اصدارات جديدةشعرقص.حواركتاب الأمةأدب عالمينقدفكراخبار ثقافية

مصحف أحمر.. رواية مغايرة لرؤية سائدة

خدمة شبكة الأمة يرس الإخبارية
2010-05-15 | منذ 10 سنة
غلاف الرواية

صنعاء(الجمهورية اليمنية)-  خالد محمد الشامي - على الرغم من الجذور الأولى لظهور فن القصة في اليمن التي تعود إلى الثلاثينات من القرن العشرين، إلا أنها قد شهدت نموا متسارعا خلال العقد الأخير من الألفية الثانية، والعقد الأول من الألفية الثالثة، وصار المتابع للمشهد الأدبي في اليمن لا يكاد يلحظ خلو مطبوعة تهتم بالشأن الثقافي من قصة أو أكثر في كل عدد منها، ولمعت أسماء قصصية عديدة - من كلا الجنسين - في كتابة القصة القصيرة، وعدد من هذه الأسماء وجدت طريقها نحو التحليق في سماء السرد العربي، وبعضها تتهيأ لمواصلة تحليقها عالميا، وكان من نتيجة ذلك نشوء كيان خاص بالقصة هو نادي القصة اليمنية "إل مقه"، الذي صارت فروعه تمتد على كثير من المحافظات في اليمن.

لكن الرواية في اليمن ظلت متعثرة الخطى كثيرا عن اللحاق بشقيقاتها من فنون السرد الأخرى، إذ لا نجد إلا عددا محدودا من الأعمال الروائية لا تكاد تتجاوز في مجملها عدد العقود التي مرت منذ ظهور الفن القصصي اليمن، وفضلا عن ذلك ظلت بعض هذه الأعمال على قلتها لا ترقى إلى المستوى الفني الذي يتيح لها الانتشار خارج حدود بلدها، لكن نقلة غير متوقعة حدثت في السنوات الأخيرة دفعت إلى الساحة الأدبية عددا من الأعمال الروائية، التي انطلقت لتتجاوز أسوار الرتابة والإحباط التي تحاصرها محليا لتجد مكانا يليق بها بين شقيقاتها العربيات، مثلما أتيح لوجدي الأهدل، وعلي المقري.

أما أحدث هذه المفاجآت فهو العمل الروائي الجديد الذي شهدته الساحة الثقافية في اليمن، والمتمثل في رواية "مصحف أحمر" للكاتب محمد الغربي عمران، رئيس نادي القصة في اليمن "إل مقه"، وأمين العلاقات الداخلية في الأمانة العامة لاتحاد الأدباء والكتاب اليمنيين، وربما توقع الكثير قبل أن يُقْدم الكاتب على خوض هذه التجربة خاصة أن اسمه قد لمع في سماء القصة القصيرة، ويعد أبرز الأسماء القصصية في اليمن حاليا، لكن لم نكن نتوقع أن يكون العمل بمثل هذه القوة باعتباره العمل الروائي الأول للكاتب، ولذا فقد كانت خطوة منتظرة أن يتم حجز هذه الرواية فور وصولها من دار الكوكب – أحد الفروع الجديدة لشركة رياض الريس للكتب والنشر- إلى مطار صنعاء من قبل السلطات.

وقد ردد البعض أن هذه ربما تكون حركة استعراضية متفقا عليها للترويج للرواية، لكن هذه الأصوات خفتت حينما تم تهريب نسخ منها إلى أيدي عدد من المثقفين، وأدركوا ما تحمله هذه الرواية من تميز في البناء وجرأة في الطرح، ولذا فقد وصفها الدكتور عبد العزيز المقالح بأنها "رواية الموسم" قائلا: "كثيرا ما تساءلت إلى متى سيظل الكاتب المبدع الفنان محمد الغربي عمران يكتب القصة القصيرة والطويلة فقط، ومتى يقتحم عوالم الرواية؟

وإذا به يفاجئني ويفاجئ الجميع بهذا العمل الروائي البديع المبهر الذي يدخل دون مبالغة فيما يمكن تسميته بالتأسيس الحقيقي لكتابة رواية عربية في اليمن بكل شروطها الموضوعية والفنية" ، وقد أدرك الكثيرون سر المعاناة التي لاقها الكاتب وروايته، والحقيقة أنني لو قرأتها بعيون رقيب عربي وحس أمني لأصدرت قرارا نهائيا بمصادرتها، لكن الله سلّم وتمكنت من تجميد غريزة الإلغاء العربية إلى حين الانتهاء من قراءتها، ولا أدري إن كانت هذه الغريزة قد عادت وأنا أدون قراءاتي الأولى حول هذه الرواية.

