اصدارات جديدةشعرقص.حواركتاب الأمةأدب عالمينقدفكراخبار ثقافيةشعبيات

عن آليات عولمة التضليل المعلوماتي

2020-06-20 | منذ 2 شهر

سمير ردمان

من العبث مطالبة أيّة أيديولوجيا، أيًّا كانت، أن لا تكون أيديولوجيا. فالأيديولوجيا، تعريفًا هي: "غراء الهياكل الاجتماعية، الذي تربط هذه الهياكل عبر خلق وعيٍ يرسم معالم هيكلٍ اجتماعيٍ بعينه، وليس سواه من الهياكل".

يقول ميراب ممارداشفيللي، وهو باحث في الدعاية، وكبير الباحثين في معهد القضايا العالمية في كلية الاقتصاد في لندن، في محاضرة له حول الفلسفة الاجتماعية، إنّ التساؤل عن أسباب انتقاد الأيديولوجيا هو فكرٌ أخلاقي سخيف.

وعلى الرغم من أنّ كلاسيكيي الماركسية وصفوا الأيديولوجيا نفسها بـ"الوعي الكاذب"، فإنّ الماركسية كانت هي الأيديولوجيا التي أمَّنت تلاحمًا بشكلٍ ما لوعي مواطني الإمبراطورية السوفييتية، والدول التابعة لها، وكذلك الأمر بالنسبة لمواطني أوروبا الشرقية... ينطبق ما ذكر آنفًا على البروباغاندا/ الدعاية، التي يصعب مطالبتها بالتخلّي عن خصائص عضوية، كالكذب، والتشبّث بفكرةٍ ما. بالإضافة إلى ذلك، فإنّ الدعاية خضعت منذ الحرب الباردة الكلاسيكية لتغيرات كثيرة، فأصبحت أكثر حداثةً، وتمكنّت من استيعاب وتوظيف التقنيات الجديدة، وخلقت أسواقًا كاملة للهويات بدلًا من أن تخلق سوقًا للأفكار.

نهاية "حزب الإنترنت"

يقول ممارداشفيللي ذاته: "فعالية الأيديولوجيا لا تتمثّل في تأثير ما تقوله، بل في ما لا تسمح بقوله". لذلك، لا يزال الجزء الحديث من آلة الدعاية الروسية يعمل على: تكميم الأفواه، فرض الرقابة على النصوص، وفرض وجهات نظرٍ معيّنة على الجمهور من خلال وسائل الإعلام المملوكة للدولة.

 

"في حين لم يعد الإنترنت ساحة يتفرد الليبراليون والديمقراطيون في احتلالها، فقد احتفظ التلفزيون بوظيفته الدعائية المهلكة"

ولكن في العالم الجديد، أي عالم ما بعد الحقيقة، أصبح في الإمكان قول كلّ شيء. فبدلًا من التشويش في العصر السوفييتي، أصبح لدينا الآن ضجيج إعلاميّ. في السابق، كان الأمر واضحًا: إخماد كل ما هو ممنوع، أي الحقيقة. أمّا اليوم، فإنّ سيل الشائعات، وكلّ ما يُخفى بستار الحقائق والآراء، يجعل الشخص العادي غير قادرٍ على تمييز المعلومات المهمة من القمامة، ولا يستطيع التفريق بين الخيال والواقع، فيعجز عن التمييز بين المعلومات الصحيحة والمزيفة. عندما يدخل الضجيج الإعلامي سوق المعلومات، يكون الفائز في هذه السوق ذاك الذي يصدقه الناس.

في كتابه "هذه ليست بروباغاندا"، يقول الصحافي بيتر بوميرانتسوف(1): "شبكات التواصل الاجتماعي هي آلةٍ صغيرة لإنتاج النرجسية، التي لا تبلغ درجة الإشباع أبدًا، والتي تتخذ مواقف أكثر راديكاليةٍ بهدف جذب أكبر اهتمام". وبالصورة نفسها، تعمل الماكينات والأدوات السياسية على تشويه صورة الخصوم. تبقى الشعبوية حالة ظرفية تهدف لإنشاء ما يسمّى بـ"شعب اللحظة/ ad hoc"، لاستخدامه في الانتخابات، ومن ثمّ تركه للنسيان.

