اصدارات جديدةشعرقص.حواركتاب الأمةأدب عالمينقدفكراخبار ثقافية

«زيد مُطيع دمَّاج ... سيرةٌ وطنيةٌ حافلةٌ بالإبداع»«

الثورة - خدمة شبكة الأمة برس الإخبارية
2009-07-09 | منذ 10 سنة

عبدالعزيز عبدالغني» : لا يزال «زيد دمَّاج» مُتوهِّجاً بإرثه الإبداعي الأصيل

الأحد - 5 - يوليو - 2009 - «الثورة»/مُحمَّد القعود/جميل مُفرِّح
 
أكَّد الأستاذ «عبدالعزيز عبدالغني»، رئيس مجلس الشورى، على ضرورة مُعاودة قراءة إبداع الروائي الكبير الراحل «زيد مُطيع دمَّاج»، الذي مثَّل في حياته ودوره وملكاته وإبداعه عطاءً سخيَّاً لخير الناس والوطن، وأنموذجاً للسيرة الحسنة والخُلق الجمّ.
جاء ذلك في كلمةٍ ألقاها الأستاذ «عبدالعزيز عبدالغني»، في افتتاح ندوة «زيد مُطيع دمَّاج ... سيرةٌ وطنيةٌ حافلةٌ بالإبداع»، التي انطلقت فعالياتها صباح أمس على قاعة «بيت الثقافة» بصنعاء، وتُنظِّمها «جماعة الغد الأدبية» بالتعاون مع وزارة الثقافة ومركز الدراسات والبحوث اليمني واتِّحاد الأدباء والكُتَّاب اليمنيين.
وكان رئيس مجلس الشورى قد أشار في كلمة الافتتاح إلى أن الأديب الراحل «زيد مُطيع دمَّاج» لا يزال مُتوهِّجاً بإرثٍ إبداعيٍّ أصيلٍ ودورٍ وطنيٍّ كبيرٍ وحضورٍ لا يخبو في ذاكرة طائفةٍ واسعةٍ من أصدقائه وعُشَّاق إبداعه في اليمن والوطن العربي.

وقال : إننا من خلال هذه الندوة نحتفي بذكرى إنسانٍ شامل، فـ «زيد مُطيع دمَّاج» كاتبٌ وقاصٌّ وروائيٌّ ورَجُل دولةٍ استغرق اهتمامه بالشأن العام شطراً كبيراً من حياته، إدارياً وبرلمانياً ودبلوماسياً، مُؤكِّداً أن ما شهده افتتاح هذه الفعالية من حشدٍ من الأدباء والمُفكِّرين والمُثقَّفين والكُتَّاب، كفيلٌ باستعادة إرث هذا المبدع الراحل وقراءته ونقده.
وأضاف الأستاذ «عبدالعزيز عبدالغني» في كلمته : وقد لا أكون جزءاً من هذا الاهتمام المهني المُتخصِّص، إلاَّ من حيث كوني قارئاً شَغُفَ بما أبدعه الراحل، قصَّةً ورواية، كُنتُ ولا أزال أحتفظ بذكرياتٍ عزيزةٍ على نفسي، من رفقة حياةٍ ثريةٍ بمعاني الأُخوَّة والمودَّة والإخلاص، جمعتني مع الراحل العزيز «زيد مُطيع دمَّاج» ومسيرة انشغالٍ طويلةٍ بالشأن العام، كُنتُ خلالها رئيساً للوزراء، وكان الراحل مُحافظاً للمحويت، وعضواً في مجلس الشعب، ثُمَّ دبلوماسياً، لكنَّ المناصب، بما تفرضه من مسؤوليات، لم تكن هي التي تُحدِّد سير العلاقة وصيرورتها بيني وبين الراحل العزيز، الصداقة هي التي كانت تحكم تلك العلاقة، الصداقة التي تغذَّت من المشاعر، مُتَّقدةً بالمحبَّة والأُخوَّة الصادقة المتبادلة، كان «زيد مُطيع دمَّاج» صديقاً حقيقياً، كان ودوداً بشوشاً، قلبه عامرٌ بالمحبَّة لكل الناس، لا ينشغل بصغائر الأمور، كان - كما عرفته - إنساناً يتمتَّع بكل مُقوِّمات الشخصية النبيلة.

