اصدارات جديدةشعرقص.حواركتاب الأمةأدب عالمينقدفكراخبار ثقافيةتراثفضاءات

اللاهوتي الحرّ هانس كونغ.. وداعاً

2021-10-13 | منذ 2 أسبوع

د. عزالدين عناية

يُعَدّ اللاهوتي الألماني السويسري هانس كونغ، الذي رحل عن دنيانا وقد تخطى العقد التاسع (93 سنة)، من كبار المؤثّرين في الساحة الدينية العالمية، لعمق أفكاره وضخامة مشروعه وراهنية طروحاته، ولو شئنا تلخيص فلسفة الرجل لقلنا هي عبارة عن قلق اللاهوتي العقلاني في زمن الحداثة.. لم يفتأ كونغ على مدى ستة عقود أو أكثر، انشغل فيها بالكتابة والبحث والتدريس، في صياغة طرحٍ بديل: في جانب منه للّاهوت الكاثوليكي، التقليدي والمحافظ، وفي جانب آخر لبناء علاقة واعية بين الأديان بعيداً عن الصراعات، وعلى خلاف اللاهوتي المحافظ والمتوجّس، كان كونغ دائم الحضور بنباهته والتزامه داخل المجتمع، وهو ما جعله يصوغ لاهوته ضمن جدل التحوّلات المجتمعية، ويتخذ مسافة من اللاهوت الرسمي، الخاضع إلى ضوابط المؤسسة.

هانس كونغ

التحق هانس كونغ بالجامعة الغريغورية الحبرية في روما سنة 1948، سِيم على إثرها كاهنا سنة 1954، ثم تلتها مرحلة إقامة في باريس، أعدّ خلالها رسالة جامعية حول كارل بارث، ثم اشتغل بالتدريس في جامعة توبنغن في ألمانيا لغاية 1995، ورسّخت سنوات التكوين وسنوات الدراسة لديه شيئاً جوهريّاً، وهو أنّ أزمة الكنيسة الكاثوليكية في خضوعها إلى براديغم القرون الوسطى، المتلخص في دونية المرأة وعزوبة الإكليروس وعصمة البابا، وهو ما جعله يطرح بدائل لذلك، عَرَضها في كتاب «الكنيسة الكاثوليكية ملخّص تاريخي»:

- عدم التشبث بطروحات القرون الوسطى أو تلك العائدة إلى زمن «الإصلاح المضاد».

- التخلّي عن الطابع البطريركي في الدين، وتجاوز الصورة النمطية عن المرأة.

- ألاّ تكون الكنيسة اعترافية، وتتخلى عن سائر أشكال الحرمان والتخريس.

- أن تتخلى الكنيسة عن طابعها المركزي الأوروبي وتعانق رسالتها المنفتحة على الكون.

صحيح جعلت تلك الطروحات الجريئة كونغ عرضةً للعزل، مع ذلك لم يفت الأمر من عزمه، فقد شرح وفاءه في كتاب «الاحتفاظ بالأمل»، بقوله: «مغادرة السفينة بالنسبة إلى البعض عملية جريئة واحتجاج... في حين بالنسبة إليّ هي خيانة ويأس... أأهجرُ السفينة حين اشتدّت بها الريح في يوم عاصف؟».

ولكنّ ما ميز كونغ في خضمّ جدله المفتوح مع الكنيسة، انفتاحه على الأديان الأخرى، ودعوته الجادة إلى «أخلاق عالمية»، لم تهدف إلى إعلان بديل عن التوراة، أو الإنجيل، أو القرآن الكريم، أو البهاجا فجيتا، أو تعاليم بوذا، أو مقولات كنفشيوس، بل تركّزت -كما يقول- على تنزيل برنامج عمليّ نابع من حاجة البشر ومنصبٍّ على مشاغلهم الواقعية، فليست «الأخلاق العالمية» إيديولوجيا عالمية جديدةً، أو ديناً عالمياً جامِعاً، بل على ما بيّنه، تهدف إلى إرساء وفاق جوهري بين البشر بناءً على القِيم المشترَكة والتعاليم الثابتة.

وقد صاغ كونغ ما دعا إليه في نقاط رئيسة، لخّص فحواها في ثلاثة عناصر محورية وردت في كتيّب «مشروع أخلاق عالمية»: «لا تعايش من دون أخلاق عالمية»، و«لا سلام في العالم من دون سلام بين الأديان»، و«لا سلام بين الأديان من دون حوار بينها».

وفي خضم انشغال كونغ بالأديان العالمية تركّز اهتمامه في كتاب «الإسلام: الماضي والحاضر والمستقبل» على قضايا الإسلام الراهنة، من حيث مولداتها وآثارها، إذ تشغل كونغ في كتابه المذكور مسألة تردّي حالة العالم الإسلامي، فكأن المشكلة تهمّ دينه وحضارته، ويتساءل كونغ، أين تكمن عناصر العقم الفكري في العالم الإسلامي خلال الفترة الحديثة؟، قائلاً: أريد الإجابة بشكل جوهري: ليس الإسلام بذاته السّبب، ولا نمط فكري بعينه، ما دام ضمن إطاره الزمني.. تطفو مشكلة العقم الفكري حين يتمّ تكرار النّمط وتأييده بما يتجاوز حيزه التاريخي، فالأنماط الدّينية تملك قدرة عالية على المقاومة والعيش، لا سيما في الحالات التي يطغى فيها الطّابع المؤسّساتي على الدّين، فتكون النتيجة العقم الفكري.

 



إقرأ أيضاً


التعليقات

لا توجد تعليقات حتى الآن ، كن أول المعلقين

إضافة تعليق





كاريكاتير

إستطلاعات الرأي