ويضيف بوميرانتسوف: في كلّ مكانٍ من العالم، نسمع الشيء نفسه: "هنالك كثير من المعلومات الصحيحة والملفقة تطال كلّ شيءٍ في العالم، إلى درجةٍ لا أستطيع أن أعرف أين هي الحقيقة". ويضيف أنّه في إمكان ذوي الخبرة من المتلاعبين أن يحققوا "ضوضاء الرقابة". وبدلًا من نقص المعلومات، أصبح لدينا فائض منها، ومع ذلك لا يستطيع مستهلك المعلومات العادي أن يميّز بين الخداع والحقيقة. على سبيل المثال، إذا قيل اليوم لمتلقي المعلومات العادي، أنّ كلًا من الغرب، وغورباتشوف، وكذلك يلتسين، قد خدعوا الجميع، وأنّ الألمان، وليس عناصر كي. جي. بي، هم من أعدم الضباط البولونيين في (كاتين = بالبولندية: zbrodnia katyńska) عام 1940، فإنّ كلّ من يصدق عكس تلك المعلومات سيُتهم بتدنيس قدسية الانتصار في الحرب العالمية العظمى. والاحتمال الأكبر أنّ المتلقي سيصدّق المعلومات المزيفة أكثر بكثير من المعلومات المدعمة بالوثائق، والدراسات والأبحاث الرسمية، والمثبتة بالوقائع. يرجع سبب ذلك إلى الإيمان، أي العاطفة. ولذلك نرى أنّ الوثائق الأصلية لا تستطيع قهر المشاعر. خلال عقدٍ من الزمن أصبح العالم الذي نعيشه نسخةً من العالم الذي تحدّث عنه بوميرانتسوف في كتابه.

من ناحيةٍ أُخرى، بدأ المراقبون منذ فترةٍ قريبة يتحدثون عن مواجهة تدور في ساحة الحرب المعلوماتية بين "حزب التلفزيون" و"حزب الإنترنت"، وصرنا نعزو فشل المعارضة إلى حرمانها من الظهور على الشاشات. الآن، لم يعد هذا البناء المزدوج موجودًا: ففي حين لم يعد الإنترنت ساحة يتفرد الليبراليون والديمقراطيون في احتلالها، فقد احتفظ التلفزيون بوظيفته الدعائية المهلكة. لا يشاهد الشباب التلفاز، بل يتصفحون الإنترنت على مدار الساعة، حالهم كحال أفران صهر الحديد التي لا تتوقف أبدًا، وهذا أمرٌ واضح تمامًا بالنسبة لبيتر بوميرانتسوف، لأنّ كتابه لا يبحث من حيث المبدأ في تأثير التلفاز، فقد جاء ما هو أسوأ منه - أي: Trolls))(2)، و(Bot)(3) و(Cyborg)(4): فقد تبين أنّ تزايد شعبية الإنترنت كمصدر للمعلومات هو فخٍّ سياسيّ.

جوقة (Trolling Stones (5

لا يمكننا القول إنّ السلطة التي تنفرد في تحديد الصواب والخطأ قد اختفت نهائيًا. ومع ذلك، لم يعد هناك مفاهيم من قبيل "تاس مخولة بالتصريح"، إذ يقول بوميرانتسوف إنّ العالم السيبراني لا يزال مليئًا بالكثير من الوكالات على شاكلة وكالة تاس. ويبيّن، عبر أمثلةٍ متنوعة من مختلف أرجاء العالم، من الفيليبين إلى المكسيك وروسيا، ماهية التقنية التي يستخدمها هؤلاء (الترولي) غير المرئيين والوكالات الشبيهة بوكالة تاس. ويقول متحدثًا عن آليات عولمة التضليل المعلوماتي: "... يمكن لأيّ شخص من أيّ مكانٍ في العالم أن يكون مؤثرًا على

 

"تحوّلت السلطات الحاكمة إلى أفراد عشوائيين يساعدون في خلق تجارة نشطة من الأكاذيب والأيديولوجيات. وهكذا تحلّ ثورة الـ(BOTS) المضادة مكان الثورة التي أحدثها facebook وTwitter"

