اصدارات جديدةشعرقص.حواركتاب الأمةأدب عالمينقدفكراخبار ثقافيةتراثفضاءات

ما الذي تبقى من إحسان عبدالقدوس؟

2021-09-21 | منذ 1 شهر

أفلام الكاتب صارت من كلاسيكيات السينما العربيةأحمد فضل شبلول

 

فتنت روايات الكاتب المصري الراحل إحسان عبدالقدوس جيلي السبعينات والثمانينات بشكل خاص. إذ لا تكاد تخلو رفوف مكتبة، خاصة أو عامة، من كتبه ذات الأغلفة الشبيهة جدا بأفيشات الأفلام التي اقتبست من رواياته، تلك الأفلام المثيرة للجدل والتي كانت من أسباب شهرته الواسعة علاوة على أدبه الرصين وتجربته المميزة في كتابة ما كان يسميه الأدب السينمائي، حيث كتب جل أعماله بمزاج سينمائي يقترب من تقنية السيناريو وتقطيعاته المشهدية الموغلة في التفاصيل، ومراعاة المحور الزمني والتصعيد الدرامي، بينما لم يتنازل عن الأدبية واللغة المحبوكة. لكن نتساءل اليوم هل مازال عبدالقدوس مقروءا؟

رحل إحسان عبدالقدوس في يناير 1990 بعد صراع مع المرض، وفي سن تجاوزت الواحد والسبعين عاما بأيام، فهو من مواليد أول يناير 1919.

وعبدالقدوس يُذكر دائما ضمن قائمة كبار الكتاب الروائيين والمفكرين في مصر، فاسمه كان دائما مرادفا لأسماء طه حسين والعقاد وتوفيق الحكيم ونجيب محفوظ ويوسف السباعي وأنيس منصور، وعلى الرغم من هذا فهو لم ينل في حياته أي جائزة عن أعماله ورواياته، رغم أن معظمها تحوَّل إلى أعمال سينمائية يراها الملايين من المشاهدين، مثل: في بيتنا رجل، أنا حرة، دمي ودموعي وابتسامتي، العذراء والشعر الأبيض، النظارة السوداء، لا أنام، أنف وثلاث عيون، البنات والصيف، الوسادة الخالية، الخيط الرفيع، أبي فوق الشجرة، شيء في صدري، ونسيت أني امرأة، وغيرها.

هذا عدا عن المسلسلات التلفزيونية والإذاعية مثل: لن أعيش في جلباب أبي، رائحة الورد، زهرة والمجهول، قلبي ليس في جيبي، وادي الغلابة، وغيرها.

الأدب السينمائي
تحوّل عبدالقدوس في السنوات الأخيرة من حياته إلى الكتابة السينمائية مباشرة، دون وسيط يحوّل أعماله المكتوبة إلى أعمال درامية، وقد كان هذا أسلوبا جديدا على الأدباء الذين لم يتعودوا على هذا النمط من الكتابة، وهو ما لم يفعله نجيب محفوظ، على سبيل المثال، الذي قام في فترة من فترات حياته بإعداد السيناريو السينمائي لأعمال قصصية وروائية منها أعمال لعبدالقدوس نفسه مثل: أنا حرة، والطريق المسدود، وإمبراطورية ميم، وغيرها.

أدب سينمائي مكتوب
ونتذكر أنه عندما نشر عبدالقدوس روايته “بعيدا عن الأرض” في مجلة “صباح الخير” في بداية السبعينات، وكتب أنها من الأدب السينمائي، اعتقدنا أن هناك من سوف يتأثر بهذا الاتجاه، ولكن لم يحذ حذو عبدالقدوس الكثيرون، وظلت مثل هذه الكتابة محصورة في كتَّاب السيناريو الذين يحولون الأعمال الروائية إلى سيناريوهات وحوارات وربما يضيفون على أو يحذفون من النص الروائي الأصلي المطبوع بين دفتي كتاب، كما رأينا مع عدد من روايات محفوظ الذي كان يردد دائما أنه يتحمل مسؤولية النص الروائي المطبوع في كتاب، أما بعد تحويله إلى عمل درامي فإن المخرج هو من يتحمل المسؤولية كاملة.