نَقَل واقعه بصدق

{ من جانبه قال الدكتور «عبدالعزيز المقالح» في كلمةٍ ألقاها بالمناسبة : الوفاء صفةٌ إنسانيةٌ عالية، وهي مع المبدعين، الذين أثروا حياتنا بإنتاجاتهم الأدبية ومواقفهم الوطنية، أسمى ما تكون، لأنها تحمل في بعض تعابيرها معنى ردّ الجميل والاعتراف بالفضل لِمَنْ كانوا أهله والأقدر على التعبير، والراحل الكبير المبدع «زيد مُطيع دمَّاج» جديرٌ بالوفاء، وجديرٌ بأن نُعاود بين حينٍ وآخر الاقتراب منه ومن عالمه الإبداعي بكل ما له من خصوصيةٍ وحضورٍ وتأثير، لقد انتزع «زيد» نماذجه البشرية في أعماله القصصية والروائية من الواقع، من حياتنا ومن قاع المجتمع اليمني وسطحه، لذلك فقد وجدتْ تلك الأعمال البديعة أصداءها الواسعة والمثيرة للإعجاب من قِبَل الأهل والأشقَّاء والأصدقاء، هنا في الداخل، وهناك في الخارج العربي والعالمي، والمبدع الأصيل هو ذلك الذي يصل إلى العالمية عن طريق المحلِّيَّة ومن خلال تحسُّس واقعه الوطني بقلبه وعقله وضميره، وهنا أتوقَّفُ لكي أُشير إلى أن «زيداً» - شأنه شأن كل المبدعين الكبار - لم يكن يتوخَّى في كتاباته الوصول إلى العالمية، بل كان حريصاً على أن ينقل واقعه المحلِّي بصدقٍ وإخلاصٍ وفي بناءٍ فنِّيٍّ رفيع، كما حرص على أن تكون نماذجه من واقعه لا من قراءاته أو من خياله، كما يفعل بعض الكُتَّاب الذين تظهر أعمالهم الإبداعية مُنفصلةً عن الواقع وأبعد ما تكون عن الناس، ومن هنا فإن أعمال «زيد» الإبداعية جاءت مُعبِّرةً أصدق تعبيرٍ عن واقعها، بما كان عليه من فقرٍ وجمودٍ وتعصُّبٍ وطموحٍ نحو التغيير، يُضاف إلى ذلك قدرةٌ عاليةٌ في سبر أغوار النفس الإنسانية، كما تبدو في المدينة والريف على حدٍّ سواء، والذين عرفوا الراحل الكبير عن قربٍ يتذكَّرون كيف كان حريصاً على أن يُخالط بسطاء الناس وعامَّتهم، يأكل معهم في المطاعم الشعبية ويُصغي إلى أحاديثهم ويعكس ذلك في كتاباته الفكرية والإبداعية، وهكذا كان قادراً على تصوير العلائق الاجتماعية واستقائها من مصدرها الرئيسي، لا كما يفعل البعض ممَّن تأتي نماذجهم شاحبةً باهتةً ومُتعاليةً على الهمّ الإنساني.