وقد أثارت الرواية في مراحل ظهورها الأولى أصداء أولية على مختلف المستويات: دينيا واجتماعيا وسياسيا، نظرا لجرأة الطرح الذي قدمته الرواية، والمثير أن الكاتب هو ابن البيئات السابقة جميعها، ففي المستويين الأولين يعد الكاتب ابن بيئة محافظة جدا دينيا واجتماعيا حتى أن عددا من النساء هناك تم حرمانها من المشاركة في العملية الانتخابية لأن ذلك سيتطلب إعلان اسمها أمام عدد من غير محارمها.

فضلا عن نشر صورها في سجلات الناخبين، زد على ذلك أن الكاتب هو ابن إحدى الأسر اليمنية التي توارثت السلطة الأعلى في النظام القبلي اليمني "المشيخ"، أما على المستوى السياسي فيعد الكاتب من أبرز أعضاء الحزب الحاكم في اليمن، وهو إلى ذلك عضو سابق في البرلمان اليمني، ثم وكيلا لأمانة العاصمة، وقد راهن الكثير في الوسط الثقافي أن الرجل يعد أبرز الوجوه المرشحة لتولي منصب وزير ثقافة مستقبلا، إلا أن البعض مؤخرا بدأ يتخلى عن مراهنته في ذلك، بعد صدور قرار سياسي - فور صدور الرواية- بتعيينه مستشارا لأمانة العاصمة – وهي ترقية سياسية لها دلالاتها الخاصة في السياسة اليمنية- ذلك الوخز المؤلم الذي وجهته الرواية نحو عدد من صور التخلف في اليمن جعل كل طرف يتحسس مكان الألم في جسده.

ومنذ أسابيع تمكنت من الحصول على إحدى النسخ لرواية "مصحف أحمر"، وعلى الرغم من أنني قرأت الرواية أكثر من مرة، إلا أنه وفي كل مرة تتضح للقارئ أبعاد جديدة تدفعه إلى التريث فيما لو أراد أن يقنع نفسه بأنه قد اقترب من وضع تصور نهائي عنها، لكن يمكن القول أن القارئ سيجد في ما تبنته هذه الرواية عددا من الرؤى والأفكار التي قد يختلف فيها مع ما ذهب إليه الكاتب وما طرحته الرواية، لكن وفي كل الأحوال فإن القارئ سيجد نفسه أمام عمل روائي يدهشه فيها جرأة الطرح وقوة البناء والحبكة وفرادة الأسلوب.

ولأن هذه القراءة ربما تكون من أولى القراءات المنشورة حول الرواية –إن لم تكن هي الأولى- فإنها لن تغامر بالغوص في الرواية لتنتزع بعض الأزهار وأحيانا بعض الأشواك لعرضها أمام القراء في هذا الموضوع، خشية من سوء العرض وأحيانا من بعض مخاطره المحتملة، خاصة إذا ما حاول البعض أن يجتزئ منها بعض الأسطر ليضمنها دعاوى حسبة محتملة.

رؤية حول شكل وأسلوب الرواية
تتناول هذه الرواية واحدا من أكثر الأحداث حساسية في تاريخ اليمن الحديث، ومن أشدها تأثيرا في توجيه وتشكيل النظام السياسي في اليمن، كانت البدايات الأولى لهذا الحدث قد نمت حينما قوي المد الماركسي في جنوب اليمن، وتشكل نظام في عدن ذو أيديولوجية ماركسية صارمة، كان من نتائجه ظهور حركة مسلحة عرفت بعد ذلك باسم "الجبهة الوطنية" مدعومة من نظام الحكم في عدن، تهدف إلى تحقيق شعارها الذي رفعته: ‘‘النضال حتى تحقيق الوحدة اليمنية.. لا لعمالة نظام صنعاء لأنظمة عربية رجعية كأداة لتنفيذ سياسة الغرب الاستعمارية في المنطقة.. العدالة والمساواة والحرية أساس كل نضال ‘‘.