وأعتقد أن عبدالقدوس أراد أن يوفر بعض الخطوات أو المراحل ما بين النص الروائي والعمل الدرامي السينمائي أو التلفزيوني، فبدأ يكتب أعماله من خلال شكل السيناريو والحوار، أو في شكل مَشاهد، فيكون جاهزا للإخراج السينمائي مباشرة دون تدخل كتَّاب السيناريو، على الرغم من وجود حلقات أخرى تسهم في خروج العمل إلى الشاشة، مثل التصوير والإضاءة والديكور والمونتاج والإنتاج والإخراج، إلى جانب الممثلين.. الخ.

ويقول عبدالقدوس عن الأدب السينمائي في مقدمة روايته “بعيدا عن الأرض” “لقد سبق أن أطلقت هذا التعبير لأرتقي بما يكتب لتصويره في فيلم سينمائي إلى مستوى ما يكتب لإخراجه على خشبة المسرح، أي أن أضع الأدب السينمائي الذي لم يعترف به بعد بين الفنون العربية في مستوى الأدب المسرحي الذي كان هو الآخر أدبا غير معترف به، ولم يعترف به كفن أدبي كامل إلا في أوائل هذا القرن، نقلا عن اعتراف الأدب الأوروبي به”.

وهو يعترف في تلك المقدمة أن الأدب السينمائي المكتوب في روايته هو أدب لم ينقل بعد إلى مرحلة الإنتاج السينمائي.

وأعتقد أن عبدالقدوس لم يكرر التجربة مرة أخرى، ولكن ظل مصطلح “الأدب السينمائي” مطروحا، لدرجة أن الناقد عبدالقادر القط بدأ يتحدث عن الأدب التلفزيوني وأهمية توجيه نقدنا إلى الأعمال السينمائية والتلفزيونية وليس فقط الأعمال الأدبية، وخاصة بعد نجاح مسلسلات تلفزيونية شاهدها الملايين مثل “ليالي الحلمية” و”الشهد والدموع” و”زيزينيا” و”الراية البيضا” و”أرابيسك” و”ضمير أبلة حكمت” وغيرها من أعمال أسامة أنور عكاشة كاتب القصة الذي تحول إلى واحد من أهم كتاب السيناريو والحوار في مصر.

مَن يقرأ عبدالقدوس
لقد أثار عبدالقدوس بأعماله الروائية طيلة حياته الكثير من الحوار والنقاش والجدل، سواء في الجانب السياسي أو الجانب الاجتماعي في ما كتب، وقيل عن أدبه إنه “أدب فِراش”. ومازالت تلك الأعمال مجالا خصبا للجدل والنقاش، وقد شنّ الناقد الراحل جلال العشري هجوما نقديّا لاذعا على عبدالقدوس وأعماله من خلال تساؤل بسيط جدا ألقاه يتلخص في: مَن يقرأ لعبدالقدوس الآن؟

عبدالقدوس أثار بأعماله الروائية طيلة حياته الكثير من الجدل سواء في الجانب السياسي أو الاجتماعي في ما كتب
وقد كان العشري يعترض على تلك المساحات الأسبوعية التي تحتلها روايات عبدالقدوس الجديدة في صحيفة الأهرام، وكان يفسر ذلك بأن هذه الأعمال المنشورة إهدار لورق الصحيفة، حيث يقدم أو ينشر عليها مادة أصبحت غير مقروءة من جانب القراء والنقاد أيضا.