وأضاف الدكتور «المقالح» : أعترفُ أنني أُعيد قراءة «زيد» بين حينٍ وآخر، ولن أُبالغ فأقول كل عام، وذلك لكي أستمدّ من طاقته الإبداعية روح التواصل مع المجتمع، ولكي أكتشف أبعاداً جديدةً في أعماله التي لم تُدرَّس بعدُ كما يجب، ولا أخفي أن كل قراءةٍ تُفاجئني بما لم أكن قد وعيته عن قدرة هذا المبدع الفنَّان على الانغماس في قلب الحياة العامَّة، حياة البسطاء والمُثقَّفين والفلاَّحين والتُّجَّار والسياسيين، ليُقدِّم ذلك كُلّه بمُستوىً عالٍ من التعبير والتحليل العميق والبسيط في آن، وهو يُشعرك بتواضعه الجميل، بل ويُقنعكَ أنه لم يكن مُجرَّد كاتبٍ مُتخصِّصٍ في رسم الشخوص في لوحاتٍ بديعةٍ لا تغيب عن الأذهان ولا هو ناقدٌ اجتماعيٌّ على درجةٍ عاليةٍ من الوعي والإدراك بأدواء المجتمع وعلله، إن هذا اللقاء ليس تكريماً لزيد الذي رحل عنَّا قبل عشرة أعوامٍ وإنَّما هو تكريمٌ للمناقب الأخلاقية والوطنية التي تحلَّى بها وللدور الإبداعي الذي قام به على مدى ثلث قرن، رغم ما اعتور حياته في السنوات الأخيرة من آلامٍ كان تحمُّله لها وصموده في تحدِّيها مضرب الأمثال ... أخيراً : أتقدَّمُ بالشكر الجزيل لراعي هذا اللقاء، رمز الوفاء الأستاذ «عبدالعزيز عبدالغني»، رئيس مجلس الشورى، وإلى الأخ وزير الثقافة الأستاذ «مُحمَّد أبو بكر المفلحي»، وأركان وزارته وإلى الإخوة في اتِّحاد الأدباء والكُتَّاب اليمنيين، وأمينته الأستاذة الشاعرة الكبيرة «هدى أبلان»، كما أشكر «جماعة الغد الأدبية»، وعلى رأسها الصديقان المبدعان الروائي الشاعر «عبدالناصر مجلِّي» والشاعر الفنَّان «سلطان العزعزي» على ما بذلوه من جهدٍ ومُتابعةٍ وإعداد، وسلامٌ على «زيد» صديقاً ومُبدعاً وإنساناً.


مواقف نضاليةٌ مُشرِّفة

{ وفي كلمةٍ تُمثِّل «جماعة الغد الأدبية»، قال «عبدالناصر مُجلِّي» : أُنوِّه في بدء كلمتي هذه بأن جماعتنا الأدبية في تبنِّيها لفكرة تجسيد واقع ندوةٍ كهذه، إنَّما هي نوعٌ خجولٌ من تقديم التحيَّة للذين ضحُّوا في سبيل إشراقة هذا العنفوان اليماني ودفاعاً عنه، فبعد التضحيات العظيمة التي قدَّمها شعبنا لا يُمكننا، كمُثقَّفين، أن نكون شهود زورٍ على هذا التردِّي الثقافي المعيب، الذي أفرز ثقافة القطيعة والإقصاء والشللية المقيتة ودكاكين الارتزاق وقراصنة الثقافة الذين تحوَّلوا إلى عوائق أمام كل جديدٍ مُغايرٍ ومُختلف، فنحنُ لن نكون معهم، لأننا نحمل على أعناقنا دَيْنَاً كبيراً لبلادنا لا بُدَّ من سداده كل يومٍ وكل لحظةٍ من أعمارنا وإلى ما شاء اللَّه، فالأوطان الحقيقية لا تقبل بالكائنات المفلسة من أيِّ إبداع، والمغايرة تُريد أوَّلاَ عقلياتٍ مُغايرةً في سبيل كل جديدٍ ومُبتكرٍ وفعَّال، وكذلك تعتمد على استراتيجياتٍ كبرى ورؤى سبَّاقةٍ من أجل خلق قِيَم الحُرِّيَّة والحداثة، والأهمُّ من كل ذلك خلق ثقافة الانتماء إلى الوطن وتعزيز حضوره وقدسيته في ذهنية الشعب والأجيال المتعاقبة، بعيداً عن ثقافات الإقصاء والإلغاء والشخصنة، فالوطن السليم والمعافى والقوي والطموح يُريد - كذلك - أرواحاً كبرى وأصيلةً ومُعافاةً من أدران النظرة الضيِّقة والمنفعية والأنانية، تُغلِّب مصالحه العليا وثوابته التي لا تراجع عنها، فوق كل مصلحةٍ شخصيةٍ أو ذاتيةٍ أو آنيةٍ أو فئويةٍ أو حزبيةٍ أو أيديولوجية، وهنا لا أنسى أن أُوجِّه الشكر لمعالي وزير الثقافة الدكتور «مُحمَّد أبو بكر المفلحي»، ومعالي الأستاذ «حسن أحمد اللوزي»، وزير الإعلام، على تفاعلهما مع ندوتنا هذه وعونهما لنا، فلهما كل الشكر والتقدير.