وقد قويت شوكة هذه الحركة في أواخر السبعينات حتى أوشكت خلال سنوات قليلة على اكتساح صنعاء وإسقاط نظام الحكم فيها، وتتناول الرواية هذه الفترة من خلال سردها لمعاناة أسرة سكنت "حصن عَرْفطَة" شمال اليمن، حيث عانت من تسلط أحد المشايخ – بمفهومه القبلي- الذي كان مدعوما من النظام، وقد تسبب ذلك في هروب "تُبَّعَة" -أحد الأبطال الرئيسيين في الرواية- من الحصن، ليرافق "مولانا" –أحد العملاء السريين للجبهة الوطنية في الشمال- ثم انضمامه إلى الجبهة الوطنية والقتال في صفوفها، وقد شاركه في هذا النضال صديقته "سمبرية" التي عقد قرانه عليها لاحقا وفق طريقة خاصة بهما، ثم إنجابهما لطفلهما الوحيد "حنظلة" الذي سافر في عام 2000 ليدرس الطب في العراق، ثم تنقطع أخباره عن أمه طوال سنوات إقامته في العراق ليعود بعدها وقد أصبح إرهابيا.

أما "العطوي" - والد "تبعة" - فقد استمر في مواجهة المعاناة بسبب معارضته لتسلط الشيخ عليهم في "حصن عرفطة"، ثم نقله إلى صنعاء ليقيم في معتقل سري بصفة مستمرة بعد أن أضيفت له تهمة الزندقة والخروج عن الإسلام بسبب اعتناقه وإيمانه بعدد من الديانات المختلفة، وهي التي وردت تعاليمها في مصحفه الأحمر، إضافة إلى تبنيه الفكر الشيوعي، وقد رصدت الرواية من خلال سير أحدثها حالة الصدام بين الجبهة المدعومة من نظام عدن، في مقابل نظام صنعاء المتحالف مع السلطة الدينية - المتمثلة بالتيار السلفي – وكذلك مع النظام القبلي -المتمثل بالمشايخ- ثم تدوين عدد من الأحداث الجزئية التي دفعت بالأحداث نحو بلوغ عنفوان الصراع وصولا إلى ذروة التشويق.

* العنوان:
يشير هذا العنوان ابتداء بصيغة التنكير ‘‘مصحف أحمر‘‘ إلى وجود مصحف آخر غير المصحف المتعارف عليه، وهذه الصيغة خففت قليلا من وطأة الطابع الاستفزازي الذي حمله العنوان، مقارنة فيما لو كان بصيغة التعريف ‘‘المصحف الأحمر‘‘ ، لكن الصيغة الأولى لن يكون تنكيرها إلا مؤقتا، وربما تكون مقتصرة على العنوان فقط، أما فيما عداها فإنه سيتم الانتقال بها إلى صورة تقربه من العلمية، وهو ما نراه بعد ذلك يتردد في ثنايا الرواية تحت مسمى ‘‘المصحف الأحمر‘‘.

وهذا المصحف الأحمر - كما أسمته الرواية وكما وردت توصيفاته فيها - مختلف عن المصحف الذي نعرفه كمسلمين، فهو يضم بين دفتيه أجزاء من كتب مقدسة لديانات مختلفة، فهناك أجزاء من القرآن الكريم، وأجزاء من التوراة، وأجزاء من الإنجيل، إضافة إلى تعاليم لديانات أخرى: كالبوذية، والزرادشتية ، والصابئة....، وهذه كلها تضمها دفتا "المصحف الأحمر"، لكن إشكالية التسمية تبدو فيما لوحظ بعد ذلك في الغلاف الداخلي للرواية، حيث تُرجمت عبارة "مصحف أحمر" إلى ‘‘A RED KORAN ‘‘ وهكذا تم تخصيص العنوان وكأنه ينصرف إلى القرآن الكريم فقط.

أما عن دلالة تلازم اللون الأحمر مع ذلك المصحف، فربما نجد تعليلا أوليا في الرواية من أن لون هذا المصحف هو اللون الأحمر، لكن الرمزية قد تجعلنا ننطلق لنبحث في أقرب الدلالات الملتصقة بهذه الصفة وهي ارتباط اللون الأحمر بالدم، ومن ثم ارتباط الدم بالإرهاب الذي لم تقتصر مظاهره فيما حصل لـ"حنظلة" من تغير فكري بعد رحلته الدراسية إلى العراق، بل نرى صورا كثيرة ومتنوعة للإرهاب داخل الرواية، ومن ثم فلعل الرواية قد أرادت القول: أن المصحف الذي يمارس البعض الإرهاب باسمه إنما هو مصحف أحمر لا يتصل من قريب أو من بعيد بالكتاب الإلهي المليء رحمة وعدلا.