ويقفز إلى الذهن مباشرة بعد ذلك كله السؤال المهم وهو: ماذا يتبقى من أدب عبدالقدوس؟ وهو سؤال يسأله الكثيرون منذ رحيل الكاتب. وقد سألتُه لنفسي من قبل وكانت الإجابة السابقة: إنه لن يبقى شيء من أدب عبدالقدوس سوى القليل، لأنه لم يكن شموليا في طرحه، ولم يكن ذا رؤية متسعة لمجتمعه المصري، ولمجتمعه العربي، وأنه جنَّد قلمه لبث بعض الأفكار الغربية والخارجة على مجتمعه، في وقت لم يكن المجتمع مستعدا لتقبل هذه الأفكار، وأظنه لن يستعد لتقبلها، وخاصة في ما يتعلق بالمرأة وحياتها.

ولكنني، أعود فأقول إنه على ضوء التطورات المجتمعية في عالمنا العربي خلال الثلاثين عاما الماضية، وعلى ضوء خروج المرأة إلى العمل والإصرار على عدم عودتها مرة أخرى لتكون الزوجة المنتظرة لعودة زوجها من العمل،

وفي ظل قضايا التحرر المجتمعي التي سبق أن تناولها عبدالقدوس في معظم أعماله الإبداعية، وفي ظل تراجع السينما المصرية عن تقديم النماذج الحية والمعبرة عن وضع الأسرة المصرية الآن،

وتخلي هذه السينما عن القضايا الاجتماعية الحقيقية التي تغوص في قاع المجتمع المصري، وفي أعماق الطبقة البرجوازية أو المتوسطة، أستطيع أن أقول إن عبدالقدوس لا يزال معاصرا لنا، وأن أعماله لم تزل معبرة عن فئات معينة في المجتمع المصري، وأن الشباب يلجأون الآن إلى قراءة أعماله لأنهم وجدوا فيها نبضا محركا وتعبيرا صادقا عن مجتمعهم.

هذا الإقبال الملاحظ دعا دور النشر لإعادة طباعة أعمال عبدالقدوس في طبعات متتالية. ألا يدل هذا على أن هناك من يقرأ أعمال إحسان حتى الآن، وأن آراء العشري لم تكن سديدة، وكذلك آرائي السابقة؟

كاتب وطني


من خلال بعض المواقف التي رواها محفوظ يتضح لنا عمق العلاقة بينه وبين عبدالقدوس، فيقول على سبيل المثال:

أول مرة قابلت السادات كانت في مكتب عبدالقدوس في مبنى روزاليوسف في شارع القصر العيني، كانت قد صدرت رواية “خان الخليلي” في الكتاب الذهبي، وذهبت لأحصل على أجري من الرواية، وفجأة دخل الحجرة شخص وجلس على المكتب. إحسان عرفني به وقال إنه عضو مجلس قيادة الثورة. وعرفت أنور السادات لأول مرة، واكتشفت أنه قرأ “خان الخليلي”. قال لي ضاحكا: أنت تعبتني قوي بأحمد عاكف بتاعك ده، وأحزنتنا ببطل خان الخليلي، ده أنت عاوزنا نعيط (نبكي).

وفي موقف آخر جمع بين الثلاثة: السادات وإحسان ومحفوظ، حكى صاحب “الثلاثية” أن السادات أخرج ورقة من جيبه كان محفوظ قد قدمها ليقرأها السادات في المؤتمر الوطني لإقرار الميثاق عام 1962 طالب فيها محفوظ بالإفراج عن المعتقلين، خاصة الشيوعيين منهم، وكتب أيضا عن موقف الأقباط، وما يجب أن يكونوا عليه.

فأخرج السادات الورقة وقال لإحسان: شوف صاحبك العبيط كاتب إيه؟ أنا لو قلت ما في هذه الورقة كان خرج من الاجتماع على سيوه (سجن سيوه) ولم يكن أحد سيعرف له طريق جرة. وقطَّع الورقة أمامي.

