شعرقص.حواركتاب الأمةأدب عالمينقدفكراصدارات جديدةاخبار ثقافيةتراثفضاءات

سيمفونية الألوان… الكاميرا تغادر مواصفاتها التاريخية - كرم نعمة

خاص - شبكة الأمة برس الإخبارية
2013-02-19

 هل يكتفي التجريب في هذا المعرض بذاته، كي تفقد العدسة مواصفاتها التاريخية، وتصبح اللقطة ليس مجرد لحظة هاربة من الزمن وكيان ضوئي جامد، بل كيان تشكيلي؟

لا يبدو أن الأمر يحمل إجابته الفنية، حتى عند صاحب التجربة الفوتوغرافي العراقي هيثم فتح الله في معرضه السادس "سيمفونية الألوان- الذي يحتضنه غاليري الاورفلي في العاصمة الأردنية عمان في الخامس والعشرين من شباط/ فبراير".
 
تسنى لفتح الله أن يجرب في هذا المعرض كي يجعل الصورة الفوتوغرافية فناً تشكيليا، ربما ليزيد من الجدل المتصاعد عما إذا كان الفوتوغراف مجرد فن ضوئي جامد أم يمتلك مواصفاته التشكيلية.
 
التجريب هنا امتداد لتجربة فتح الله في توظيف الصندوق الأسود بأكثر من التقاط الزوايا الضائعة واللحظات الهاربة، ومنذ أن قرر مغادرة غرفة التحميض "دارك رووم" إلى فضاء الخيال الكمبيوتري والتعامل مع اللقطة الفوتوغرافية على أنها وليد أولي من العدسة قابل للنمو والتجميل.
في هذا المعرض سيجد فتح الله من لا يتفق معه، فاستخدام المصفيات في برنامج "فوتوشوب" يعطي المستخدم خيارات متباينة وقد يحصل على شكل مبتكر بالمصادفة، وإن كان المستخدم غير محترف.
 
إلاّ أن الفوتوغرافي العراقي قد نجح في اختيار صوره بعناية من الطبيعة، عندما ركز على الزهور والمساحات المضيئة وألوان الأشجار، وأدخل لقطاته الفوتوغرافية في مختبر التجريب الكمبيوتري من أجل صناعة "لوحة تشكيلية" من "صورة فوتوغرافية".
فلا تكتفي الزهرة بلونها في صور هيثم فتح الله، إنها تكتسب ألواناً مضافة، قد تكون مبالغا فيها في بعض اللوحات بعد استخدام المصفيات التي يوفرها برنامج "فوتوشوب" والتركيز على قوة اللون أكثر مما ينبغي، الأمر الذي يفقد بعض المقاطع "خصوصا الأزهار" طبيعتها الفوتوغرافية التلقائية.
 
وهيثم فتح الله لديه ما يجيب به عن مثل هذه التساؤلات عندما يسعى إلى تحويل الصورة الفوتوغرافية من صورة جامدة الأبعاد إلى لوحة فوتوغرافية فيها بعد ولون وملمس، لكي يصبح هذا التكوين الفوتوغرافي بعيدا كل البعد عن الفوتوغراف المباشر، ويلامس إحساس المشاهد على أنه رسم فوتوغرافي، هكذا يقول ليبرر "الرسم بالعدسة"!.. ولم لا؟ إذا كان هناك إمكانية تحويل جماد الصورة إلى إحساس ملموس بالموضوع والحركة وتناغم الألوان.
 
وهذا ما يحاول تثبيته فتح الله لصالح فن الفوتوغراف الحديث بجعله ضمن تشكيلة الفنون البصرية المعاصرة، لكي يقربه من بقية الفنون التشكيلية والابتعاد عن فكرة أنه عمل ضوئي حرفي لا أكثر.
 