وأضاف «مجلِّي» : لقد ارتأينا من هذه الندوة أن تكون عن أحد أبرز مثالات السردية اليمنية الحديثة والمعاصرة بإرث وثراء تنويعات مُختبرها السردي واشتغال صاحبها القاصّ والروائي الكبير والرائد المناضل الراحل «زيد مُطيع دمَّاج»، حيث كانت «جماعة الغد الأدبية» قد عُرفت إثر تأسيسها ووطَّدت علاقتها بمعاني ورموزٍ كبيرةٍ في ذاكرة الثقافة اليمنية، بينهم من الأحياء الشاعر الكبير أستاذنا رائد الأجيال الدكتور «عبدالعزيز المقالح» - أطال اللَّه عمره - الذي نُقدِّم له تحيَّةً كبيرةً تليق بمقامه العالي كمُناضلٍ حقيقيٍّ وأصيل، والأستاذ الشاعر الكبير «أحمد قاسم دمَّاج» وغيرهم، الذين لا يتَّسع المجال هنا لذكرهم، فلهم التحيَّة والتقدير، ومن الراحلين الأستاذ الكبير «عمر الجاوي»، و«مُحمَّد علي الربادي»، و«عبداللَّه البردُّوني»، و«باذيب»، و«يوسف الشحاري» وغيرهم ممَّن كات المسألة الوطنية وقضيَّة الوحدة اليمنية تحديداً ضوء تجاربهم النضالية الصادقة والبعيدة عن أيَّة مُزايدةٍ أو افتئاتٍ تتَّسق مع رؤاهم وإبداعهم ومواقفهم المعلنة كهمٍّ أساسيٍّ لهم كمُثقَّفين عضويين يُدافعون عن حُرِّيَّات وحقوق وقضيَّة مُجتمعهم اليمني من أقصى المهرة إلى صعدة وكل صقعٍ في بلادنا، ولقد ظلَّت مواقفهم، كمُثقَّفين وسياسيين - أيضاً - ولا تزال في أصداء وفعل حضورها تتملَّك إعجاب اليمنيين بإجماع تيَّاراتهم وطيفهم وفراسة خيالهم المُتعدِّد، الذي نظر إلى ثابت الوحدة الوطنية بالنسبة لشعبهم بمثابة الدم في الوريد الحي، وهكذا بقيت أسماءً وحدويةً قبل كل شيء في تلمُّسها واستشعارها للفجوات والمآزق في سياقاتٍ تاريخيةٍ شبيهةٍ بحال اللحظة وراهن الظرف اليوم.