الكاتب أراد أن يوفر بعض الخطوات أو المراحل ما بين النص الروائي والعمل الدرامي السينمائي أو التلفزيوني

ويرى محفوظ أن عبدالقدوس لا يقدم شخصية العاهرة في رواياته بسبب الفقر، مثلما فعل هو مع سنية في “بداية ونهاية” على سبيل المثال.
إن محفوظ لا يتحدث عن أديب آخر، في حواراته ومقالاته، إلا وكان لهذا الأديب شأن ومكانة، وهكذا كان مع عبدالقدوس. وقد أعلن محفوظ رأيه صراحة في عبدالقدوس، فقال عنه (مجلة “الاثنين” التاسع عشر من يناير 1959) إنه: أمهر راوية، يمتاز بالشجاعة والصراحة.

وفي حوار نشر في مجلة “المواقف” (البحرين – العدد 297 – التاسع عشر من أكتوبر 1979) قال محفوظ: أنا معجب بعبدالقدوس، له أسلوب روائي ممتاز، اتهموه اتهامات ليست فيه. إن له موقفا من المرأة المصرية يدافع عن حريتها، وهذا موقف معها وليس ضدها.

ولكن ما سر العلاقة بين عبدالقدوس والسادات؟ لعلنا نجد الإجابة في كتاب “العزة بالإثم .. صفحات من سجلات القضاء وشهود من أهلها” للمستشار بهاء المري (ص ص 63 – 87)، حيث نقرأ وقائع قضية اغتيال أمين عثمان الذي وصف علاقة مصر وإنجلترا بأنها زواج كاثوليكي دائم، فقتله الشاب حسين توفيق (مساء السبت الخامس من يناير عام 1946) الذي وُصِف بأنه أشهر قاتل سياسي في تاريخ مصر، وسر شهرته أن عبدالقدوس كتب رواية “في بيتنا رجل” اقتبس فيها شخصية إبراهيم حمدي من شخصية حسين توفيق، ليحوله إلى بطل وطني عظيم، ويَختار المخرج هنري بركات الرواية لتصبح فيلما شهيرا يقوم ببطولته عمر الشريف وزبيدة ثروت وحسن يوسف وحسين رياض ورشدي أباظة.

وكان توفيق التقى السادات الذي انضم إلى جماعة حسين توفيق تحت اسم “الحاج محمد” وأقنعهم بضرورة التخلص من أمين عثمان لعدم وطنيته، ووقوفه إلى الجانب البريطاني بكل قوته، وبسبب دوره في حادث أربعة فبراير 1942 حيث كان بمثابة الوسيط الدبلوماسي بين السفير البريطاني وحزب الوفد لصالح الإنجليز.

وبعد حادثة الاغتيال هرب توفيق والتقى عبدالقدوس وأقام في بيته بشارع القصر العيني، بل في غرفة نومه لمدة أربعة أيام، وكان البوليس السياسي يشك في عبدالقدوس لكنه لا يملك دليلا.

وعندما كشف أحد الخدم العاملين في شقة عبدالقدوس وجود توفيق في الشقة، خشي إحسان وزوجته أن يبلّغ الخبر خاصة أنه كانت هناك مكافأة مرصودة قدرها خمسة آلاف جنيه لمن يرشد عن القاتل.

وينقل إحسان الخبر إلى شركائه الثوّار، فيقررون بعد مناقشات بينهم إعفاء إحسان من تلك المهمة الوطنية التي كان يقوم بها هو وزوجته على أكمل وجه، فيخرج توفيق مرتديا ثياب ضابط من منزل عبدالقدوس بالقصر العيني إلى منزل آخر بالجيزة، ومنها يتم ترحيله إلى سوريا.


كاتب مصري



إقرأ أيضاً


التعليقات

لا توجد تعليقات حتى الآن ، كن أول المعلقين

إضافة تعليق





كاريكاتير

إستطلاعات الرأي