحّمون على روح زميلهم صامويل باتي الذي اغتاله إرهابي شيشاني لأنه عرض في قسمه رسوم كاريكاتير عن نبيّ الإسلام؟ أي معنى يعطونه لحرية التعبير؟ كيف ندافع عن القيم الجمهورية دون أن ننعزل عن بقية العالم؟

فكانت إجابته في مقالة على موقع الكولاج دو فرانس، حيث يدرّس منذ عام 2017، بعنوان “رسالة إلى مدرسي التاريخ والجغرافيا، أو كيف نفكر بكل حرية في حرية التعبير”، جاء فيها قوله “لئن كانت حرية التعبير عزيزة علينا، فإننا يمكن أن نخضعها لتأملنا الخاصّ، شرط إسنادها بمعطيات ثابتة”.

ونصحهم بقراءة النصوص المؤسسة ليكتشفوا بأنفسهم أن حرية التعبير تبدو عبر تاريخها أكثر احتراما للمعتقدات، والعودة خاصة إلى جول فيري (1832-1893) الذي وضع قانون التعليم الإجباري والمدرسة العلمانية، للوقوف على فحوى رسالته التي وجهها إلى المعلمين في 17 نوفمبر 1883، وبيّن فيها حدود تعليم مادة التربية الأخلاقية “سَلوا أنفسكم ما إذا كان ربّ أسرة، أقول ربّ أسرة واحد، حاضرا في فصلكم ويسمعكم، يرفض عن حسن نية تزكية ما تقولون. إن كان الجواب بنعم، فامتنعوا عن قوله؛ وإلا فلتتكلّموا بجسارة”.

وكان قد ذهب أبعد من ذلك خلال مناقشة قانون إجبارية التعليم والعلمانية يوم 11 مارس 1882 حين صرّح “إذا تناسى مدرّس التعليم العامّ إلى حدّ يجعله يقدّم تعليما معاديا ومسيئا للمعتقدات الدينية لأي كان، فسوف يعاقب بسرعة وصرامة كما لو اقترف أذيّة ضرب تلاميذه أو معاملتهم معاملة سيئة”.

فهل يعني ذلك أن كل الديانات تستوجب الاحترام؟ نعم، تقول المادة الأولى من ديباجة دستور 1958 “الجمهورية الفرنسية جمهورية غير قابلة للتجزئة، علمانية، ديمقراطية واشتراكية. تكفل المساواة بين جميع المواطنين أمام القانون دون تمييز في الأصل أو العرق أو الدين. وتحترم جميع المعتقدات”. أي أنها، بخلاف ما تروجه بعض المواقف المتشنّجة، ليست “جمهورية لا تحترم أي ديانة”.

حرية التعبير

لا تحبسوا التلاميذ في حقائق جاهزة

أما عن حرية التعبير، فكانت مجهولة في عهد الجمهورية الثالثة (1870-1940)، إذ كانت تستعمل في معناها الجمالي، كقولهم “موضوع رسم بحرية تعبير كبيرة”، ولم تدخل العبارة حيّزها القانوني والتشريعي والمجتمعي إلا بعد نهاية الحرب العالمية الثانية. فقانون 1881 تحدث عن حرية الصحافة، فيما تحدثت نصوص أخرى عن حرية الرأي والمعتقد، بينما ظلت “حرية التعبير” تكتسي بعدًا فرديّا، وكان معناها من السَّعة ما جعله مرادفا للحرية في المطلق، دون تحديد.

وقد ظهر المفهوم أول مرّة في الإعلان العالمي لحقوق الإنسان عام 1948 مشفوعا بحرية الرأي “لكل شخص الحق في حرية الرأي والتعبير، ويشمل هذا الحق حرية اعتناق الآراء دون أي تدخل، واستقاء الأنباء والأفكار وتلقيها وإذاعتها بأي وسيلة كانت دون تقيّد بالحدود الجغرافية”.

والمعلوم أن هذا النّص صاغه الكندي جون بيترز هامفري، رئيس قسم حقوق الإنسان في الأمم المتحدة، وراجعه الفرنسي روني كاسّان، نائب رئيس هيئة تحرير الإعلان، ولم تظهر العبارة منفصلة، بمفهومها الحالي، إلا عام 1950 في الفصل العاشر من الاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان.

أي أنها ليست متأتية مباشرة من فكر الأنوار، كما أن رديفتها حرية الصحافة ليست ابنة الثورة الفرنسية، بل هي مدينة لـ”إعلان حقوق فرجينيا”، الذي ظهر في ولاية فرجينيا عام 1776 قبل أن يعمّ الولايات المتحدة كلها، ثم العالم الغربي.

صحيح أن المادة العاشرة من الاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان تنصّ على “الحق في حرية التعبير ضمن قيود قانونيَّة وديمقراطيَّة، ويشمل هذا الحق حرية اعتناق الآراء وتلقي المعلومات والأفكار ونقلها، دون تدخل من السلط العامة ودون اعتبارات حدودية”.

ولكن البند الذي يليها ينص على أن ممارسة تلك الحريات تتضمن واجبات ومسؤوليات يمكن أن تخضع لبعض الشروط والحصر والعقوبات التي حددها القانون، والتي تمثل إجراءات ضرورية، في مجتمع ديمقراطي، للأمن القومي والسلامة الترابية والأمن العام، وحفظ النظام والوقاية من الجريمة، ورعاية الصحة والأخلاق، وحماية سمعة الآخرين وحقوقهم.

