اصدارات جديدةشعرقص.حواركتاب الأمةأدب عالمينقدفكراخبار ثقافيةتراثفضاءات

شوقي بغدادي تسعيني يتحدى الزمن بالشعر

2021-12-05 | منذ 2 شهر

نضال قوشحة

ليس صحيحا أن جذوة الإبداع يقتلها الزمن، فكثير من المبدعين عاشوا طويلا وهم يقدمون أعمالا جديدة تضج بالحياة والفن والأدب، فالمبدع لا يعرف للزمن حدا، وهو فوق الزمان والمكان، يتنقل بخيالاته في فضاءات إبداعية يقدم فيها ما هو أجمل وأسمى. واحد من هؤلاء شوقي بغدادي، الأديب والشاعر السوري الذي لم تمنعه سنوات عمره الثالثة والتسعون من إصدار ديوانه الشعري الجديد قبل أيام في دمشق.

لم تقهر سنوات العمر الطويلة قامة شوقي بغدادي، فسنواته التي تجاوزت الثالثة والتسعين لم تمنع حضوره القوي وهو يبارز أنواء السنين ويبحر في تحدي الزمن، الذي عجز عن قهر توقد روح الشباب عنده.

 يدخل بغدادي نادي الصحافيين بدمشق مساء الأول من ديسمبر الجاري ليحتفي مع بعض أهله وصحبه وعشاق أدبه لإطلاق ديوانه الشعري الأحدث “بعد فوات الأوان” الصادر عن دار سويد للنشر والطباعة والتوزيع بدمشق. وهو الأثر الأدبي الذي احتوى قصائد في العديد من الموضوعات والأشكال الشعرية العربية.

شعر وجداني عاطفي

شوقي بغدادي شاعر يعرفه المشهد الثقافي السوري منذ ما يقارب السبعين عاما، وهو إحدى العلامات الفارقة التي شكلت طيف هذا المشهد عبر سنوات طوال، عاصر الحركة الأدبية السورية منذ فجر الاستقلال ومازال حتى اليوم فاعلا فيها. وهو ذاكرة فكرية وسياسية وثقافية حاضرة لكل من يحتاجها. وقد اهتم بغدادي منذ بداياته بالقضايا الكبرى، فجذبته أفكار العدالة الاجتماعية وتحقيق المساواة في المجتمع، فانتسب للفكر الماركسي، وسجن بسببه سياسيا في عهد دولة الوحدة عام 1959 مدة تسعة أشهر، ثم تنصل من هذا التوجه، عندما وجد أنه أدى إلى تكوين الدولة البوليسية التي لا تحقق هذه الأهداف بل وتظلم الناس بسببها.

 قدم في تلك الفترة شعرا سياسيا عالي النبرة عرف به واشتهر، لكنه بعد ترك هذا التوجه اهتم بالشعر الوجداني العاطفي، لكن ذلك لم يمنع من تناوله موضوعات وطنية كبرى، فعندما تبين له تآكل حجم غوطة دمشق الخضراء أمام المصانع ومشروعات الفساد أصدر ديوان “البحث عن دمشق”، وعندما تغير مفهوم المواطنة في سوريا ووصل لمرحلة مواجهة الخوف أصدر ديوان “جمهورية الخوف”. وبعد تجاوزه للتسعين عاما في وطن جريح ومعرفته بأحوال الوطن وخباياه كتب “بعد فوات الأوان”.

لم يتردد بغدادي في قبول عرض دار سويد لنشر ديوانه الشعري الجديد لأنه كان مقتنعا بأن الوقت مازال ممكنا لقول المزيد، ولأن مواجهة هذه اللحظة الحاسمة بالشعر أمر ضروري. قال الشاعر “عندما جاءني اتصال صاحبة الدار والتي طلبت فيه لقائي للحديث عن إمكانية نشر ديواني الشعري لم أتردد لحظة، لأنني مؤمن بأن للشعر وقعه الذي مازال قويا. وتم اللقاء وكنت سعيدا به. عندما تعرفت على مانيا سويد تبينت مدى صدقها تجاه مشروعي الفكري والأدبي وضرورة تقديمه الآن، وعرفت منها أنني كنت أستاذا لزوجها في مادة اللغة العربية منذ سنوات طوال في مدرسة في دمشق، وهذا ما جعل علاقتي بالمشروع وأصحابه أكثر حميمية”.

