

حنان شافعي - رغم أن الحياة سؤال مفتوح تبقى أسئلة الوطن المجروح صامدة تكشف تقصيرنا وتلزمنا بمزيد من الخجل، طالما أننا لا نحرك شيئا. ولعل الأحداث مجرد محرك أو جرس يعلو صوته ليلفت أنظارنا نحو ما فعله الزمان في ذاكرتنا ومن قبلها قلوبنا التي علاها الصدأ حتى لم تعد ترسل الدمع إلى المقل لتتعاطف مع مشاهد القتل والدمار والظلم التي تطالعنا بها الشاشات كل صباح.
إنها غزة.. عروس المدن الفلسطينية التي أرهقها الحصار وأذلها الاحتياج. هاهم أهلها يستقبلون السينمائية المصرية "عزة شعبان" في خضم حسرتهم، يفتحون لها قلوبهم قبل بيوتهم، يحدثونها بخفة ظل تقطر مرارة عن مأساتهم التي تتجدد كل صباح مثلما تتمرد الأسئلة المستعصية على الإجابات المؤقتة.
نعم .. هذا ما يمكن أن يقال عن فيلم "من لحم ودم" فما هو إلا تذكير بأسئلة قديمة لا تزال حية في قلوب البسطاء والمحبين والصابرين بينما بيعت منذ زمن بعيد على طاولات التفاوض!
فرصة ذهبية وعبثية أيضا أتاحها اختراق المعبر الحدودي بين مصر وفلسطين حينما ضاق الكيل بأهل غزة فانفجروا بحثا عمن يساعدهم في أبسط الاحتياجات وبطريقة غير مباشرة يجيب عن أسئلتهم التي نقلتها لنا الكاميرا بعفوية خالصة واهتزازة تشبه حشرجة الكلمات في حناجرهم من جراء الخوف والعجلة في كل شيء.
الحدود في حد ذاتها سؤال يخلو من المعنى خاصة حينما تقف بين أخ وأخيه أو أولاد العم والأخوال والأنساب. خطوط ترسمها أعراف وقوانين دولية باردة لا تفقه شيئا عن سخونة الدم الذي دفعه شهداء أبناء عمومة من أقطار شتى لكنهم اجتمعوا على قضية واحدة.
"لماذا يتم التعامل مع الحدود المصرية الفلسطينية تحديدا بهذه الحساسية ؟!" هو أول وآخر الأسئلة التي أطلقتها عزة شعبان مع تنهيدة حارة وحائرة لأنه بالطبع سؤال يحتاج إلى وقفة طويلة. لماذا لا تمد مصر غزة بالكهرباء أو الغاز؟ ولماذا لا يعتبر "إخوان النفط" المدن الفلسطينية سوقا رائجة لهم؟ هل لأن الفلسطينيين فقراء؟ أم إرضاء لأطراف أخرى؟
تلك أيضا أسئلة صريحة وموجعة طرحتها شخصيات مختلفة ممن أتاحت لهم الكاميرا فرصة الحديث وهي تحمل في طياتها لوما مباشرا لكل الأنظمة والمستويات وصولا إلى رجل الشارع العربي الذي يعيش يومه وغده بهدوء يصل إلى حد الغيبوبة، دون أن يفكر في الذين يبعدون عنه بعض الكيلو مترات ولا يمكنه بأي حال من الأحوال الانفصال عنهم.
الحرمان شعور يهز النفس الإنسانية في أعماقها ويسلبها الثقة والقوة وما يمكن أن تملكه من طاقة ورغبة في الحياة. كم من الحرمان والاحتياج يعاني الإنسان الفلسطيني أو المواطن الغزاوي المحاصر من كل جانب.
إذن هو سؤال الوجود الأول، كيف يمكن لبشر أن يتعايشوا بربع حياة حيث لا مرافق، لا وقود، لا أسواق، لا تعليم حتى المستشفيات خالية من أبسط أدوات الإسعاف إضافة إلى الحواجز التي تفصل الجار عن جاره الذي قضي معه نصف عمره ومن بعيد وقريب تطل المستوطنات برؤوسها كالأفاعي اللامعة حيث ينعم أهلها بكل متع الحياة الدنيا والآخرة وليذهب أصحاب الأرض إلى الجحيم.
الرب وعلاقة "ما" مع السماء. سؤال شديد الخطورة طرحته كاميرا عزة شعبان في ذكاء وبساطة وهو سؤال يخص الأمة العربية بأسرها وإقليم الشرق الأوسط كاملا. هل ترسل السماء حلولا مرضية لأسئلة المحرومين والمقهورين؟ هل تبقى هي الحل الوحيد أمام هؤلاء المستضعفين حينما يتخلى عنهم الجميع؟
أعتقد أن الإجابة "نعم"، فلعل هذا الفضاء الأزرق اللامتناهي ينجح في احتواء القلوب والأرواح المنهكة وتجديد علاقتها بالحياة لكن - بكل أسف - لا يتوقف الأمر عند هذا الحد حيث تأبي دراما المصالح التوقف عن التجدد والنشاط وبالتالي تتحول العلاقة النقية بالسماء إلى مسدس وقذيفة وموجات عنف عمياء لا تفرق بين عدو أو صديق، يتم استغلالها واستثمار هذا الشباب البائس في خدمة أهداف فردية بحتة وهنا يبرز سؤال السلطة والحرية الذي أجابت عنه أمام الكاميرا سيدة فلسطينية بسيطة دون خجل أو تردد.
في أقل من نصف ساعة نكتشف عبر هذا العمل السينمائي البسيط مدينة "غزة" الفلسطينية بدمها ولحمها الذي هو جزء أصيل من دمنا ولحمنا. نشاهدها ونحن نقف على أبواب أوردتها، نراقب بيوتها المهدمة، شوارعها التي تعج بالأنقاض، محالها المغلقة حتى إشعار آخر وفوق كل ذلك أبناءها الصامدون الذين يصهرون جليد الخوف بحرارة أنفاسهم ويهربون من بشاعة الواقع بسخرية مرحة من كل شيء حتى أنفسهم ورغم ذلك كله تتجه أنظارهم وآمالهم نحو مصر التي تجمعهم بها ذكريات الوحدة عبر خط قطار "غزة/القاهرة"، ويطل من أعينهم سؤال أخير يظل عالقا بين السماء والأرض "هل يمكن للأخت الكبرى أن تقطع أوصالنا بسكين من فولاذ كما أعلنت وكالات الأنباء أم هي محض سخافات إعلامية؟!"