هذه الضوابط هي التي استندت إليها السلطات البريطانية مثلا عام 1976 في قرارها الذي عرف بقرار هانديسايد عندما صادرت وأتلفت كتابا في التربية الجنسية موجها للأطفال، إذ اعتبرته منافيا للآداب والأخلاق الحميدة في بريطانيا. ما يعني أن حرية التعبير يمكن أن تتضمن أفكارا صادمة أو جارحة ولكن في إطار الشروط التي يقبلها القانون.

غلو لا يقبل النقد

فرنسوا هيران: حرية التعبير دُفِعت إلى الغلوّ المطلق، ولم تعد تحتمل حرية النقد

أما بخصوص المادة الرابعة من إعلان حقوق الإنسان والمواطن لعام 1789، التي تنص على “أن الحرية تكمن في القدرة على فعل كّل ما لا يتسبب في إيذاء الآخرين”، فتحمل في جوهرها تأويلا تعدّديا، فقد تكون هجومية أو متسامحة.

في باب الهجوم، يستشهد هيران بمقالة لدوني دامون الباحث في الشؤون السياسية يذكر فيها تأويلا صادرا عن محكمة الاتحاد الأوروبي بستراسبورغ، حيث رأت أن كل كلمة أو صورة، حتى وإن كانت مسيئة، تغذي الجدل، وبالتالي تخدم الديمقراطية، فهي صالحة للجميع حتى الأقلية المُساء إليها.

وقد اعتبر هيران هذا الموقف “أبويًّا” لأنه يوحي بأن المسيء يعرف أكثر من ضحاياه ما يصلح بهم، وأن الجرح سيلتئم بفكر الأنوار، ويعلق في سخرية: ولا يبقى إلا أن يشكر المُساء إليه المسيء على هذا الدرس الرائع في الحرية، حتى وإن كان رئيس دولة أجنبية. أما في باب التسامح فالتأويل يقتضي الأخذ بعين الاعتبار مبدأ عدم الإساءة التي أكدها إعلان 1789 واحترام المعتقدات الذي أقره جول فيري عام 1882 وذكّر به دستور 1958.

ويستشهد هيران هنا أيضا ببول ريكور الذي قال في حديث أجرته معه أنيتا هوكار، ونشر عام 1966 في كتاب “أن نربّي، ما الفائدة؟”: “نحن لا نعيش في توافق شامل مع قيم تشبه نجوما ثابتة. هذا ملمح من الحداثة، ونقطة لا رجوع عنها. نحن نتحرك داخل مجتمع تعددي، دينيا وسياسيا وأخلاقيا وفلسفيا، حيث لا يملك أحد غير قوة منطقه، فعالمنا زال عنه السحر، والمسيحية كظاهرة جماهيرية ماتت، وقناعاتنا ما عادت تستطيع الارتكاز على ذراع علمانية لفرضها.

إعداد الناس للدخول في هذه الكون الإشكاليّ يبدو لي من مهامّ المربي الحديث. لم تعد مهمته نقل محتويات سلطوية، ولكنه ينبغي أن يساعد الأفراد على أن يجدوا طريقهم داخل وضعيات نزاع، ويسيطر بشجاعة على عدد من التناقضات”. أي أنّ التعددية حسب ريكور ليست مرادفا للنسبية، وإنما هي قيمة أساسية للديمقراطية، وأنّ تقمص الفرد وجودَ الآخرِ في رؤيته للعالم ليس معاداة لذاته بل خروجٌ منها لكي يعتز ويفخر.

فكيف يمكن الفصل بين رؤيتين مختلفتين لحرية التعبير، الإساءة الخيرية الرؤوفُ واحترام الآخر؟ هل نعمد إلى الخطاب الراهن الذي يرى في مواصلة الإساءة شجاعة وفي التخلي عنها جبنًا؟

ينصح فرنسوا هيران المدرسين قائلا “علّموا تلاميذكم ألا يقعوا في مثل هذا الفخ الدّلالي الفجّ. لنكفّ عن صدع الأمة بنعت من يخالفوننا بأنهم ‘أعداء الجمهورية’ أو ‘أعداء فرنسا’، فتلك طريقة غير مشرّفة لإبعادهم عن الجدل وإقصائهم من الأمة.

فالجمهورية ليست ملكا لأحد. لا يزال لدينا حق إعطاء المؤمنين وغير المؤمنين قليلا من الاعتبار دون أن نُتّهَم بكوننا متواطئين مع القتلة. ينبغي على المؤمنين المسلمين، الذين تعودوا على تقسيم العالم إلى ‘مؤمنين’ و’كفّار’ أن يستخلصوا العبرة: بهذه الثورة الذهنية يمكنهم أن يندمجوا في الأمة.

مثلما لا يزال لنا الحق في التعبير عن استنكارنا لبعض الرسومات المسيئة دون أن نُتّهَم بكُره الجمهورية. إن حرية التعبير، وقد دُفِعت إلى الغلوّ المطلق، لم تعد تحتمل حرية النقد”.

يقول فرنسوا هيران في ختام مقالته “إن كنتم تريدون أن تصنعوا من تلاميذكم مواطنين، وفي الأقلّ رجالا ناضجين، فلتقدموا لهم عناصرَ الجدل كلَّها، كما حاولتُ أن أفعل هنا. لا تحبسوهم في حقائق جاهزة. هم يستحقون أحسن من ذلك”.

 

  • كاتب تونسي


إقرأ أيضاً


التعليقات

لا توجد تعليقات حتى الآن ، كن أول المعلقين

إضافة تعليق





كاريكاتير

إستطلاعات الرأي