كما أننا لا يمكن أن نغفل ارتباط دلالة اللون الأحمر بالاتجاه الفكري لـ"العطوي" و "تبعة"، وارتباط ذلك بالاتجاه الماركسي، الذي يبرز شعاره الواضح بنجمته الحمراء، ومن ثم فلا يمكن رفض الاعتقاد بأن هذا المصحف الذي جعل منه "العطوي" رفيقه الدائم ومنهجه، هو كتاب لدين مختلف يتبناه "العطوي"، وهذا الدين يقوم على المزج بين كل الديانات باعتبارها تؤدي في نهاية الأمر إلى طريق واحد، وهي الدعوة القديمة التي اتضحت صورتها عند محيي الدين ابن عربي.

* الغلاف: حمل لونين رئيسيين: الأسود والأحمر وهو ما يتناسب مع عنوان الرواية ومضمونها معاً، وفي النتيجة يعكس هذا اللونان صورة لواقع معاش – كما تطرحه الرواية - أعلاه ظلام وأسفله دماء.

ويتصدر الغلاف مشهدٌ ثابت يتكون من صورتين: صورة لفتاة يمتد هذان اللونان كخلفية لها، وإذا تأملنا في عينيها وجدنا إحدى العينين محجوبة عن الرؤية بسبب غطاء ينسدل من على رأسها، أما العين الأخرى فهي مغمضة، كما تبدو الحيادية في ملامح وجهها وبهذا يتضح أن المرأة بعيدة عن الواقع من حولها.

أما الصورة الأخرى فهي لفتى في مقتبل العمر إحدى عينيه تذرف الدمع وتصور براءته، والأخرى تنغرز جمجمة يقطر منها الدم بفعل الإرهاب، لكن هذه الصورة يمكن لها أن تحمل تأويلا آخر؛ فتلك العين التي تذرف الدمع هي إشارة إلى براءة الأطفال في حاضرهم، بينما الجمجمة التي سدت فتحة العين هي تعبير عن قلق من مستقبل هذا الطفل الذي يمكن أن يصبح إرهابيا مستقبلا، مثلما حدث مع "حنظلة" الذي ذاق صورا كثيرة من المعاناة والظلم في طفولته، ليصبح إرهابيا في مرحلة الشباب.

* الأمر الآخر الذي يلفت النظر في الغلاف، هو الاقتباس الذي ضمته صفحة الغلاف الأخير للرواية، إذ كان من المتوقع أن يتم اختيار مقاطع منتقاة تشير إلى المضمون الفكري الذي تحمله الرواية، وبدلا من ذلك تم اقتباس مقاطع تصور لحظات جنسية مثيرة تمت بين "تبعة" و"سمبرية"، وهذا الأسلوب يذكر بما كانت تفعله دور السينما وعدد من القنوات للترويج لأفلامها، من خلال عرضها بعضا من اللقطات الساخنة كي تغري المشاهد بمتابعتها، وهذا ما يطرح تساؤلات حول علاقة الهدف الفكري والتجاري ثم هدف الإثارة بما تضمنه الغلاف الأخير!!.

الرواية الأسلوب والفكرة
وقد سلكت الرسالة أسلوبا متقدما في تشكيل بنائها، إذ أن الرواية تعد في حقيقتها رسالة واحدة موجهة من "سمبرية" إلى ابنها "حنظلة" تضم عددا من الرسائل الفرعية، لا تتقيد بترتيب تعاقبي للزمن، وإنما تخضع لما يقتضيه الموقف والسياق وما يتفرع عن ذلك من تداعيات نفسية وذكريات، وقد سهل من ذلك التنقل تلك الرسائل المتضمنة التي كان يرسلها "تبعة" إلى زوجته "سمبرية" وتشكل رمزا لحالة راهنة تتهدج بين انكسارات الماضي والحاضر ثم استمرار التطلع القلق نحو المستقبل، وتكاد هذه الرسائل أن تظهر حالة من الانفصام بين الماضي والمستقبل، وغربة هذين الزمنين عن الحاضر، ففيما كانت رسائل "تبعة" تأتي كذكريات مسترجعة تستحضرها "سمبرية" كلما شعرت بالحنين إلى الماضي أو الإحباط من المستقبل الذي انتهى بانتكاسة فكرية لثورية "تبعة" ونضالاته، فإن رسائل "سمبرية" إلى ابنها – رمز الحاضر والمستقبل معا- لا تصل إليه أي منها طوال غيابه في العراق، فيما ينقطع تواصله مع أمه نهائيا قبل أن يعود متشحا أفكارا إرهابية غريبة.

