اصدارات جديدةشعرقص.حواركتاب الأمةأدب عالمينقدفكراخبار ثقافية

جي دي سالينغر : مؤلف ' الحارس في حقل الشوفان' و ' الحاكي الصامت' يرحل عن 91 عاما - ابراهيم درويش

خدمة شبكة الأمة يرس الإخبارية
2010-01-29 | منذ 10 سنة

كان جي دي سالينجر (1919 ـ 2010) من اكثر الشخصيات الاكثر اثارة فقد عاش منعزلا عن الناس مدة نصف قرن بعد ان انتقل من مانهاتن في نيويورك وعاش في كورنيش، نيوهمبشاير، حيث عاش منعزلا ً كالرهبان وكان من النادر ان يراه احد، ولكنه لم يكن راهبا عاديا فخلال عزلته كان يتحدث مع الناس من خلال المحامين ويخرج من اجل منع او الرد على كتاب او شأن يتعلق بحياته خاصة ان علاقته بالناشرين والنقاد كانت سيئة. ومهما قيل عن الراهب وغموضه فإرثه سيظل مرتبطا بروايته 'الحارس في حقل الشوفان' (1953) وتظل من اكثر الروايات قراءة في اللغة الانكليزية، وقد اقبل طلاب المدارس الامريكية على قراءتها فيما منعتها اخرى، وترجمت الى اكثر من 30 لغة عالمية وبيع منها منذ صدورها 65 مليون نسخة. فيما تقاطعت حياة بطل الرواية هولدن كولفيلد مع الكثير من حياة الشباب الذي يجمع في حياته او صباه (كان عمره 16 عاما) بين البراءة والتمرد مما استدعى من الكثيرين من نقادها ومحلليها ربطها بشخصية امريكية روائية وهي شخصية هكلبري فينز التي اخترعها الكاتب المشهور مارك توين الذي عاش في ظروف امريكا منتصف القرن التاسع وما تم في الحقيقة هو نقلها من مجالها 'القلب الامريكي' الى مدينة نيويورك التي ولد فيها الكاتب ومن ثم البطل الروائي. ولكن فينز يظل بطلا امريكيا على خلاف هولدن الذي اجتاز حدود امريكا واصبح من الشخصيات المهمة والمحبوبة عالميا. وكل من قرأ الرواية يجد في البطل شيئا من نفسه وحياته الاولى ـ صباه.

حياته الاولى

ولد جي دي سالينجر (جيروم ديفيد سالينجر) بمدينة نيويورك، وعندما انهى الدراسة الاولية بمدارس الحكومة ارسله والداه الى مدرسة خاصة (ماكبيرني) لمتابعة دراسته الثانوية، ولكن حياته الدراسية تظل تتراوح بين الانجاز والابداع والفشل والتغيير من مساق لآخر. ففي هذه المدرسة لم يظهر اي اهتمام او ارتباط بالدراسة مما ادى الى فصله من المدرسة بعد عامين. وفي السنة السادسة عشرة من عمره ارسلته العائلة الى اكاديمية 'فاليري فورج' العسكرية في ولاية بنسلفانيا وتخرج منها بعد عامين وفي عام 1932 انتقلت العائلة الى شقة جديدة في بارك افينيو. وبالنسبة لوالده سول (يهودي) فقد كان يعيش من تجارة استيراد المواد الغذائية الفاخرة التي كان يستوردها من اوروبا امام والدته ماري جيليتش والتي تنحدر من اصول ايرلندية ـ اسكتلندية ويقال انها غيرت اسمها الى مريام بسبب الضغوط التي مارستها عائلة سول اليهودية عليه، ولم يعرف جيروم ان امه لم تكن يهودية الا في حفل عيد ميلاده الرابع عشر حيث ظل اصل امه غير اليهودي سرا من اسرار العائلة. وستظل حياة سالينجر الدراسية متقطعة فبعد فورج فالي التحق بجامعة نيويورك التي لم يبق فيها الا عاما ومن هنا قرر والده ارساله الى اوروبا في رحلة لتحسين مهاراته اللغوية والتعرف على المواد الغذائية وانواعها. وقضى في القارة خمسة اشهر معظمها في العاصمة النمساوية، فيينا، ومن خلال رسائله لم يكن مهتما بالمواد الغذائية مثل الجبن او لحم الخنزير الهولندي، فيما لم يكن متابعا او مطلعا على الحياة السياسية في القارة التي كانت تتفاعل في ذلك مع صعود الحزب النازي والتوسع الالماني وغادر النمسا قبل شهر من قيام المانيا بضمها عام 1938. وعند عودته من اوروبا سجل بكلية اورسينوس ببنسلفانيا من اجل دراسة مبادئ الكنيسة الالمانية الاصلاحية ولم يظل كالعادة فيها الا فصلا واحدا عاد بعدها الى نيويورك وواصل محاولاته الدراسية عندما سجل في جامعة كولومبيا.