ويرى فتح الله من المناسب أن تأخذ اللوحة الفوتوغرافية مكاناً لها بين الفنون التشكيلية والبصرية وتوضع ضمن سياقات الفن التشكيلي وتأخذ دورها في النقد والتحليل.
لكن لن تجيب الصور المعروضة – اللوحات عن تلقائية التساؤل الجاهزة حول ثنائية الفوتوغراف والتشكيل بقدر ما تفاقم الجدل حولها، ربما لأنها تبتكر التجريب ولا تضع مواصفات ثابتة ومعهودة بين العدسة والمشهد وذكاء العين وحركة الفوتوغرافي، ومن ثم دور الكمبيوتر في إعطاء البدائل المقترحة.
 
ويبدو أن هيثم فتح الله عزيزة قد تجاوز بعد سنوات من التوثيق والتصوير اللقطة وتوابعها كما يقول "كنت ألتقط كل ما يحدث أمامي مأخوذا بجمال الطبيعة وحياة الناس مشبعاً رغباتي في هواية التصوير الفوتوغرافي ومن خلال العدسة والعين، بعد سنوات بين الممارسة واكتساب الخبرة، كان لابد من تجاوز مرحلة اللقطة وتوابعها والعبور إلى آفاق رحيبة في فن التصوير التجسيدي وإبداعاته".
 
بدأ يفكك الصورة والرجوع بألوانها إلى الأساس ومن ثم إعادة تركيبها بشكل يختلف عن الأصل لتفضي إلى رؤيا مختلفة تماماً عما تتحدث عنه الصورة الفوتوغرافية الجامدة، أي جعل الصورة مغايرة لألوانها الأصلية وتحويلها من معطيات ثابتة إلى معطيات إضافية من ناحية اللون والشكل والجمال، وهذه المتغيرات المستحدثة تعزز ثوابت الصورة وتعطيها أبعاداً تكسبها معاني إضافية ذاتية وليست بالضرورة موضوعية، لأن الصورة أو اللوحة لا تخضع لضوابط محددة أو قواعد مسلم بها، فهي كالجمال تتنوع مقاييسه، وتختلف ضوابطه، وغالباً ما يكون ذاتياً.
 
هذا التفسير الذاتي للصورة المعاصرة عند الفنان العراقي يفتح نافذة جديدة للاختلاف حينا وأقل منه للاتفاق، على الأقل حيال المفاهيم التي يؤمن بها الفوتوغرافيون من أكثر من جيل.
 
إنه يقترح كما في معرضه السابق مفهوما آخر للصورة، بعد دخول عالم الصورة الرقمية وتحديات البرمجة الالكترونية، ليبشر بانطلاق رؤيا جديدة للفن التصويري مازجاً بين جمالية اللقطة الفوتوغرافية وتقنيات الصورة الرقمية، فأتت النتائج مزيجاً من التأثيرات الفنية المزدوجة مما جعل إمكانية تحويل الصورة الفوتوغرافية الموثقة للحدث من صورة جامدة إلى عالم آخر من التأثيرات اللونية لتصبح أقرب إلى تشكيل فوتوغرافي أو لوحة فوتوغرافية من أن تكون صورة جامدة سواء كان ذلك باستخدام تقنيات الكاميرا الرقمية أو الإضافات بالبرامج الحديثة في الحاسوب.
 
ويرى إن الولوج إلى هذا الأفق الرحيب في عالم التقنية الحديثة، أتاح للصورة الفوتوغرافية أن تغدو لوحة تشكيلية يتجاوز إطارها حالة جامدة وإن كانت جميلة ببعديها المنظور والمتخيل.
لكنه وفق التقويم المفرط في التفاؤل لم يفقد الحنين إلى الفوتوغراف بمواصفاته الأزلية، على الأقل لإثبات أنه لم يفقد أدواته أو حسه بالصندوق السحري الأسود بين كفيه، فاختار صورة الأرض بالمواصفات التقليدية المستكينة لانكسار الضوء وحزمة الظل النائم عليها، ولقطة الزهور المتمايلة مع الريح وكأنها ترقص بوله إنساني عاشق، ربما كي يطمئن العين التواقة إلى الدهشة وحدها.










كاريكاتير

إستطلاعات الرأي