الآخرين. على سبيل المثال، يقوم (المهكرون) الروس بالإعلان عن البغايا على شبكة الترويج عن البغايا في دبي من خلال رموز وتصرفات كرتونية داعمة للأحزاب اليمينية المتطرفة في ألمانيا. كما يستطيع سياسي دولي يجلس في منزله في اسكتلندا إبلاغ النشطاء الأتراك عن تحركات الشرطة التركية أثناء أعمال الشغب في إسطنبول. كما يمكن إخفاء العلاقات العامة لتنظيم داعش بالاعتماد على روابط أجهزة آيفون".

يختفي المؤلفون من عالم اليوم الذي لم يعد فيه سلطات حاكمة، وبتعبيرٍ أدقّ، تحوّلت السلطات الحاكمة إلى أفراد عشوائيين. وفي الوقت نفسه، فإنّهم يساعدون في خلق تجارة نشطة من الأكاذيب والأيديولوجيات. وهكذا تحلّ ثورة الـ(BOTS) المضادة مكان الثورة التي أحدثها facebook وTwitter. هذه الثورة المضادة تنشئ مصانع لها سجل حافل في التعاون مع صحافيين عاديين، وبالأمثلة يظهر بوميرانتسوف بالتفصيل كيف تعمل مصانعهم في روسيا/ وفي تاريخ تعاون صحافيين عاديين. يظهر هذا السجلّ مواضيع عدّة: تفاهة الشرّ، الذي تحوّل إلى معيار لصنّاع الزيف، وكذلك لمتلقي المعلومات المزيفة على حدٍّ سواء.

يصف بوميرانتسوف العاملين في هذا المجال بأنّهم: "شبّانٌ لطفاء، يتمتعون بود بالغ، لكنهم، في الوقت نفسه، لا يتورعون عن تعريض ضحاياهم لكل أنواع الإذلال والإهانة والتحقير، ليلطخوا سمعة وتاريخ ضحاياهم، من دون أن يرفّ لهم جفن.... تعمل مصانع الزيف بتناغم وانسجام مع مجمع التضليل الإعلامي الحكومي. في أيامنا، لا أحد لديه متسعٌ من الوقت لقراءة المقالات، ولكن الجميع يعرف كيف يعلّق عليها.... كما أنّ الأشخاص الذين كانوا يعتبرون أنفسهم محصنين في مواجهة المعلومات التي يتقيّؤها التلفزيون، وجدوا أنفسهم بلا حماية في مواجهة أخبار شبكات وسائل التواصل الاجتماعي... أصبحت الأكاذيب التي تنتجها مصانع التزييف حقيقةً، وأصبح المتلقي ينظر إلى حقيقة وجود هذه الأكاذيب على أنها ظاهرة طبيعية".

وهكذا، وبدلًا من أن تكون وسائل الإعلام الجديدة نافذة على المستقبل، فإنّها أعادت لنا الماضي.

فقاعات في الهواء

زمن الأيديولوجيات العظيمة ولّى، لتحلّ بدلًا منها العواطف اليمينية واليسارية والتحالفات الظرفية والهُويّة. ولهذا نرى المعارض اليوغوسلافي، سيرجي بوبوفيتش، يعتمد مفهوم "القاسم المشترك الأصغر"، ليبني هويةً إثنيةً دينية، وليصبح هذا المفهوم سلاحًا بيد المعارضين لكلٍّ من المحتجين والسلطة. تتشكل الهُويات لفترة قصيرة يمكن حشدها حول منصّة مشتركة صغيرة جدًا. وعادةً ما تكون المواقف الأكثر راديكاليةٍ هي الأساس المعتمد لتوحيد الهويات. وتظهر الهوية بفجاجةٍ في الصراعات الشرسة التي يشهدها الإنترنت، إذ تصبح التعليقات قاطعة، والحجج أكثر حدّة وشراسة، مع امتداد فترة الجدل والنقاش.

