
ربّما لم نسمع من قبل عن رجل يشكو من أعراض الحمل، فالحمل مقترِن بالنساء، ومع ذلك فإنّ أعراض الحمل قد تظهر على الرجال، بما يحاكِي الزوجة في الثلاثة أشهر الأولى والثلاثة أشهر الأخيرة من الحمل، والتي عادةً ما تكون أعراض الحمل فيها أوضح، بحسب الرجل.
ولكن كيف سرى التعاطُف بهذه الطريقة من الزوج في كامل أنحاء جسده وعقله حتى بات يشعر بالغثيان وتغيّرات الشهية والقلق والتوتر كما تشعر الزوجة؟ هذا ما يُطلَق عليه متلازمة كوفاد، والتي نفرِد لها الحديث في السطور الآتية.
ما هي متلازمة كوفاد؟
متلازمة كوفاد (Couvade syndrome) متلازمة تصف مجموعة من الأعراض تظهر على الرجل تحاكِي الأعراض الموجودة لدى الزوجة في أثناء الحمل، وقد يشمل ذلك زيادة الوزن أو الألم أو الغثيان.
وتأتي متلازمة كوفاد من الكلمة الفرنسية "Couvee" والتي تعني احتضان البيض أو فقسه، وقد لاحظها أول مرة عالِم الأنثروبولوجيا "إدوارد تايلور" في عام 1865؛ إذ راقب الرجال في المجتمعات البدائية وهم يقلّدون آلام شريكاتهم في أثناء المخاض أو حتى الرضاعة الطبيعية بعد الولادة، وعزا تايلور هذه الأعراض إلى تعاطُف الرجل مع زوجته أو شفقته.
ولكن ينبغي أن تعلم أنّ متلازمة كوفاد ليست مرضًا رسميًا أو مشكلة نفسية، رغم أنّ الأبحاث تشير إلى أنّها ظاهرة شائعة نسبيًا.
متلازمة كوفاد ظاهرة نفسية جسدية
تُعدّ متلازمة كوفاد ظاهرة نفسية جسدية، ما يعني أنّ أعراضها الجسدية يمكِن أن تحدث دون أن يكون لها بالضرورة سبب بيولوجي.
يقول "رونالد ليفانت" أستاذ فخري في علم النفس بجامعة أكرون: "لقد عرفنا عن الأعراض النفسية الجسدية منذ أرسطو وسقراط".
وأضاف أيضًا: "البشر قادرون على محاكاة المرض الجسدي دون أي أساسٍ عضوي".
متلازمة كوفاد قد تصيب 97% من الرجال!
وفقًا للدراسة المنشورة عام 1994 في دورية "Journal of Psychosomatic Obstetric and Gynecology"، فإنّ أعراض متلازمة كوفاد قد حدثت لدى أزواج النساء الحوامل بنسبة تتراوح بين 11% إلى 65%، وأكثرها شيوعًا كانت الاختلافات في الشهية، والأرق، والغثيان، وزيادة الوزن.
وحسب مراجعة عام 2007 في دورية "Journal of Reproductive and Infant Psychology"، فإنّ أعراض متلازمة كوفاد قد تؤثّر فيما يصل إلى 97% من الأزواج في جميع أنحاء العالم.
أعراض الحمل عند الرجال
تنقسم أعراض متلازمة كوفاد اعتمادًا على طبيعتها جسدية أو نفسية، فتضمّ الأعراض النفسية لمتلازمة كوفاد:
كما تضمّ الأعراض الجسدية للمتلازمة:
كذلك يُعدّ ألم الأسنان من الأعراض الشائعة ويظهر لدى 43% من الحالات، وفقًا لدراسة عام 2018 في المجلة الأمريكية لصحة الرجال، والتي أوضحت أنّه إذا اشتكى الرجل من ألم في الأسنان، وكان يعاني أعراضًا جسدية أخرى مثل المذكورة أعلاه، وكانت زوجته حاملًا، فإنّ متلازمة كوفاد هي السبب المحتمل.
متى تبدأ أعراض متلازمة كوفاد في الظهور على الرجل؟
عادةً ما تبدأ أعراض متلازمة كوفاد في الظهور في الثلاثة أشهر الأولى من الحمل.
تقول الدكتورة "كاثرين كابونيرو" طبيبة أمراض النساء والتوليد في "Cleveland Clinic": "هذا ليس مفاجئًا لأنّ أعراض الحمل المبكرة، مثل الغثيان الصباحي والإرهاق، تكون صعبة بطبيعتها في أثناء الحمل. ويمكن أن تسبّب هذه الأعراض تغيرات في العلاقة، ما قد يضع ضغطًا إضافيًا على أحبائهم".
هل تنتهي أعراض متلازمة كوفاد بنهاية الحمل أم أقرب؟
تميل الأعراض إلى الزوال بعد الثلاثة أشهر الأولى من الحمل، ولكنّها قد تعود مجددًا في الثلاثة أشهر الأخيرة من الحمل.
تقول الدكتورة "كابونيرو": "هذا النمط يحاكِي تمامًا أعراض الحمل الحقيقية؛ ففي معظم الحالات، يكون الثلث الثاني من الحمل هو الوقت الذي يكونون فيه بأفضل حالاتهم".