حكاية عتيقة

بغدادي بدأ بكتابة شعر سياسي عالي النبرة عرف به لكنه ترك هذا التوجه ليهتم بالشعر الوجداني العاطفي

في ركن من الحفل تحلقت حول بغدادي ثلة من المحبين، راحوا يستمعون له بنهم وهو يروي بعض الذكريات عن قصائد ديوانه الجديد، كان صوته يتهادى فرحا. سأله أحدهم “لماذا بعد فوات الأوان؟” فتعالى صوت الشاعر مجيبا بصخب صبي في الخامسة من عمره “كنت في بانياس، وكنت أتقاذف مع رفاقي الحجارة، فوقع حجر مني على شباك بيت جارتنا فكسر الزجاج، فغضبت وخرجت لتعاقبني، لكنها وجدت طفلا شقيا قد قام بالفعل فسقطت شهوتها في العقاب، لكنها طلبت من شرطي كان في المكان مصادفة بأن يخيفني بسلاحه، وبدأ يبحث عني، لكن امرأة كانت تسكن في حينا وكانت تلبس دائما ملابس واسعة جدا وتحبني كأحد أولادها، لم تسمح بذلك، فخبأتني تحت فستانها ملاصقا لجسدها ولم يرني الشرطي. وعندما ذهب أخرجتني وقالت لي وهي تضحك: اليوم خبأتك لأنك صغير لذلك لا تعد للمشاكل لأنه لا يمكن أن أخبئك وأنت كبير”.

 وتابع بغدادي “قبل فترة كتبت هذه الحادثة الطفولية في قصيدة، سميتها بعد ‘فوات الأوان‘ ووضعت فيها كل ما دار ببال هذا الطفل ابن الخامسة وهو يدخل عالم الخوف وعالم المرأة التي عرفها للمرة الأولى من خلال هذه المسافة القريبة”.

جاء في قصيدته “بعد فوات الأوان” التي منحت الديوان عنوانها: سأعتذر الآن، بعد فوات الأوان، أنا لم أجدد حقولي، ولم أتفق والزمان، وحين عشقت النساء وكنت صغيرا، تركت حصاني ولم أك ممن يجيدون ركب الحصان، كبرت على ظهر قافلة صنعت شاعرا ورمت آخر فتخيلت عندئذ أنني حامل الصولجان.

كنت أزرع قمحا، وأحصد في مطلع الصيف حب الزؤان، فإذا عانقتني الصبايا، يخففن عني، شعرت بأن حصادي، مازال يكسب كل الرهان.

بلى.. أتذكر جارتنا، كان فستانها واسعا، فأختبأت هناك على بطنها، عندما دفشتني إليه غلاما شقيا، وقد حضر الدركي المدجج فوق الحصان، يفتش عني لأني كسرت الزجاج، فلم يرني وأنا غارق في مغار الأنوثة حيث وجدت الأمان، أو حين ولدت ضحكنا طويلا على راكب الخيل، يسقط عن ظهرها، فوق وحل الهوان.سأعتذر الآن، أني ما زلت أرجو السطور، ويهرب مني الكلام الذي لا يقال، وليس له زمن، أو مكان…

الأدب التزام

بغدادي هو إحدى الشخصيات الأدبية السورية التي كان لها دور فعال في تأسيس أول تنظيم أدبي سوري عام 1951 وهو رابطة الكتاب السوريين، التي وجدت من خلال جهود ثماني شخصيات أدبية سورية هي حنا مينة وحسيب ومواهب كيالي وصلاح دهني وفاتح المدرس وليان ديراني وشحادة الخوري وسعيد حورانية، وفي العالم التالي 1952 صدر بيان التأسيس الذي وقعه أحد عشر أديبا، وعندما شاعت التجربة انتسب للرابطة أدباء عرب منهم حسين مروة ورضوان الشهال من لبنان وعبدالرحمن الشرقاوي ويوسف إدريس من مصر وبعض الكتاب العرب الآخرين وصار اسمها رابطة الكتاب العرب وانتخب بغدادي أول رئيس لها.