الاتِّحاد والوطن

{ أمَّا الأخت «هدى أبلان»، الأمين العام لاتِّحاد الأدباء والكُتَّاب اليمنيين، فقد قالت : «أُسعدتم بالإبداع والريادة والخلود صباحاً، ونحنُ نحتفي اليوم بذكرى رائدٍ ومُبدعٍ يمنيٍّ وعربيٍّ وإنسانيٍّ كبيرٍ يُشكِّل جزءاً ممَّا يُعرف بالهُويَّة الإبداعية والنضالية اليمنية، إنه الخالد دوماً «زيد مُطيع دمَّاج»، اسمٌ من سلالةٍ تمرَّست على النضال والتواجد في قلب العمل الوطني وفي عمق الحياة المدنية والديمقراطية المنشودة، ولها اشتغالاتها الفائضة في حقل الإبداع والكلمة التي وُجِدَتْ لكي تحيا، «زيد مُطيع دمَّاج» وصُورته تحتلّ جداراً هامَّاً في اتِّحاد الأدباء والكُتَّاب اليمنيين، جدار التأسيس والتأثير والنضال الوطني والنقابي، وصولاً إلى قِيَم الخير والجمال والعدل، صُورةٌ تُضاف إلى رصيد العمالقة الذين أسَّسوا للثورة والوحدة والحياة الديمقراطية والحُرِّيَّات.
وأضافت «أبلان» : «زيد مُطيع دمَّاج»، أعترفُ أنني غير مُحايدةٍ في قراءته ومحبَّته، كوني أقرأه قراءةً عائليةً، باعتباره واحداً من الأسماء التي كُنتُ أنظر إلى وجهها وأتلمَّس كتبه كثيراً في بيتنا أكثر من كونه مجموعة كتبٍ في المكتبة، كان حاضراً بنُبله وروحه العالية وإنسانيته البديعة، إنه كاتبٌ وساردٌ من طرازٍ رفيع، فأشباهه من أدباء العالم النوعيين هم الذين يُشكِّلون هُويَّة أيّ بلدٍ وفُسيفساء أيَّة حياة، نشكر «جماعة الغد الأدبية» ووزارة الثقافة ومركز الدراسات والبحوث اليمني، الذين بمثل هذه الفعالية يُضيئون المكان والزمان ليبتسم وجها الوطن والإبداع.

تشكيل الهُويَّة السردية

{ أمَّا الدكتور «مُحمَّد أبو بكر المفلحي»، وزير الثقافة، فتحدَّث قائلاً : نلتقي في هذا الصباح وليومين مُتتاليين، لإحياء ذكرى الأديب «زيد مُطيع دمَّاج»، الذي رحل عنَّا باكراً، بعد أن صاغ ذاكرتنا التاريخية بأسلوبٍ سرديٍّ جميل، إنه اجتماع وفاء، ولقاءٌ يستأنف الحكايات التي توقَّفت يوم وفاة هذا الأديب الرائع، وندرك اليوم كم كُنَّا نحتاج إلى «زيد» الراوي، ليُتمّ رواية الثورة والوحدة، وليُكمل تشكيل هُويَّتنا السردية ويبني جسر المُخيِّلة ليصل إلى مدىً أوسع وفضاءٍ أرحب يشمل صنعاء وعدن، لقد كان «زيد مُطيع دمَّاج» قريباً من تشكيل هذه الهُويَّة السردية لليمن الواحد، فَمَنْ يقرأ قصصه كثيراً ما يتوقَّف في إحدى سماسر نقيل السيَّاني، المشهورة بسمعتها التي تأوي الجَمَل والجمَّال، حيث يتوقَّف المسافرون من عدن إلى صنعاء وبالعكس، من هذه السماسر خرج ذلك البطل الذي قتل طاهش الحوبان، وفي نقيل السيَّاني صعدتْ قوى ثورة سبتمبر إلى تلك الحافلة المُتوجِّهة إلى صنعاء.