البدايات

ولكن الدراسة في الجامعة هذه كانت مثمرة لانه سيدرس على يد محرر مجلة ادبية مهمة للقصة القصيرة هو وايت بيرنيت محرر مجلة 'ستوري' ( قصة) المتخصصة بنشر القصص القصيرة. وكان بيرنيت معروفا بقدرته على اكتشاف المواهب الادبية الجديدة ورعايتها ومن هنا بدأ سالينجر حياة جديدة ينشر فيها اعماله الادبية في عدد من النشريات والمجلات الشعبية مثل 'كولييرز' و 'ساتادري ايفننغ بوست' وكذلك 'ستوري' وفي سن الحادية والعشرين قبلت مجلة 'اسكوير' قصة من قصصه للنشر وكان على مقربة من نشر اخرى في 'نيويوركر' وهي المجلة التي كان يحلم بظهور اعماله على صفحاتها. لكن حياته الادبية تأثرت عندما قام اليابانيون بضرب بيرل هاربر، وقررت امريكا دخول الحرب العالمية الثانية ومن هنا استدعي للخدمة العسكرية حيث تنقل في الفترة ما بين عام 1942 - 1944 بين القواعد العسكرية الامريكية ولكنه نقل عام 1944 الى تينفرتون في ميناء دوفر حيث كانت وحدته العسكرية تحضر للمشاركة في الانزال البحري 'دي ـ دي' على شواطئ نورماندي الفرنسية. عندما وصل سالينجر دوفر كان قد انهى فصولا ستة من رواية بطلها صورة عنه وعن حياته وقرر ان يطلق على البطل في الرواية اسم هولدين كولفيلد. وسيقول لاحقا انه اختار الاسم من خلال جمعه بين اسمين من نجوم هوليوود وهما ويليام هولدين وجوان كولفيلد. وتعتبر الشخصية اطارا للحياة التي عاشها ونتاجا لتفكيرمطول حولها من كاتبها عاشها مثل غيره من كتاب الحرب العالمية الثانية بين الجبهات والتنقل بين الوحدات. ومع ان سالينجر كان ضابطاً في وحدة مكافحة الاستخبارات التابعة لوحدة المدرعات الرابعة الا انه لم يكن بعيدا عن المعارك واهوال الحرب التي تركت اثرها على كتاباته القصصية ورسائله واسهمت التجربة في زيادة مظاهر القلق والتوتر في حياته وهو القلق والتردد الذي بدا من خلال رحلته الدراسية. ولم ينجُ سالينجر والحالة هذه من الرضوض النفسية حيث تعرض لانهيار عصبي وقضى وقتا في المشفى. في نهاية عام 1945 التقى امرأة المانية كانت تعمل بصفة تشبه الطبيبة النفسية وتزوجا بعد فترة قصيرة من لقائهما. وكشفت ابنته مارغريت سالينجر من زوجة ثانية ان سيلفيا الالمانية كانت مسؤولة صغيرة في الحزب النازي وقالت في كتابها 'حارس الحلم' ان والدها ارسل بصفته الامنية لاعتقالها ولكنه وقع بحبها ولم تستمر العلاقة بينهما الا اشهرا قليلة حيث احترق الحب. بعد عودته من الحرب حاول سالينجر استعادة حياته وتجاوز ازمته النفسية بالعودة للكتابة، ففي عام 1948 وصله خبر من 'نيويوركر' انها ستنشر قصتين له. وبعد ان حقق حلمه بالوصول الى المجلة هذه لم ينشر في اي مجلة شعبية وعاد مرة اخرى للبطل الذي شغلته الحرب عنه وهو هولدن كولفيلد. عندما ظهرت رواية 'الحارس في حقل الشوفان' تعامل معها النقاد بإيجابية مع ان اخرين اعتبروها لا اخلاقية ومعادية للدين، وحاولوا منعها من المدارس والمكتبات العامة. ولكن قراء سالينجر رأوا فيها نوعا من المجاهدة الروحية ذات الطابع الديني وتعاملوا مع هولدن وكأنه قديس.

