

بغداد – بقلم: عامر محمود
وقفت بملابس سوداء رثة يعلوها الغبار وغطاء رأس لا لون له ووجه ذبلت كل معالمه وعيون غارت في محاجرها من كثرة الدمع الذي أفرزته، تحمل بيد بطاقة تسمح لصاحبها بزيارة "سجن سوسة الفدرالي" وتمد اليد الأخرى لتجمع ما يجود به المحسنون من مال، لا لتعيل أسرتها به او تنفق على أبنائها او تشتري لنفسها طعام او كساء وإنما تقف ام علاء الساعات الطوال أمام جامع الأخوة الصالحين في العامرية لجمع بضعة ألاف تعينها على زيارة ابنها المعتقل وسط جبال السليمانية لا لذنب سوى حراسته مسجد مدينته أثناء الفتنة الشعواء التي أعقبت تفجيرات سامراء في شباط/فبراير 2006.
ظاهرة تستفحل
ولا تمثل ام علاء حالة نادرة او فريدة في أيامنا هذه وإنما أصبحت أمرا طبيعياً مع عشرات الآلاف من المعتقلين الذين ملئت بهم سجون وزارتي الدفاع والداخلية والعدل بالإضافة إلى سجون قوات الاحتلال الأميركي.
وأخذت ظاهرة استجداء الأموال من اجل دفع مصاريف زيارة السجناء تنتشر بكثرة في الآونة الأخيرة وتلاحظ على أبواب المساجد أعداد متفاوتة من النساء يقمن بهذا العمل وترتفع نسبتهن خلال صلاة الجمعة حيث ينفق المصلون على الفقراء أكثر من الأيام الأخرى.
ولما كان المال المتحصل لا يفي بنفقات الزيارة او المواجهة فان مأساة هؤلاء النسوة تطورت وبدأن بالتجول على الأسواق والمحال التجارية والمنازل يسألن الناس ان يمنحوهن ثمن رؤية أبنائهن المغيبين منذ سنوات خلف القضبان.
وتتفاوت أراء أمهات المعتقلين إزاء هذه الظاهرة. ففي الوقت الذي تقسم خولة البياتي (وهي ام لمعتقل في سجن التسفيرات) بأنها تفضل ان تبيع كل ما تملك في دارها من أثاث او حتى تمتنع عن زيارة ابنها قبل ان تفكر بالوقوف لاستجداء الناس، إلا ان ام علاء تجيبها وعلى لسانها ابتسامة سخرية بأنها لا تملك شيئاً لبيعه، فهي تعيش فقرا وعوزا رهيبين ولم يسمح لها بأخذ أي شيء من بيتها في منطقة الشعلة والذي تقول "ان الميليشيات أخرجتها منه بليلة ظلماء".
سجون بالجملة
وبحسب إحصاءات وزارتي العدل وحقوق الإنسان فإن هناك 49 سجنا، بينها 14 سجنا كبيرا، أحدها مخصص للنساء وأربعة للأحداث وأربعة معتقلات معلنة تديرها سلطة الاحتلال وهي «بوكا» في البصرة وكروبر في بغداد و«سوسة» في السليمانية و«الخضراء» في المنطقة الخضراء للتحقيقات الخاصة، وهذا الأخير تتكتم عليه سلطة الاحتلال كثيرا، غير معتقلات أخرى تديرها السلطات العسكرية الاميركية في التاجي وصلاح الدين والكوت، إضافة الى 35 سجنا مؤقتا موزعة في عموم البلاد وفقا لتقارير الوزارتين.
وتنتشر في هذه السجون حالات التعذيب بصورة كبيرة ومنتظمة وتنتشر ظاهرة ابتزاز الأموال من ذوي المعتقلين في هذه السجون، وتتراوح الأسعار بين 500 دولار يتقاضاها المحامي لمجرد قراءة أوراق القضية وإفادة المعتقل و2000 دولار مقابل إطلاق السراح بواسطة معارف المحامي ويتطور السعر إلى أرقام فلكية مقابل إيصال السجين سليماً معافى إلى باب داره. وهناك الصفقات الصغيرة التي تعقد من اجل السماح للمعتقل بالحديث إلى أهله بالهاتف النقال مقابل كارتات موبايل فئة 10 و20 دولارا تدفع مقدماً لقاء مكالمة تدوم ثلاث دقائق في أحسن الأحوال.
في الطريق إلى سوسة
تسرد ام علاء بالتفصيل مصاريف مواجهة ابنها في سجن سوسة بمحافظة السليمانية وتبدأ رحلتها بألفي دينار للوصول من منطقتها في ضواحي بغداد إلى كراج (محطة حافلات) النهضة، ومنه تدفع 15000 دينار ثمن السفر إلى كركوك بعدها تسافر إلى محافظة السليمانية مقابل 6000 دينار وفي هذه المرحلة هناك صعوبة إحضار الكفيل كشرط للدخول إلى السليمانية على أن يكون من الأكراد حصراً ويعاد إلى بغداد ويمنع من الدخول إلى المحافظة الشخص الذي لا يحضر الكفيل، وبعد الوصول إلى كراج السليمانية فان ارخص تاكسي منه إلى منطقة الفنادق في شارع "كاوه" يتقاضى 5000 دينار.
