اصدارات جديدةشعرقص.حواركتاب الأمةأدب عالمينقدفكراخبار ثقافيةشعبياتفضاءات

لماذا لم يمكث المعري في بغداد وغادرها غاضبا؟

2021-06-18 | منذ 1 شهر

تمثال للمعري من أعمال النحات السوري عاصم الباشا

 شكيب كاظم*

وأنا أقرأ في كتاب «على باب سجن أبي العلاء» للشاعر والدارس العراقي؛ معروف بن عبد الغني الرصافي (1945) الذي خصصه لمناقشة ما ورد في كتاب «مع أبي العلاء في سجنه» لطه حسين (1973) عثرت على حديث فكري علمي شيق أداره – كذلك- الباحث الرصافي، لمناقشة آراء طه حسين في كتاب «الفصول والغايات» لأبي العلاء المعري (449ه‍) قائلا:

«هذا اسم كتاب لحكيم الشعراء وشاعر الحكماء أبي العلاء المعري، وقد أتيح لي أن طالعت هذا الكتاب فعلقت عليه بعض الأقوال، جرياً على عادتي في مطالعة الكتب، ولما اطلعت على كتاب «مع أبي العلاء في سجنه» لطه حسين، رأيته يتكلم في آخر كتابه عن «الفصول والغايات» أيضاً، كما يتكلم عن «اللزوميات» فأردت أن أتعقبه في بعض ما يقوله عن «الفصول والغايات» أيضاً، كما فعلت في «اللزوميات» وها أنا أثبت هنا بعض ما عَنّ لي في ذلك من الآراء، عسى أن تكون فيه فائدةٌ للمطالعين».

في هذه الأحاديث، يقف الرصافي عند مسألتين مهمتين؛ أولاهما: هل قصد المعري من تأليف كتابه هذا، وهو من الكتب التي ألفها بعد مبارحته بغداد عام أربعمئة لستة وعشرين يوماً خَلَوْنَ من شهر رمضان المبارك، وعودته إلى معتزله في معرة النعمان، هل قصد المعري من تأليف كتابه هذا معارضة القرآن الكريم؟

وللتوضيح، إن المعارضة هنا لا تعني المعاكسة أو التضاد أو الضد، بل هذا المصطلح الشعري النقدي، يعني المجاراة والمباراة والمحاذاة والمجاورة والمصاقبة، وفي الشعر العربي الكثير من (المعارضات) مثل قصيدة (البردة) للبوصيري التي عارض بها، أي جارى وتبارى مع قصيدة كعب بن زهير بن أبي سلمى الاعتذارية، التي اعتذر فيها من الرسول الكريم، والمعروفة بـ(البردة) وفي عصرنا الحديث قصيدة (نهج

البردة) التي شَدَت بها أم كلثوم (1975) بل إن بعض الكارهين للمعري سموا كتابه هذا (الفصول والغايات في معارضة السور والآيات) تشنيعا عليه، لنصل إلى أن المعري إذ أنشأ كتابه هذا، ما كان في ذهنه المعارضة ولا المباراة، وما كان في وَكَده مجاراة ولا محاذاة، فإن البون شاسع بين أسلوب القرآن المعجز المطرب، الذي يجعلك تحلق وأنت تقرأ؛ وأنت تتلو، وأسلوب المعري الوعر في هذا الكتاب، الذي

أكثر فيه من إيراد شوارد اللغة وحوشي التعابير ووحشيها. ويواصل الرصافي حديثه قائلاً: «على أن تسميته بـ (الفصول والغايات) ما تشم منه لمعارضة القرآن رائحة فواحة، فإن القرآن فصول وغايات أيضاً، كما عبر عنه الزمخشري في ديباجة تفسيره (الكشّاف) إذ قال يصف القرآن: وفصله سوراً وآيات، وميز بينهن بفصول وغايات».

وقال الجرجاني في تعليقاته على حاشية (الكشّاف): «والضمير في (بينهن) للسور والآيات معاً، وأراد بالفصول أواخر الآي، لأنها تسمى فواصل، وبالغايات أواخر السور، والمعنى أوقع التمييز بين السور بعضها مع بعض بالغايات، وبين الآيات بعضها مع بعض بالفصول، وقد يقال الضمير للآيات وحدها، وأراد بالفصول الوقوف، وبالغايات فواصل الآي» انتهى كلام الجرجاني».