الحياة بعد الحارس وعائلة غلاس

بعد هذه الرواية قلـّتْ كتابة سالينجر حيث اظهر اهتماما بالروحانيات الشرقية واقبل على دراسة تعاليم 'زن' و'التاوية' و 'البوذية' و 'الهندوسية' واصبح نباتيا واخذ بالعلاج بالابر الصينية والعلاج الطبيعي. في عام 1953 ظهرت مجموعة قصصية له من حقبة الاربعينات من القرن الماضي وتحت عنوان 'تسع اقاصيص'. وتظهر قصة 'فراني' التي نشرها في 'نيويوركر' عام 1955 هذا التوجه الروحي، وصفحات القصة او النوفيلا اقل من صفحات 'الحارس' الا انها تحولت الى قصة او نص شبه ديني للشباب لم تعد متوفرة الا لاتباعها واصبحت متوفرة بعد ان طبعت عام 1961 'فاني وزووي'. ويمثل صدور هذا العمل ذروة حياة سالينجر الادبية حيث احتل المرتبة الاولى في قائمة 'نيويورك تايمز' للكتب الاكثر مبيعا وظهرت صورته على غلاف مجلة 'تايم' فيما التفت النقاد الى اعماله واخذوا يناقشونها بنوع من الجدية ومن هنا ستبدأ تظهر حساسيته. ونكتفي هنا بالقول انه مما ساعد على شعبية سالينجر ان اعماله ظهرت في مرحلة تمرد فيها الشباب الامريكي وعليه صارت اعماله دليلا ورمزا لهذا التمرد. معظم اعمال سالينجر هي قصص طويلة 'نوفيلا' ونصف انتاجه له صلة نسبية من ناحية ملاحقة حياة عائلة وافرادها وهي عائلة غلاس والتي عالج ازمتها النفسية والروحية والاجتماعية في سلسلة من القصص الطويلة 'ارفع عاليا دعامة السقف' و' النجارون' (1955) و 'زووي' (1957) و 'سيمون: تقديم' (1959) وتدور حول عائلة غلاس الاب والام الممثلين النجمين في مسلسل فودفيل وابنائهما. ومن بين هذه الاعمال لقيت 'ارفع عاليا...' و 'زووي' و' فراني' احتفاء واقبالا من القراء وليس من النقاد حيث بدأ سالينجر يتعرض منذ عام 1960 لنقد وهجوم من كتاب مثل جون اوبدايك وماري ماكارثي وفرانك كيرمود.

