

تخيّل قاعة مزاد لا تُباع فيها السلع، بل تُباع العقول.
يجلس المشترون في صمت، ولا يهم كثيراً إن كانوا بشراً أم مجرد واجهات رقمية. وأمامهم، داخل صندوق زجاجي، يقف شخص يتحدث بحرية عن أفكاره وتجربته المهنية وإخفاقاته وابتكاراته. ومع كل فكرة ينطق بها، ترتفع الأرقام على الشاشات في هدوء. يفوز بالمزاد من يدفع أكثر.
المفارقة أن صاحب العقل لا يعلم أصلاً أن المزاد قائم، ولم يتقاضَ مقابلاً عن أفكاره.
قد يبدو هذا المشهد أقرب إلى الخيال، لكنه يختصر واقعاً يتشكل حولنا كل يوم. فنحن نكتب ونسأل ونبحث ونناقش ونبتكر، بينما تعمل في الخلفية منظومات رقمية هائلة تجمع ما ننتجه من معرفة وخبرة، وتعيد تنظيمه ومعالجته وتحويله إلى قيمة اقتصادية جديدة.
لقد اعتدنا خلال السنوات الأخيرة على تكرار عبارة أن "البيانات هي نفط العصر الحديث". لكن هذه العبارة لم تعد كافية لوصف ما يحدث اليوم.
فالنفط الجديد لم يعد البيانات وحدها، بل المعرفة البشرية ذاتها؛ الخبرات المتراكمة، والمهارات، وأنماط التفكير، وطرق حل المشكلات، والإبداع الإنساني في صورته اليومية العفوية.
المادة الخام الجديدة لم تعد مدفونة تحت الأرض بل تسير على قدمين، وفي الماضي، لم تكن قيمة النفط كامنة في وجوده تحت الرمال، بل في القدرة على اكتشاف حقوله واستخراجه وتكريره ونقله وتوزيعه. وكثيراً ما كانت الثروة الحقيقية تذهب إلى من يملك المصافي وخطوط الأنابيب وشبكات التوزيع أكثر مما تذهب إلى مالك البئر نفسه واليوم يتكرر المشهد بصورة مختلفة. فالعقول البشرية هي الحقول، والمعرفة هي النفط الخام، ونماذج الذكاء الاصطناعي هي المصافي التي تعيد تكريره، أما المنصات الرقمية ومحركات البحث والمساعدات الذكية فهي خطوط الأنابيب وشبكات التوزيع الجديدة.
ومن يسيطر على هذه المنظومة لا يملك مجرد تقنية متقدمة، بل يملك القدرة على تنظيم المعرفة البشرية وإعادة توجيهها على نطاق عالمي. ولهذا السبب تبدو خدمات كثيرة مجانية ظاهرياً. فأنت لا تدفع بالمال فقط، بل تساهم بصورة مستمرة في إنتاج المادة الخام التي تقوم عليها هذه المنظومة. إن أسئلتك، واهتماماتك، وخبراتك، وتفاعلاتك، وحتى أخطاءك، تتحول إلى مدخلات تساعد في تطوير أنظمة أكثر قدرة على الفهم والاستجابة.
لكن اختزال المسألة في "بيع الأفكار" قد يكون مضللاً ، فالفكرة الفردية ليست الأصل الأكثر قيمة في هذا الاقتصاد الجديد.
القيمة الحقيقية تكمن في الأنماط التي تنتج تلك الأفكار.
فالمنظومات الحديثة لا تجمع ما نفكر فيه فقط، بل تتعلم كيف نفكر، وكيف نربط بين الأفكار، وكيف ننتقل من معلومة إلى استنتاج، ومن فرضية إلى قرار. ومع تراكم مليارات التفاعلات البشرية، يصبح المورد الأكثر ندرة ليس الأفكار ذاتها، بل خرائط التفكير التي أنتجتها.
إن الذكاء الاصطناعي لا يتعلم من فرد بعينه، ولا يختزن عقل شخص واحد، بل يبني صورة مركبة من المساهمات المتناثرة لملايين البشر. إنه أشبه بما يمكن وصفه بـ"المتوسط الخارق" للوعي الجمعي الإنساني، فقوته لا تكمن في امتلاك أفكار خاصة به، بل في قدرته على الربط بين أفكار لم تجتمع من قبل. فقد يدمج خبرة طبيب في طوكيو مع تجربة مهندس في كاليفورنيا وملاحظة باحث في القاهرة ليولد حلاً جديداً لم يخطر ببال أي منهم منفرداً.
ومع مرور الوقت، وهو أقصر مما يتصور كثيرون، سيزداد الفارق بين العقل الفردي المحدود بحدود الزمن والذاكرة البشرية، وبين منظومات تتغذى على مساهمات مليارات البشر وتعمل بلا توقف.