وتقول الدكتورة "ستاسي بيريرا" طبيبة أمراض النساء والتوليد ومؤسسة مركز أمراض النساء والتوليد المتكامل في أتلانتا: "هناك ارتفاع طبيعي في القلق لدى كلا الوالدين تحسّبًا للولادة، خصوصًا للبكر" وذلك قرب نهاية الحمل.
وعادةً ما تختفي متلازمة كوفاد من تلقاء نفسها بعد الولادة، ولكنها قد تستمر في بعض الأحيان.
لماذا تحدث هذه الحالة؟
لا يعرف الباحثون سبب متلازمة كوفاد على وجه الدقة، ولكنّها قد تكون مرتبطة بالعوامل الآتية:
1. التعاطُف العميق من قِبل الزوج
يعتقد الباحثون أنّ متلازمة كوفاد قد تكون مرتبطة بالاستجابة العاطفية للاستعداد للأُبوّة، فقد يتمتّع الرجل بمشاعر تعاطُف عالية تجاه الزوجة خلال الحمل والمخاض والولادة، وهذا قد ينعكس في صورة المعاناة من بعض الألم الجسدي والانزعاج الذي تعانيه الزوجة خلال الحمل.
وغالبًا ما ينعكس التعاطُف في السلوك اليومي أيضًا، فإذا نفرت الزوجة من مظهر ورائحة اللحوم، فقد يختار الزوج أن يصبِح نباتيًا للتعبير عن دعمه لها.
2. التغيّرات الهرمونية
ثمّة بعض الأدلة على أنّ متلازمة كوفاد قد يكون لها أساس بيولوجي، ففي سلسلة من التجارب، فحص "روبن إدلشتاين" عالِم النفس في جامعة ميشيغان في الولايات المتحدة كيفية تغيّر مستويات الهرمونات لدى الأزواج الحوامل لأول مرة خلال فترة الحمل.
وفي حين أظهرت النساء الحوامل زيادات كبيرة قبل الولادة في مستويات الكورتيزول والبروجستيرون والاستراديول والتستوستيرون، فقد أظهر الرجال انخفاضات ملحوظة في الهرمونَين الأخيرَين.
ويقول "إدلشتاين": "هذا ليس مفاجئًا. يُنظَر إلى انخفاض هرمون التستوستيرون على أنّه يوجّه الرجال نحو رعاية الرضيع والاستثمار في الأُسرة، بدلًا من البحث عن شركاء جُدد أو أن يكونوا عدوانيين".
وهذا يتماشى مع الدراسات التي تثبِت أنّ أدمغة الوالدين تتغير بعد ولادة الطفل.
فقد أظهرت دراسة عام 2024 في دورية "Cerebral Cortex" أنّ حجم المادة الرمادية يتقلّص لدى الآباء بعد الولادة كما يحدث لدى الأمهات -كشكل من أشكال التقليم التشابكي- ما يعزّز مناطق الدماغ ذات الصلة بقراءة إشارات الرضيع والترابط والرعاية.
وكان الرجال ذوو الانخفاضات الأكبر في حجم المادة الرمادية يقضون وقتًا أطول مع أطفالهم حديثي الولادة ويشعرون بمشاعر أكبر من الترابط، ما يعكس التكيّف الناجح مع الأُبوّة.
3. التوتر والقلق
رغم أنّ الحمل فترة سعيدة بالنسبة للأزواج، فإنّه قد يسبّب أيضًا مشاعر توتر وقلق، والتوتر قد يزيد هرمون الكورتيزول، كما قد يسبّب انخفاض هرمون التستوستيرون.
كذلك كون الرجل أبًا للمرة الأولى قد يُسهِم بدوره في زيادة التوتر.
4. سبق الإصابة بالعُقم
أظهرت دراسة عام 1994 في مجلة "Health Care for Women International" أنّه من بين الأزواج الذين عانوا العُقم، قد يكون الرجال أكثر عرضة للإصابة بمتلازمة كوفاد.
فمن بين 36 زوجًا خضعوا للفحص، كان لدى 6 رجال أعراض تتوافق بوضوح مع ما كانت تعانيه زوجاتهم، لذا فقد تكون الإصابة بالعُقم من الأسباب المحتملة لمتلازمة كوفاد.
هل لمتلازمة كوفاد علاقة بالموقع الجغرافي؟
أشارت دراسة عام 2018 في المجلة الأمريكية لصحة الرجال إلى أنّ احتمالات الإصابة بمتلازمة كوفاد قد تختلف تبعًا للثقافة المحيطة.
فمثلًا تختلف حالات المتلازمة حسب الموقع الجغرافي؛ إذ تنتشر في أستراليا بنسبة 31%، والمملكة المتحدة بنسبة 25%، وبولندا بنسبة 72%.
كيف يمكن التعامل مع متلازمة كوفاد؟
متلازمة كوفاد ليست مرضًا يستدعي علاجًا، ولكن إذا كانت الأعراض مزعجة، فيُنصَح باستشارة الطبيب؛ إذ قد يوصِي باستراتيجيات للمساعدة على تخفيف الأعراض، مثل:
ختامًا متلازمة كوفاد هي انعكاس لتعاطُف الرجل مع زوجته خلال الحمل، بالإضافة إلى بعض التغيّرات الهرمونية التي تحدث للمرأة والرجل على حدٍ سواء، والتي تتضمّن انخفاض التستوستيرون عند الأخير استعدادًا للأُبوّة، ولا تتطلّب المتلازمة علاجًا إلّا إذا كانت الأعراض مزعجة.