التوقف والعزلة

وتفاقمت ازمته مع النقاد عندما نشر قصته الطويلة 'هابوورث 16، 1924' والتي نشرتها 'نيويوركر' في 80 صفحة واستقبلها النقاد بهجمات وكان رد سالينجر الانقطاع عن الكتابة للنشر كما قال ومواصلة الكتابة بشكل خاص. وانتقل وهو في عمر الـ 32 الى بيت خارج نيويورك. ومن هنا تبدأ مرحلة جديدة في حياته حيث ينشغل الناس بملاحقة المعتكف المختفي بدلا من البحث عن اعماله وقراءتها، صار معتكفا نجما وركز اهتمامه على الروحانيات الشرقية وقبل هذه كان قد تزوج من طالبة جامعية في هارفارد، كلير دوغلاوس ابنة ناقد جامعي معروف هو روبرت لانغتون دوغلاس. ومع ان الصبية كانت في سن 19 الا انها استطاعت مواصلة العيش مع الكاتب على الرغم من ظروف الحياة المقيدة ـ كتابة وحياة نباتية وعبادة روحانية الا انها استمرت معه من 1959 الى 1967 حيث لم تستطع أن تحتمل الحياة وطلبت الطلاق بعد ان انجبت منه طفلا وطفلة. ويعتبر هذا الزواج الاطول في حياته. وبعدها اقام علاقات متعددة ، في الغالب مع صبايا اشهرهن تلك مع جويس مينارد (18 عاما) التي بدأت في جامعة ييل ولفتت انتباهه بمقال نشر بـ 'نيويورك تايمز' وكتب رسالة اعجاب لها. واستمرت المراسلات بينهما عاماً وتركت بعدها الجامعة للعيش معه، حيث ظلت معه لعام. وفي عام 1998 نشرت مذكراتها عن التجربة وتحدثت عن معاملته السيئة لها ولكن سالينجر اعتبر الكتاب 'خيانة 'له. وفي عام 1999 وضعت رسائله بالمزاد العام ولكنّ محاميه منعوها. وقبل ذلك منعت محكمة نشر سيرة ذاتية للروائي اعدها الشاعر ايان هاميلتون حيث منع نشر النسخة الاصلية لانها اقتبست من رسائل سالينجر حيث اعتبرتها المحكمة خرقا لحقوق الكاتب، مما اضطر هاميلتون لاعادة كتابة السيرة من جديد. تزوج سالينجر للمرة الثالثة من كولين اونيل وخلف منها ولدا.

نصف قرن من العزلة والشهرة

في نهاية روايته 'الحارس' كتب سالينجر' لا تقل اي شيء لأحد' ، 'لأنك ان فعلت ذلك فستخرب حياة كل شخص. ويبدو ان هذه النهاية تلخص حياة وعمل سالينجر الذي مات يوم الاربعاء عن 91 عاماً، فقد ظل بعيدا عن الناس وان خرج فمن اجل مواجهة مشاكل قانونية وخوض معارك مع النقاد والصحافيين وكتاب سيرته. ويمثل انتاجه الذي توقف بنهاية الستينات صورة عن حياته وشخصيته وتجربته. وقد كتب مرة لكاتب سيرته ايان هاميلتون قائلا 'اعتقد انني حملتُ كل مظاهر الاستغلال وفقدان الخصوصية التي لا اعتقد انني قادر على تحملها في حياة واحدة'. ومنذ ان قرر العيش بعيدا عن الاضواء، اختار الصمت الذي ظل معه لمدة 45 عاما. وعندما اختار العزلة فقد جعل من حياته مركز الاهتمام وغلفها بالاسرار ويبدو أن هذا الخيار جاء ردا على نقاده ومحاولة لحرف الانتباه لحياته الخاصة وابعادها عن اعماله. لكن العزلة في حد ذاتها كانت محاولة اخرى للابتعاد عن الشهرة التي لم يحتملها فكما قالت فراني غلاس 'قررت المغادرة، هذا كل ما في الامر'. تقول مقالة افتتاحية في 'الاندبندنت' ان العالم الادبي لم يعرف مثله مع انه لم يره كثيرا، وفي تقييم سريع لما تركه سالينجر للعالم الادبي، سيتذكر قراؤه صبيه هولدن، البريء المتمرد مع ان 'فراني وزووي' تمثل قمة انتاجه الادبي لأنها ـ حسب ما ذكر نقاد رائعته ـ عن الخسارة والحنين داخل عائلة تحاول التماسك. فمصير عائلة غلاس احتل جزءا هاما من انشغالاته، لان العائلة في جانب منها هي صورة عنه، فهي نيويوركية ومن الطبقة المتوسطة المتعلمة ذات الاهتمامات الخاصة، بوهيمية وفلسفية النزعة روحانية ودائما في شقاق وتوتر. وما يلحظ ان ابطال سالينجر على الرغم من هويتهم المحددة الا انهم يتصرفون كخارجين، يتحدثون احيانا كمهاجرين او مشردين وابناء شوارع.
يذكر ان روايته 'الحارس...' ترجمها للعربية الروائي الاردني الراحل غالب هلسا.
 

ناقد من اسرة 'القدس العربي

'
 
 



إقراء أيضاً


التعليقات

لا توجد تعليقات حتى الآن ، كن أول المعلقين

إضافة تعليق

كاريكاتير

إستطلاعات الرأي