وكل الرسائل التي كانت تدونها "سمبرية" إلى ابنها تبتدئ بالحلم الذي شكل المدخل إلى الرواية وهو المعنون بـ"حنظلة": ويفتتح بهذا التصدير: "وحيدي حنظلة"، وصولا إلى انكسار هذا الحلم في القسم الأخير من الرواية والمعنون بـ"إرهاب"، وهو يفتتح بهذا التصدير أيضا: "وحيدي حنظلة".

ولعل هذا الأسلوب الذي اعتمدته الرواية يتميز بقدرته على إفساح المجال لتقييم تداخلات الأحداث بما يسمح بتكوين قدر كبير من وضوح الرؤية، فـ"سمبرية" ـ مثلاـ وهي تدون الأحداث في رسائلها بعد مرور زمن من وقوعها يسمح لها بالربط بين الأحداث وتقييمها، وهو ما لم يكن ممكنا فيما لو سارت الأحداث وفق الطريقة التقليدية ذات التعاقبية الزمنية المباشرة.

والرواية لم تقسم إلى تلك الفصول بنمطيتها المعتادة، لكنها جاءت وفق تقسيمات، تتصدرها العناوين التي تشكل أبرز محاور الرسالة، وتوزعها عشرون محورا، ثلاثة عشر منها حملت أسماء أبرز شخصيات الرواية وهي:
حنظلة – سمبرية – العطوي – شيخنا – مولانا – شهيد – شرهان – عذراء – فيدل – تبعة – خمينة – شخنما – فتاح، مع ملاحظة أن عذراء ليست شخصية مستقلة بل هي توصيف لـ"سمبرية" في أحد محاور الرواية.

وأربعة محاورة جاءت معنونة بأسماء أمكنة: الضالع – الرياض – شلال – بغداد
وبقيت ثلاثة محاور، اثنان منها كانا عنوانين لبعض من الأحداث الهامة في الرواية: اغتيال – إرهاب.

ثم المحور الذي تتفرع عنوان الرواية: مصحف
ولعل مما يمكن أن يشار إليه في أسلوب الرواية أن هناك فترات زمنية قد فصلت بين كتابة بعض من أجزائها قبل مواصلة الأجزاء الأخرى، ولذا يلاحظ في بعض محاور الرواية أن اللغة فيها تكاد تقترب من اللغة الشعرية، وهو ما يختلف عن لغة الكاتب في مواضع أخرى من الرواية.

رؤية مضمونية عامة
حين يتتبع القارئ مسار الرواية وتفاصيلها يكاد يجزم أن هذه الرواية ليست إلا خلاصة لمذكرات شخصية لأحد أفراد الجبهة الوطنية، ومن ثم تدخلت فيها ريشة الكاتب بالإضافة والحذف والتعديل لإخراجها في صورة عمل أدبي مكتمل، وهو ما اتضح في دقة الخارطة المكانية للأحداث، وربما يبدو هذا ماثلا بصورة مدهشة لي كقارئ، حيث كانت إحدى محطات البطل "تبعة" هي قريتي النائية "بيت الشامي" في محافظة "إب"، وهي من المناطق التي كانت على خط التماس الساخن في معركة النظام مع الجبهة.

فضلا عن عدد من الأماكن الأخرى القريبة منا مثل: يريم - قاع الحقل – السدة – وادي بنا....، وهي أماكن ربما لم يكن الكاتب على معرفة بأسماء الكثير منها فضلا عن الوصول إليها.

ولعل مما يميز الرواية أنها تعد أول عمل أدبي يتجرأ على تدوين بعض من تاريخ تلك المرحلة الشائكة، بل تكاد أن تنفرد بطرح رؤية مغايرة للرؤية السائدة في المجتمع من النظر إلى ما كان يسمى بالجبهة الوطنية على أنها حركة تخريبية خلفت كثيرا من المآسي بين الناس.

وإذا كان البعض من القراء قد جزم أن الكاتب أظهر انحيازا واضحا نحو تبني مواقف الجبهة ومحاولة تحسين صورتها، في مقابل وقوفه ضد الأطراف الأخرى، إلا أن التأمل في الرواية يظهر أنه إذا كان لهذه النظرة ما يبررها من خلال سياق أحداث الرواية وتتبع معاناة أبطالها، إلا أن الرواية في الحقيقة تطرح ما يناقض هذه الرؤية، ذلك أن الرواية من خلال عدد من أحداثها تعكس صورة قاتمة تعزز النظرة السلبية بين الكثير عن تلك الحركة المسلحة، فهي على سبيل المثال ترسم صورة لتوجه ديني عند بعض المنتمين إلى تلك الحركة، ينحرف عن حقيقة الدين الذي يؤمن به أفراد المجتمع، إضافة إلى تلك الصور من الشذوذ الجنسي التي مارسها عدد من أفراد الجبهة سواء لدى الرفاق أو لدى الرفيقات.