 بقي الشاعر في منصبه ما يقارب الخمس سنوات حتى حلت الرابطة في زمن دولة الوحدة بين مصر وسوريا في عهد اتسم بالتضييق على بعض الأحزاب السياسية خاصة ذات التوجه الماركسي والذي كان يسيطر على توجه الرابطة بشكل واضح. وهي الرابطة التي أسس عليها لاحقا اتحاد الكتاب العرب عام 1967 بدمشق، بشكل تنظيمي مختلف، بحيث صار بحكم الجهة الحكومية التابعة للدولة وليس منظمة أدبية مستقلة. وكان من أهداف هذه الرابطة “أن فكرة التكتل الاجتماعي تهدف إلى إيقاظ الحركة الثقافية والإيمان بالعمل الجماعي وهي تنحاز إلى الفكر التقدمي التعددي لتحقيق الحرية والسلام. وهي ترى أن الموقف الأدبي هو موقف ملتزم تجاوز مفهوم الفن للفن”.

في حياة بغدادي العديد من الجوائز والتكريمات منها الجائزة الأولى للشعر والقصة القصيرة من مجلة النقاد الدمشقية والجائزة الأولى للأناشيد الوطنية، وجائزة اتحاد الكتاب العرب لأحسن مجموعة شعرية عام 1981 وجائزة البابطين للإبداع الشعري عام 1998 وجائزة أحمد شوقي للإبداع الشعري من اتحاد كتاب مصر عام 2021 كما كرم من قبل العديد من المهرجانات والفعاليات الثقافية العربية.

بغدادي مقتنع بأن الوقت مازال ممكنا لقول المزيد

"بعد فوات الأوان" قصائد من ذاكرة طفل يدخل عالم الخوف والمرأة

 وأصدر الشاعر العشرات من الآثار منها في الشعر: أكثر من قلب واحد، بين الوسادة والعنق، ليلى بلا عشاق، عودة الطفل الجميل، شيء يخص الروح، البحث عن دمشق، ديوان الفرح، مدينة الخوف، وبعد فوات الأوان. كما كتب مجموعات في القصة القصيرة ومنها: درب إلى القمة، مهنة اسمها الحلم، فتاة عادية. ومن آثاره في الدراسات والمقالة: قديم الشعر وجديده، عودة الاستعمار، قلها وأمش. كما كتب رواية واحدة هي المسافرة.

ورغم تراجع حضور الكتاب والنشر الثقافي واحتلال مواقع التواصل الاجتماعي مساحة اهتمام الناس، لكن ما زال للشعر نبضه، وما زال للثقافة جنودها. ضمن هذا الفهم تطرح دار سويد للنشر والطباعة والتوزيع بدمشق نفسها وهي تقدم مشروعها الشعري الأول.

تقول مانيا سويد صاحبة الدار في ذلك “تأسيس الدار حلم مؤجل منذ فترة طويلة وهو تعويض عن الغربة الطويلة التي عشتها خارج وطني. في عام 2019 حسمت أمري وقررت تفعيل عمل الدار وسميته باسم العائلة التي أنتمي إليها. كدلالة على أنها مفهوم يدل على جمع الأهل والأصدقاء والأحباب، والدار تعنى بتقديم الكلمة الصادقة والنوعية والكلمة النبيلة في التعاون والتعامل”.

وتضيف “لم يكن الحلم تأسيس مشروع ربحي أبدا، بل كانت الرسالة ذات هدف نبيل لا يهتم أولا بالجانب الربحي، أتمنى أن تدعم تجربتنا الحراك الثقافي في سوريا وخارجها. ونحن نتلمس خطواتنا الأولى بهمة الأصدقاء وآمل أن يستمر الفرح الذي حققناه حتى الآن بانطلاقتنا من سوريا من خلال معرض الكتاب السوري الذي أقيم حديثا وكذلك من خلال معرض الشارقة. الحلم كبير والمشروع واسع ونحن نسير بخطى ثابتة، ولن نغامر بشكل غير فوضوي وسوف نلتقي لاحقا بمنشورات ترضي طيفا واسعا من القراء”.

كاتب سوري







كاريكاتير

إستطلاعات الرأي