 

"زمن الأيديولوجيات العظيمة ولّى، لتحلّ بدلًا منها العواطف اليمينية واليسارية والتحالفات الظرفية والهُويّة"

يقول بوميرانتسوف: "تحفّز الشبكات الاجتماعية سلوكًا أكثر استقطابًا، ونتيجة ذلك يطلب الجمهور مزيدًا من المحتوى المضخّم، أو مزيدًا من الأكاذيب الصريحة. الأخبار المزيفة هي نتيجة كيفية تصميم الشبكات الاجتماعية".

ويضيف أنّ الشبكات الاجتماعية هي "آلة صغيرة لإنتاج النرجسية التي لا ترضى أبدًا، ولجذب مزيد من الاهتمام يتم التشبّث بالمواقف المتطرفة". بالطريقة نفسها، بدأت الآلات والأدوات السياسية العمل على تشويه سمعة المعارضين، لدرجة أنّ مجرد ردّة الفعل البسيطة التي يبديها الخصم يمكن أن تكون موضوعًا للاستغلال.

الشعبوية هي بالفعل حالة ظرفية يظهر في خضمّها ما يسمّى بـ"الشعب اللحظي"، الذي يمكن استخدامه أثناء الانتخابات، ومن ثمّ يرمى طيّ النسيان. وللاستفادة من هذا "الشعب" يتم صنع وتضخيم فقاعة الهُوية، التي تنفجر من تلقاء نفسها في ما بعد، لتظهر لاحقًا في صورةٍ ما أُخرى. في هذه اللعبة، يفوز من يتمتّع بمرونةٍ أكبر، ويكون أكثر قدرةٍ على إعادة ترتيب مصالح عشوائية متباينة حول مفهوم جذّاب. إلى هذا النوع من "الشعب" تنتمي فقاعة ما يسمّى "الأغلبية البوتينية"، على سبيل المثال. ولكن يجب الاعتراف أنّ هذه الفقاعة استمرت فترةً أطول تجاوزت حدود حملة انتخابية رئاسية واحدة، مما أدّى إلى فقدان الحقيقة قيمتها. ويشير بوميرانتسوف إلى نماذج، من بينها نموذج الحرب في سورية، التي يقول بشأنها: "حول سورية، يعرف الجميع كلّ شيء الآن. وهنالك كمّ هائل من تسجيلات الفيديو... وكثير من الأدلة والأمثلة عن ارتكاب جرائم الحرب في ذلك البلد... غير أنّ ردّة الفعل كانت متناسبة عكسيًا مع كمية الأدلة". إنّه إذًا ضجيج المعلومات، إنّها فقاعات في الهواء.

هوامش:

ــ بيتر بوميرانتسوف: وُلد في كييف عام 1977. انتقل عام 1978 مع أسرته إلى ألمانيا، ومن ثمّ إلى بريطانيا. صحفي بريطاني، ومؤلف، ومنتج تلفزيوني. قام ببحثٍ بشأن مقتل عارضة الأزياء الروسية، روسلانا كوشنوفا، كمادة لأحد أفلامه الوثائقية.

ــ Trolls: هو الشخص الذي يشعل حربًا، أو يزعج الناس على الإنترنت بعرضه بوستات عدوانية، أو إرسال رسائل خارج المألوف على تجمعاتٍ "مجمعات الأخبار، وغرف المحادثة، المدونات... بهدف إثارة ردود فعل عاطفية عند القراء.

ــ (BOT): حسابات خاصّة على تطبيق Telegram، صمّمت خصيصًا لمعالجة وإعادة إرسال الأخبار.

ــ(Cyborg): اختصار لـ(cybernetic Organism) (نصف آلي)، وهو جسد يحتوي أجزاءً عضوية، وأُخرى ميكانيكية – إلكترونية. مع ازدياد عدد مستخدمي الإنترنت، يدعي بعضهم أن البشر أصبحوا بالفعل نصف آليين.

ــ "Trolling Stones": وسيلة شاملة للتواصل والبحث عن الأصدقاء وزملاء الصفّ، يستخدمها عشرات الملايين يوميًا.

 



إقراء أيضاً


التعليقات

لا توجد تعليقات حتى الآن ، كن أول المعلقين

إضافة تعليق






شخصية العام

كاريكاتير

إستطلاعات الرأي