فهاهو "تبعة" يبدو بعد فترة من الصراع وقد انسجم مع حركات أصابع "مولانا" التي باتت تراوغ ما بين فخذيه. على الرغم من أن ذلك ليس إلا صورة رمزية متقنة قد لا يفطن لها كثير من القراء، ذلك أن "مولانا" ليس سوى رمز لمذهب ديني كان هو المذهب السائد في شمال اليمن، قبل أن يتوارى بفعل المد السلفي الذي وجد كل الدعم من قبل السلطة ليتحالفا معا ضد ما أسموه بالغزو الشيوعي، بينما لم يكتب النجاح لـ"مولانا" في ترويض الفكر الثوري للجبهة الذي انهار مبكرا، خاصة وأنه قد أصبح مقطوع "العضو" ومن ثم فإن تأثيره قد يبدو محدودا.

كما أن من المشاهد المثيرة للقارئ حينما يبدو "تبعة" وهو يعقد قرانه على "سمبرية" بطريقة غير معتادة، فحينما تعريا ونزلا ليسبحا في الشلال، عرض عليها الزواج، وهما وحيدان دون ولي أو شهود أو قاض، لأنهما- كما يذكر "تبعة" - لا يحتاجان إلى تلك الورقة ‘‘التي تميت الحب‘‘، تساءلت "سمبرية" باستغراب:
‘‘-كيف إذن نتزوج؟
-هكذا !!
مددتُ كفي إليك.. صافحتك.. خاطبتك:
-هل تقبلين بي زوجا..؟ إن رغبت قولي: "قبلت بك زوجا.. وإن..."
قاطعتِنِي بقولك:
- لا تكمل.. بل قبلت بك زوجا على سنة الحب.‘‘ ثم يقرران بعدها الزواج، لينتج عن تلك العلاقة غير الشرعية مولود غير شرعي أيضا وهو "الإرهاب" الذي يمثله حنظلة.

كما تظهر علاقة "المثلية" التي نشأت بين "سمبرية" وصديقتها "شخنما" كتتويج لإعجاب متبادل بينهما ظل كامنا لفترة من الزمن، قبل أن تبوح كل منهما لرفيقتها بما تشعر به تجاهها، ثم نرى "سمبرية" تصف لنا بعضا من تلك العلاقة قائلة:
‘‘نصعد غرفتنا العلوية.. نقضي معظم ليالينا معا....يتفرع الكلام ليأخذ منحى آخر، نترك لأجسادنا فسحة من الإغواء.. لا نطفئ السراج.. يتحول الضوء إلى خيوط شبقة.. خدر الكلمات المغناة.. اللمسات المرتعشة.. تجوس ألسنتنا ما شاء لها من اللذة.. يسيل لعاب أجسادنا.. تفرد أرواحنا ذروة أجنحتها.. تبلغ أفق النشوة.. تغمض بأجسادنا شعلة الظلمة،، ثم يتخذان قرارا بهائيا بـ"الزواج" بعد طلب من "شخنما"، وتردّدٍ من "سمبرية" كونها على ذمة رجل، لكنها لا تستطيع مقاومة جنونها وهيامها برفيقتها، التي ألحت أيضا على أن تقوم "سمبرية" بدور الرجل، وعلى الرغم من الرمزية المبهرة في هذا المشهد حول علاقة "الهيام" التي وحدت بين "صنعاء" و"عدن"، وقرارهما بالاتحاد جسدا وروحا، في ظل غياب الأزواج الأكفاء، لكن مثل هذا المشهد وغيره، ستظل تحمل دلالتها المباشرة في ذهن القارئ العادي.

أما الصورة الأوضح التي تؤكد أن الرواية قد حطمت الصورة المثالية التي كاد القارئ أن يشكلها في مخيلته عن "الجبهة الوطنية"- من خلال معايشته الطويلة لرحلة الرفيق "تبعة"- فهي الانكسارات المتدرجة التي قادتنا إليها الرواية وصولا إلى نقطة التلاشي تقريبا لهذه الحركة.