لكن السؤال الأكثر أهمية ليس: ماذا تأخذ هذه الأنظمة منا؟
بل: ماذا ستفعل بنا؟
فالخوارزميات الحديثة لا تكتفي بفهم ما يجذب انتباهنا، بل تتعلم باستمرار ما يحقق أعلى معدلات التفاعل والانتشار والتأثير. ومع الوقت يبدأ البشر، من حيث لا يشعرون، في إعادة صياغة أفكارهم وآرائهم وحتى أساليب تعبيرهم بما يتوافق مع ما تكافئه هذه الخوارزميات.
عند هذه النقطة تتغير طبيعة العلاقة مع التكنولوجيا.
فهي لا تعود مجرد أداة نستخدمها، بل تتحول تدريجياً إلى بيئة تؤثر في تشكيل سلوكنا الفكري والثقافي من الداخل.
ومن الناحية القانونية، تطرح هذه التحولات أسئلة غير مسبوقة. فإذا كانت المعرفة البشرية هي النفط الجديد، فمن يملك حقولها؟ وأين تبدأ وتنتهي حقوق أصحاب المحتوى والأفكار والخبرات التي ساهمت في تدريب هذه النظم؟
وإذا كانت ملايين المساهمات البشرية قد امتزجت داخل نموذج واحد، فهل تصبح مخرجاته عملاً جديداً مستقلاً؟ أم أنها تمثل شكلاً من أشكال الأعمال المشتقة من جهد جماعي لم يحصل أصحابه على مقابل مباشر؟
هذه الأسئلة لم تجد الأنظمة القانونية حول العالم إجابات نهائية لها بعد، لكنها مرشحة لأن تصبح من أكبر معارك الملكية الفكرية والاقتصاد الرقمي خلال السنوات المقبلة، ومع ذلك، فإن القضية لا ينبغي أن تُفهم باعتبارها دعوة لمقاومة الذكاء الاصطناعي أو الخوف منه. فهذه التقنيات تمنح البشرية قدرات هائلة على التعلم والإنتاج والابتكار وتسريع الوصول إلى المعرفة. والمشكلة ليست في وجودها، بل في طبيعة العلاقة التي ستنشأ بينها وبين الإنسان.
فإذا كانت الثورة الصناعية قد خلقت فجوة بين من يملك الآلات ومن يعمل عليها، فإن الثورة المعرفية الراهنة قد تخلق فجوة جديدة بين من يملك منصات المعرفة ومن يزودها بالمعرفة،وربما نكون أمام شكل جديد من الإقطاع الرقمي؛ يفلح فيه البشر الأرض، بينما تتركز ملكية المحصول في أيدي عدد محدود من المنصات القادرة على جمع المعرفة وتكريرها وتوزيعها.
ولعل التحول الأهم أن القيمة لم تعد كامنة في امتلاك المعلومات وحدها، ولا حتى في فهم الأنماط الكامنة خلفها، بل في القدرة على استشراف ما سيأتي بعدها. فكلما ازدادت قدرة المنصات على تحليل السلوك البشري وتفاعلاته، ازدادت قدرتها على توقع الاتجاهات والاحتياجات والقرارات قبل أن تتحول إلى واقع. وهكذا تنتقل المنافسة من جمع المعرفة إلى التنبؤ بمسارها، ومن قراءة الحاضر إلى التأثير في المستقبل.
ويبقى الفارق الجوهري أن الذكاء الاصطناعي، مهما بلغت قدراته، لا يملك هدفاً ذاتياً ولا وعياً أخلاقياً ولا إحساساً بالمسؤولية الإنسانية. إنه قوة هائلة، لكن اتجاه استخدامها يظل رهناً بمن يصممها ويديرها ويستخدمها.
في القرن العشرين كان السؤال الاستراتيجي الأكبر: من يملك النفط؟
أما في القرن الحادي والعشرين فقد يكون السؤال الأهم: من يملك القدرة على تنظيم المعرفة البشرية واستخراج القيمة منها؟
غير أن هذا السؤال، على أهميته، ليس سوى البداية، فالمعرفة وحدها لا تمنح القوة الحقيقية، وإنما القدرة على فهم الكيفية التي تتشكل بها داخل العقول.
وإذا كانت المعرفة البشرية قد أصبحت النفط الجديد، فإن السؤال التالي لا يتعلق بمن يملك هذا النفط، بل بمن يملك خرائط العقول التي تنتجه.
هناك تبدأ مرحلة جديدة من القصة.
المقال القادم: من يملك خرائط العقول؟
*دكتوراة في القانون
عضو محكمة لندن - ببريطانيا
FaceBook: facebook.com/Dr.sherifsalama
LinkedIn: linkedin.com/in/dr-sherif-salama