شعرقص.حواركتاب الأمةأدب عالمينقدفكراصدارات جديدةاخبار ثقافيةتراثفضاءات

منحوتات بنين المنهوبة شاهدةً على ممارسات الاستعمار

2020-11-18

لوح برونزي (يقبع حالياً في مجموعة المتحف البريطاني)

مع نشر الصور والتصميمات الأوّلية لـ «متحف إيدو للفن الغرب أفريقي» في نيجيريا، عاد النقاش حول الإرث الفني المسلوب أثناء الاستعمار البريطاني للبلاد، وتحديداً منحوتات بنين البرونزية (Benin Bronzes) التي لا تزال تقبع في المتاحف الأوروبية

بدأت قصّة منحوتات بنين البرونزية (Benin Bronzes)، منذ ما يفوق المئة عام. كلّ ما يوثّق لتلك الحادثة الدمويّة مدوّن في سجلّات الاستعمار البريطاني، وعلى جدران المتاحف، ولو أن القصّة هناك يُراد لها أن تظلّ ناقصة. بقيت المنحوتات نفسها، رغم حضورها المادي، أشبه بوثائق ضائعة عن مملكة بنين (راجع الكادر) التي تعدّ أعظم ممالك أفريقيا قبل الاستعمار.

أخيراً، كُشف عن صور وتصميمات «متحف إيدو للفن الغرب أفريقي» الذي يحتفي بإرث مملكة بنين الثقافي والحضاري، حيث سيشيّد على أنقاضها (جنوب نيجيريا حالياً). وبالتزامن مع اقتراب البدء بتنفيذ المتحف (من المتوقّع أن يفتتح بداية سنة 2025) الذي يحمل توقيع المعمار الغاني البريطاني ديفيد أدجايي، عاد الحديث عن مصير تلك اللقى التي تعدّ أكبر قضايا الآثار المنهوبة.

تترافق هذه النقاشات مع الآمال الشعبية في نيجيريا باستعادة المنحوتات من المتاحف العالمية، بينما تتمسّك الأخيرة بحقّها بالاحتفاظ بها، تحديداً المتحف البريطاني الذي يحوي حوالى 900 من هذه القطع، كان قد سلبها الجنود والبحارة البريطانيون سنة 1897.

لم تتوقّف المطالبات باستعادة القطع البرونزية يوماً، آخرها مع الحملات الأفريقية التي تلت مقتل جورج فلويد في أميركا. احتجاجات طالبت بتحرير الثقافة الأفريقية من السرديات الأوروبية البيضاء، عبر استعادة الكنوز القابعة لعقود في المؤسسات والمتاحف الغربية.

في مقابل هذه الدعوات، ظلّ المتحف البريطاني يتهرّب من التخلّي عن القطع. في السبعينيات، طلب منظّمو مهرجان الفن الأفريقي في العاصمة النيجيرية لاغوس من المتحف البريطاني استعارة قناع عاجي لوالدة الحاكم (يعود للقرن السادس عشر). قوبل المنظمون بالرفض من قبل المتحف الذي عزا ذلك إلى حالة القناع الهشّة، بينما كشفت مصادر نيجيرية حينها بأن إدارته طالبت المهرجان بـ 3 ملايين دولار كتأمين عليه.

في السنوات الأخيرة، استمرّ المتحف البريطاني بالتمسّك بهذا الإرث. اقترح أن يعيد قسماً منه إلى «متحف إيدو للفن الغرب أفريقي» كإعارة فقط لعرضها لثلاث سنوات كحدّ أقصى، متذرّعاً ببعض العقبات القانونية، منها أنه لم يتسلّم أي دعوة رسمية.

تمثال رأس الملك (1550 – 1680 / يقبع حالياً في مجموعة متحف المتروبوليتان في نيويورك)

نشر المتحف البريطاني على موقعه الإلكتروني مقطعاً عن وضع القطع: «بينما لم يتلقَّ المتحف أي دعوة رسمية لاستعادة آثار بنين، إلّا أن المحكمة الملكية لبنين كانت قد وجّهت دعوات علنية عدّة تدعو إلى استرجاع هذه المجموعة».

تُضاف ذلك إلى ذرائع قانونية تبرّر الوصاية الأبوية على إرث الشعوب، بحجّة حمايتها من السرقة في بلدانها الأصليّة، أو بحجّة أخرى هي سعي هذه المتاحف إلى تمثيل كافّة الشعوب في مجموعاتها. غير أن أكثر ما يهدّد إمكانية حصول نيجيريا على هذا الإرث مجدّداً، هو مشاركة المتحف البريطاني نفسه في دعم مشروع الحفريات التي ستقام في محيط موقع «متحف إيدو للفن الغرب أفريقي»!

يشتمل مشروع بناء المتحف، على حفريات أركيولوجية في الموقع للتنقيب عن لقى وآثار المملكة القديمة. فمن المفترض أن يضمّ المتحف الجديد مئات القطع من المجموعة البرونزية لبنين، وفق ما يطمح القائمون عليه، ضمن هدف عرضها بأساليب وسرديات محليّة من شأنها أن تمدّ صلات جديدة بين التاريخ والمواطنين، بعيداً عن آليات عرضها في المتاحف الغربية.

لا تقتصر مجموعة آثار بنين، على المنحوتات المصنوعة من البرونز، بل تضمّ منحوتات عاجية، بالإضافة إلى الأقنعة الخشبية والنحاسية. تحمل تلك الأقنعة والألواح أهميّة ثقافيّة تاريخية وجماليّة على السواء. في المملكة، كان أول التكليفات التي يوصي بها الملك الجديد، هو مهمّة صنع تماثيل لوضعها على مذبح والده. بدأ العمل بالبرونز والنحاس منذ القرن الثالث عشر ميلادي، إلى أن ظهرت التماثيل العاجية في القرن الثامن عشر، وكانت تعلو التماثيل البرونزية.

تمثال رأس الملك (1550 – 1680 / يقبع حالياً في مجموعة متحف المتروبوليتان في نيويورك)

وقد شهدت التقنيات الفنية، تطوّراً لناحية الألوان، ودمج مواد مختلفة في المنحوتة نفسها، فضلاً عن إضافة الأكسسوارات والعناصر التزيينية إليها. إن أشدّ ما يستنكره الأكاديميون والفنانون الأفارقة المعارضون لفكرة استعارة هذه القطع من متاحف النمسا وبريطانيا وألمانيا ودول أخرى، هو التناقض الصارخ لهذه الخطوة مع فكرة المتحف نفسه.

برأيهم أن المتحف الذي يسعى إلى إحياء إرث مملكة بنين الفني والثقافي والحضاري، يتوجّب عليه قبل أي شيء تحرير القطع والمعروضات من المتاحف الغربية، خصوصاً أنّ بقاءها هناك يرسّخ الممارسات الاستعمارية القديمة التي تمثّلت في السرقة الدموية لهذا الإرث.

كما يُجمع هؤلاء على أن الدول الأوروبية هي التي ينبغي أن تطلب استعارة هذه الأعمال من الدول الأفريقية لا العكس.











كاريكاتير

إستطلاعات الرأي