وكانت أوضح معالم هذا التحول قد بدأت منذ العام الأول للألفية الثالثة وتحديدا في أغسطس 2000 حينما حضر "تبعة" متسللا لوداع ابنه "حنظلة" المسافر إلى العراق للدراسة وهو اللقاء الأول بينهما منذ عرف الابن الحياة، لقد انهارت في أذهان حنظلة تلك الصورة التي رسمتها له "سمبرية" عن أبيه، كانت تصور له أباه شابا قويا مفتول العضلات وفارسا جسورا لا يقهر، لكن حين التقاه حنظلة، فوجئ بـه يخطو نحوه ‘‘ بخطوات مرتبكة.. رجل اقترب من الأربعين.. بوجه صغير.. ضامر الجسد.. انحسر شعر رأسه.. تهتز قامته بشيء من الإعاقة.. لف جذعه بفوطة فضفاضة ‘‘ حينها شعر حنظلة بالانكسار، ليحيلنا هذا المشهد إلى ما طرحته القصة الشهيرة لمحمد عبدالولي "ليته لم يعد".

ثم تظهر صورة أخرى أشد قتامة تصور حالة العجز التي أصيب بها "تبعة" حينما عاد مع "سمبرية" -التي غاب عنها 20سنة - ليقضيا فترة بجوار بعضهما في أحد الفنادق، ورغم أنهما قد قضيا الليلة بأكملها بجوار بعضهما، وطلب منها أن تنزع كل ملابسها عنها، ممارسا معها أقصى درجات الإثارة، لكنه أصبح عاجزا عن إشباع رغبتها رغم محاولاته المتكررة فقد أصابته مظاهر المرض والشيخوخة على الرغم من أنه لم يتجاوز الأربعين من العمر.

أما التحول الأهم في مسيرة "تبعة" والذي كان خاتمة التحولات، فقد ظهر حينما أعلنت مجموعة من الأحزاب الصغيرة عن تشكيل تحالف سياسي فيما بينها، والمهم ليس هذا الحدث بل هو ما شرحته "سمبرية" في رسالتها لابنها قائلة:
‘‘لم يكن ذلك ما يهمني.. لكن أن يكون تبعة أمينا عاما لأحد تلك الأحزاب.. ونائبا لرئيس ذلك التحالف.. فهذا خبر مثير.

تابعت تطور تلك الأخبار.. فجأة ظهر "تبعة" على شاشة القناة الأولى ليعلن في مؤتمر صحافي عن دخول التحالف في حوار سياسي مع حزب السلطة على طريق التحالف معه، لأول مرة أشاهد "تبعة" منذ وداعك.. كان كالأرجوز.. كرفته حمراء.. كوت فضفاض.. وجهه استعاد عافيته أو هكذا بدا لي.. يلعن في كلماته الرفاق السابقين.. يتهمهم بالعمالة‘‘.

وهنا يتضح انقلاب "تبعة" على شعاراته وماضيه، فبينما كان يلصق بحليفه الجديد – عدوه القديم- كل صفات الظلم والتخلف والرجعية هاهو يتحالف معه على الرغم من أن أبيه "العطوي" ما زال في معتقله السري، وما زال شيخ حصن عرفطة يمارس صلاحياته بكل حرية، كما نلاحظ أن النجمة الحمراء قد تمددت لتصبح في هيئة كرافتة حمراء هي شعار المرحلة الجديدة، أما تلك الفوطة الفضفاضة التي كانت على جذعه فقد انتقلت من أسفله باتجاه أعلاه لتظهر في هيئة "كوت" سلطوي فضفاض مختلف عن حجم جسده الثوري، وهذا التحول ليس مفاجئا فقد سبقته فترة زمنية سمحت بظهور آثار النعمة الجديدة عليه، كما يبدو من ملامح وجهه الذي استعاد عافيته، وصولا إلى لعنه الرفاق السابقين واتهامهم بالعمالة، متناسيا ما يقوم به حاليا.

وهكذا تظهر التناقضات والانكسارات والتحولات في واقع ترسم الرواية مشاهد متعددة تضعها أمام القارئ تاركة تأمل هذه المشاهد وقراءتها، ومجمل هذه المشاهد تتلخص في:
المشهد الأول: نظام يبدو واهنا ومثقلا بهيمنة القبيلة والسلفية.
المشهد الثاني: حركات ثورية تبدو شعاراتها مجرد مطايا توصلها نحو أغراض نفعية مجردة.