لكني أتساءل أي جرجاني هذا الذي يقصده؟ إذ أن ثمة أكثر من شخص حمل هذه النسبة والانتساب، لكن سنذهب إلى أنه يقصد أشهر من حمل هذا اللقب؛ وهو عبد القاهر الجرجاني، صاحب «إعجاز القرآن» و«دلائل الإعجاز» وغيرها من كتب النحو واللغة، لكننا نجد أنه توفي والزمخشري في عامه الرابع.

إذ من المعروف للدارسين، أن الزمخشري ولد عام 467ه‍، وعبد القاهر الجرجاني أشعري الرأي والهوى توفي عام 471ه‍!

وإذا تركنا عبد القاهر وذهبنا إلى الثاني وهو القاضي الجرجاني علي بن عبد العزيز، فسنجد أنه توفي قبل ولادة الزمخشري، إذ توفي عام 392ه‍.

إذن فعبارة الرصافي مُلْبِسة موهِمة ملتبسة، فضلا عن أنه لا يشير إلى المصدر الذي اقتبس منه قولة الجرجاني هذه، هل من كتاب بعينه لعبد القاهر، أم من مصدر، أم مرجع آخر استقاها من أحد كتب عبد القاهر؟

أما المسألة الثانية التي أود الوقوف عندها، فهو تساؤل طه حسين، ويجاريه في التساؤل الرصافي، عن السبب الذي دفع المعري لمغادرة بغداد، بعد نحو العامين اللذين أمضاهما فيها، واشتجار صداقات وعلاقات مع البغداديين، ولاسيما أصحاب الشأن والعلم والأمر، وانه ذهب لبغداد عاصمة الدولة الإسلامية كي ينهل من

علوم مكتباتها، وقُرِأ له الكثير فوعاه وحفظه، ونال احترام الكُبْار، وشهد له أصحابُ الشأن والفهم بالفضل، وعرضوا عليه أموالهم عرض الجد، فصادفوه غير جَذِل بهذه الصنيعات، والأمر ينسحب على عروض داعي الدعاة الفاطمي السخية! التي لم يقبلها المعري أيضاً!

   

ترى هل كان المعري يقصد التعريض بالمرتضى؟ وهل كان المرتضى محقا في تفسيره وتأويله لقولة المعري، أم أنها جاءت رمية من غير رام؟!

ويظل الرصافي يقلب وجوه المغادرة؛ مغادرة المعري بغداد، فلو كان كل شيء في بغداد يحببها إليه، ويغريه بالإقامة فيها، حتى يدركه الموت – كما يقول طه حسين – فما معنى الأذى الذي كان يلقاه من أهلها، ولا يستطيع أن يصبر عليه، ولا أن يلقاهم بمثله حتى تمكنه الفرصة كما يقول طه حسين أيضا؟ حتى يصل الأمر بالرصافي أن يتمنى لو كان أبو العلاء حيا ليسأله عن أحوال عيشه في بغداد وقتذاك، وإنه يمسك عن القراءة

ويغمض عينيه كي يتصور حاله، فلا يجد إلى هذا التصور سبيلا، يزيد في حيرته وبلبلته، اضطراب طه حسين في أقواله، فإنه لا يوجهك في ما يريد من كلامه إلى جهة تطمئن إليه نفسُه! وقد عجبت منه، ومن طه حسين، كيف لم تصل إليهما أنباء من ما فاضت به المصادر والمظان لابن الأنباري (328ه‍) وابن الجوزي (597ه‍) وياقوت الحموي (622ه‍) وابن العديم (666 ه‍) وغيرهم من الباحثين، تشرح نقاطا وحوادث،

كانت سبباً في نكوص المعري عن شغفه في العيش بعاصمة الدولة الإسلامية بغداد، وتطامن هذا الشغف والاندفاع، إلى قبول بالأمر الواقع الممض، الذي تحول في حادث آخر إلى إزماع المغادرة وتأكيدها، ومن ثمّ تنفيذها فغادر بغداد، والمعري يؤرخ للحوادث المهمة في حياته، كي لا يتركها نهبا للجهال والمتقولين، والذين يهرفون بما لا يعرفون، حتى أن المصادر القديمة تذكر الطريق التي سلكها من المعرة إلى بغداد! وكذلك الوجهة التي اتجه إليها في طريق العودة، فغادر بغداد – كما قلت آنفا- عام أربعمئة لأربع ليال بَقِين من

شهر رمضان المبارك، إذ لا يخفى أن ثمة مثابات مهمة في حياة الشخوص والأفراد، ومنعطفات مؤثرة في توجهاتهم الحياتية، وكانت رحلة الشاعر المتفلسف المعري إلى بغداد من هذه المؤثرات الخطرة والخطيرة في حياته، إذ كانت هذه الرحلة التي نافت على العامين، فاصلا مهما بين عهدين، أو توجهين حياتيين.