ويتوجب على الشخص الذاهب إلى المواجهة ان يستأجر غرفة في احد الفنادق ليبيت فيها وينطلق منها إلى السجن مع أول خيط للفجر، ولا يقل ثمن ارخص غرفة هناك عن 25000 دينار لا تشمل أي خدمات سوى المبيت، ومع ساعات الصباح الباكر تستقل ام علاء سيارة بسعر 6000 للشخص الواحد تتوجه بها الى سجن سوسة الواقع وسط سلسلة جبلية، ولابد من اعطاء مبلغ من المال للمعتقل يصرف منه على احتياجاته اليومية داخل السجن ولا يقل هذا المبلغ عن 100000 دينار تدفع مباشرة الى السجين او تودع كرصيد للسجين لدى سوق السجن (الحانوت).
وباحتساب أجرة العودة إلى بغداد والتي تماثل أجرة الذهاب فان اقل مبلغ يدفع لمواجهة السجين هو ربع مليون دينار لشخص واحد وتتضمن مصاريف الأكل والشرب. وتزداد الأجور في حال اصطحاب ابن المعتقل او زوجته. وتتساءل ام علاء عن كيفية تدبير هذا المبلغ كل شهرين او ثلاثة أشهر وتغالبها العبرات وتقول بصوت يغالب البكاء، كنت أريده عوناً لي بعد مقتل أباه إلا أنهم أخذوه مني وجعلوا من حياتي عذابا مستمرا.
وعلى ذات المنوال تحتسب أجرة المواجهة في سجن بوكا بالبصرة مع متاعب وصعوبات تتمثل في الذهاب مرة للحجز وأخرى للمواجهة وهو الأمر الذي يضاعف تكاليف السفر.
ولا تظهر هذه التكاليف في مواجهات سجون "الكاظمية" و"التسفيرات" و"النسور" في بغداد إلا ان هذه الميزة ليست بذات الأهمية مقارنة بأجواء المواجهة التي تتم عبر جدارين من الأسلاك تفصل بينهم مسافة متر، ومع وجود الأعداد الهائلة من السجناء والمواجهين يصبح التحدث مع المعتقل امراً مستحيلاً مهما علا الصياح وبحت الحناجر.
فلذات خلف القضبان
يمثل الأطفال العقدة الأضعف في معادلة التعذيب والانتهاكات التي تمارس في السجون، والتي كشفت عن جزء يسير منها صحيفة الغارديان البريطانية حين روت قصة عمر علي (16 عاما) الذي قضى ثلاثة أعوام في السجن وبرزت على جسده التقيحات والبثور التي جاءت بسبب النوم على فراش مبتل بالعرق.
وكان عمر في الثالثة عشرة عندما قامت "قوى خاصة" تابعة لوزارة الداخلية بمداهمة بيتهم في حي الاعظمية، في تشرين الأول/اكتوبر 2004. وتم اعتقاله وشقيقه البالغ من العمر 14 عاما، وبعد اسبوع جاءت نفس القوى واعتقلت والدهم ولا يزال الثلاثة يقبعون في السجن.
ونقلت الصحيفة عن والدة الحدثين انهما اخبراها في اثناء زيارتها لهما عن تعرضهما للتعذيب في الايام الاولى من الاعتقال وان المحققين أمروهما بالتوقيع على ورقة بيضاء تتم تعبئة الاتهامات عليها في وقت لاحق.
وأشار عمر إلى ان درجة الحرارة في السجن اثناء الصيف تتجاوز 44 مئوية في النهار ولا تتعدى عن 38 مئوية اثناء الليل وقال ان المياه مثل الكهرباء متقطعة وانه لم يكن قادرًا على الاستحمام إلا مرة كل ثلاثة أيام. وينام السجناء في اربعة اجنحة كل واحد منها يحتجز فيه 75 حدثا في اسرة مزدوجة ولا تتعدى مساحة كل زنزانة فيها 5 إلى 10 أمتار.
إجهاض العفو
بالرغم من كل الجهود الوطنية الخيرة التي بذلت في صياغة ومناقشة وإقرار قانون العفو العام والذي تعول عليه اغلب العوائل العراقية في إطلاق سراح أبنائها من السجون، إلا إن القانون يواجهه تلكؤا واضحا في التطبيق يصل إلى حد الجمود منذ بداية شهر رمضان الماضي وحتى ألان، وهي المدة التي أطلقت القوات الأميركية سراح أكثر من 2500 معتقل خلال هذه الفترة من سجون بوكا والمطار.
وفي هذا الشأن يقول احمد رعد الباحث في مجال حقوق الإنسان أن السلطات التنفيذية ويقصد بها وزارتي الداخلية والدفاع والأجهزة الأمنية لم تنفذ القانون بل تمت عرقلة تنفيذه بشتى الطرق لدوافع سياسية وطائفية، ويشير إلى الأثر الكبير الذي يلحقه هذا العمل بجهود المصالحة الوطنية.
ويستغرب من التباطؤ في تطبيق قانون اقر من اكبر مؤسسة تشريعية في البلاد وبإجماع ممثلي الشعب.
ويرى إن هناك جهود واضحة جداً من قبل بعض المسؤولين لإعاقة تنفيذ هذا القانون، وهم الأشخاص الذين تقول عنهم ام علاء، وهي تهم بالانصراف بعد فراغ الجامع من المصلين، "أيرضون ان تكون أمهاتهم وأخواتهم في مكاننا هذا أو يقفن في هذا الموقف الذليل؟"