المشهد الثالث: اتجاه يحاول إيجاد طريقة بديلة لكل ذلك، لكنه محاصر غير قادر على طرح ما يراه، وهو ما يرمز له بـ"العطوي" الذي لم يعرف مصيره في معتقله بعد.
ختاما يمكن الإشارة إلى تأثر الكاتب بعدد من الأعمال القصصية عربيا وعالميا، ويمكن الإشارة هنا إلى وجود عدد من صور التشابه بين ما تضمنته رواية "مصحف أحمر"؛ وبين مضامين رواية "فيلسوف الكرنتينة" للقاص والروائي وجدي الأهدل، فبينما نجد رواية وجدي الأهدل تتحدث عن تحالف وثيق يربط بين السلطة السياسية والدينية والقبلية في إحدى الدول المجاورة، نجد رواية الغربي عمران تتحدث عن هذه العلاقة أيضا ولكن في إطار مجتمع يقع إلى الجنوب من المجتمع الأول، كما أن قرواية "فيلسوف الكرنتينة" تتخذ من "مقبرة زيمة"" مسرحا رئيسيا لأحداثها، حيث تشير دلالة التسمية إلى أن مجتمع هذه المقبرة صارت كل مظاهر حياته وحتى غذائه مطعمة بـ"نكهة جثث الموتى" في إشارة إلى عدم قدرة هذا المجتمع على التآلف مع كل ما هو جديد وحي.

أما رواية "مصحف أحمر" فتتخذ من "حصن عرفطة" المكان الرئيسي لأحداثها، وعلى الرغم مما يبدو من الاختلاف بين صورة المقبرة وصورة الحصن في الأذهان، لكن يلاحظ من خلال هذه الرواية أن هذا الحصن ليس إلا عبارة عن سور حجري متين يحول دون وصول أي صورة من صور التغيير إلى سكان هذا الحصن، الذي تتسع دلالته المكانية من الجزئية إلى الامتداد الكلي.

ومن ثم تبدو صور التشابه الأخرى بين سكان المجتمعين "المقبرة والحصن" لنلمح ذلك التشابه القائم بين شخصية مشعل الحجازي بطل "فيلسوف الكرنتينة" وشخصية "العطوي" "مصحف أحمر"، واتهام كل منهما بالزندقة والخروج عن الدين.

ثم هناك المذهب "الرملي" الذي كان المذهب السائد بين سكان "مقبرة زيمة" بتعاليمه الغريبة، يقابله في "مصحف أحمر" ذلك الانتشار السريع لتيار ديني استغل فرصة ضعف الدولة واحتياجها إلى دعمه ليوسع من قاعدة نفوذه، على حساب المذهب الآخر الذي سبقت الإشارة إليه عن طريق الرمزية التي حملتها شخصية "مولانا"، الذي أزيح عن معقله الأشهر "المسجد المقدس" –كما أسمته الرواية- الذي صار دوره يكاد يقترب من دور محاكم التفتيش من خلال جلسات الاستتابة التي كانت تقام فيه.

هذا بالإضافة إلى ما يلاحظ من تشابه كبير بين شخصية حصة الطريسي، وشخصية "سمبرية"، إضافة إلى تشرد ومقتل كثير من رفاق مشعل الحجازي، وكذا انقلاب كثير من أفراد حركته وتخليهم عن المبادئ التي وضعها لهم مشعل الحجازي، وهو ما نجده، فيما حدث أيضا من تنكيل وتشريد لأفراد الجبهة، ثم تخلي الكثير منهم عن مبادئها وتنكرهم لها.
وفيما عدا هذه التشابهات يظل لكل من محمد الغربي عمران ووجدي الأهدل أسلوبه وخصوصيته التي لا يشبهه فيها أحد، ومن ثم يمكن القول أن هذين الروائيين – عمران والأهدل - قد تصدرا المشهد الروائي في اليمن عن جدارة واقتدار، ليضعا أسسا قوية لأعمال روائية تضاهي وربما تتفوق على عدد من الأعمال الروائية الشهيرة عربيا وعالميا.


____________________

1 - صحيفة الثورة اليمنية، العدد، 16575، 30مارس 2010م.
2 - مصحف أحمر، ص 197.
3 - مصحف أحمر، ص 181 .
4 -مصحف أحمر، ص 300.
 
 



إقراء أيضاً


التعليقات

لا توجد تعليقات حتى الآن ، كن أول المعلقين

إضافة تعليق

كاريكاتير

إستطلاعات الرأي