واجهت المعري في رحلته إلى بغداد، بعض الحوادث التي جعلته يفكر مليا في جدوى البقاء فيها، فهو إذ وصل بغداد، وجدها تحيا تحت وطأة وفاة الشريف الطاهر؛ أبي الشريف الرضي، والشريف المرتضى، وإذ

يقرر حضور مجلس العزاء، يسمع ما يكدر صفو وجدانه وحياته، مذكرا إياه بعاهته؛ بعماه، لقد استكثر عليه بعضُهُم، وهم لا يعرفون من هو، استكثروا على أعمى لم يلبس فاخر الثياب، أن يحضر مجلس عزاء شريف عزيز، هو الطاهر، فنبزه بعاهته.

لكن المعري رد الصاع مئة صاع أو يزيد، قائلا: الكلب هو من لا يعرف للكلب سبعين اسما، ردا على النابز الصارخ بوجهه: إلى أين يا كلب؟ المعري المحب لمدينة بغداد، على الرغم من قِصَر المدة التي عاش فيها، والتي كانت بدايتها الشاخصة حضوره مجلس عزاء الشريف الطاهر، والقاؤه قصيدة من غرر قصائده،

ارتجالاً في رثاء الطاهر، ما جلب انتباه ابنيه؛ الشريفين الرضي والمرتضى، وهما ما هما عليه من أدب وثقافة وشعر، فيذهبان إليه متسائلَين: لعلك أبا العلاء المعري؟ فيكرمان وفادته، شاءت النهاية؛ نهاية حياته في بغداد أن تكون – كذلك- في مجلس الشريف المرتضى.

يَرِد ذكر المتنبي، فينتقص المرتضى من قدره، ولأن المعري صريح لا يقبل التدليس والمداجاة، يذب عن المتنبي ويدافع قائلا: لو لم يكن للمتنبي من فضل لكفاه فخرا وفضلا قوله:

لك يا منازل في القلوب منازل

فعدها المرتضى تعريضا به، فأمر به أن يسحب من المجلس مهانا، لأن الذي استشهد به المعري، هو عجز بيت من قصيدة رائعة شائعة ذائعة يرد فيها هذا البيت:

وإذا أتتك مذمتي من ناقص

فهي الشاهدة لي بأني كامل

ترى هل كان المعري يقصد التعريض بالمرتضى؟ وهل كان المرتضى محقا في تفسيره وتأويله لقولة المعري، أم أنها جاءت رمية من غير رام؟!

هذه الإهانة التي لحقت بالمعري، خاتمة لعلاقته مع بغداد، وسبق ذلك ما حصل في مجلس أبي الحسن علي بن عيسى الربعي، وهو ما ذكره ابن الأنباري في «نزهة الالِبّاء» وغيره، إذ قصد المعري مجلس إمام النحو في بغداد، فلما استُئْذِن له، قال أبو الحسن: ليصعد الإصطبل – وهو الأعمى بلغة أهل الشأم في ما ذكر ياقوت الحموي في «معجم الأدباء» والصفدي (764ه‍) في كتابه «نَكْت الهميان».

وانصرف أبو العلاء من فوره لم يلق أبا الحسن، وفي قلبه أثر السهم الجارح، جاءه هذه المرة من عالم إمام، وليس من رجل من العامة – يجهله- في مأتم الشريف.

وتركها تفوت، وما يزال في طاقته بقية احتمال» من كتاب «أبو العلاء المعري» تأليف الدكتورة عائشة عبد الرحمن (بنت الشاطئ) سلسلة (أعلام العرب) التسلسل (38) من غير تاريخ طبع ولا رقم الطبعة، وأشير إلى مقدمة المؤلفة المؤرخة في: مصر الجديدة. رمضان 1384ه‍/يناير/ كانون الثاني 1965. كل هذه العوامل دفعت المعري إلى مغادرة بغداد، فضلا عن مناشدات أخيه أبي الهيثم عبد الواحد، الكاره لبغداد والحاث إياه على المغادرة، والعودة إلى معرة النعمان وهكذا كان.

 

  • كاتب عراقي


إقرأ أيضاً


التعليقات

لا توجد تعليقات حتى الآن ، كن أول المعلقين

إضافة تعليق





كاريكاتير

إستطلاعات الرأي