وأضاف الدكتور «المفلحي» : للمكان دورٌ وحضورٌ في سرد «دمَّاج»، إنه يتقاسم البطولة مع الشخصيات، إن الجبل والطريق والسمسرة ليست مُجرَّد فضاءاتٍ مُجرَّدة، بل هي تحمل دلالاتٍ ووظائف تُعطي للحكاية معنىً واتِّجاهاً، وقد رأينا كيف تحوَّل قصر عامل الإمام في «الرهينة» إلى وطنٍ أو إلى أُفقٍ للحُرِّيَّة، لقد صوَّر «دمَّاج» قصراً من قصور ألف ليلةٍ وليلة، بغُرفه التي يصل عددها إلى عدد أيَّام السنة، وبحمَّاماته التركية، وبعوالم الحريم ومجالس «القات» والسَّمَر، هذا القصر الذي كان سجناً للرهينة، تحوَّل، عبر تجربة الحُبّ، إلى فضاءٍ للحُرِّيَّة وأُفقٍ للحُلم، وقد رسم «زيد دمَّاج» وجه الرهينة و«الدويدار» بخطوط الظلّ والضوء التي تتناول غُرف ذلك القصر، وكذلك فعل بوجوه النساء المختفية وراء الحجاب ... لا أُريد أن أُطيل عليكم، فالحديث عن «زيد مُطيع دمَّاج» وأدبه يبدأ ولا ينتهي، وأسلوبه الجميل في بساطته والعميق في صوره ومعانيه، يجعلنا ننطلق وراءه نُفتِّش عن الطاهش في «ليل الجبل» ونجوب صنعاء القديمة نبحث عن سمسرة «وردة» و«باب السبح»، نتأمَّل الوجوه ونحسّ بشخصيات قصصه تتمشَّى بيننا في الشوارع والأسواق، لقد كوَّن «زيد» من الواقع عجينةً لحكاياته، وأخذتْ أنامله تُعيد تشكيل الوجوه والأشياء لتصنع لنا سرداً خالداً نقرأه ونُعيد تأويله اليوم وغداً.

عطاءٌ إنسانيٌّ وأدبيٌّ ووطني

{ من جانبه ألقى الدكتور «همدان دمَّاج»، كلمةً عن المحتفى به، قائلاً : لقد كانت حياة «زيد مُطيع دمَّاج» في جميع جوانبها حافلةً بالعطاء، عطاءٌ إنسانيٌّ لا محدود في كل وأدقّ تفاصيل الحياة اليومية، وعطاءٌ أدبيٌّ لا نزال نكتشف روعته وعمقه وغزارته يوماً بعد يوم، وعطاءٌ وطنيٌّ اقترن دائماً وأبداً بأخلاقياتٍ رفيعةٍ لم تهزّها الأنواء أو تضعف عزيمتها الأقدار، لقد وُلِدَ «زيد مُطيع دمَّاج» في ظروفٍ صعبة، وعاش طفولةً بائسةً مليئةً بالمخاطر، ولم يكن ذلك حكراً عليه، بل كانت هذه هي طفولة الغالبية العظمى من أبناء جيله في ذلك العصر المظلم من تاريخ اليمن، وعندما قُدِّر له أن يلتحق بوالده المناضل الشيخ «مُطيع دمَّاج» بعد عودته من عدن ومُرافقته له في المنافي العديدة، وفي خضمّ الهمّ الوطني والسياسي، تشكَّلت شخصيته ووعيه الثقافي الذي ارتبط على الدوام بالقضايا الكبرى وبالحلم العظيم الذي كان يُراود كل الأحرار من أبناء الوطن آنذاك، وعندما سنحت له الفرصة للسفر إلى مصر «عبدالناصر» لإكمال دراسته الأساسية، اكتسب وعيه الثقافي أبعاداً جديدةً بعد أن أدرك حجم الهوَّة بين واقع بلاده المُتخلِّف المُكبَّل بأبشع القيود وأكثرها بؤساً، وما وصلت إليه الشعوب الأخرى من رخاءٍ وكرامة، فانخرط، كزملائه، في العمل الوطني قبل قيام الثورة اليمنية وبعدها، وهذا ما عكس الخطّ الأدبي الذي تبنَّاه عبر كتاباته وإبداعاته السردية المفعمة بالمعاني والدلالات الرمزية العميقة، وبذاكرةٍ وطنيةٍ مُتحرِّرةٍ حرص على أن تُوثَّق بأدقّ تفاصيلها للأجيال القادمة.

وأضاف الدكتور «همدان دمَّاج» : لقد كتب «زيد» أدبه للناس، ونقل عنهم آلامهم وآمالهم وتطلُّعاتهم نحو مُستقبلٍ أفضل، دافع عن قضاياهم الحياتية والوطنية، مُنتقداً، بشجاعة، الظلم والاضطهاد الذي يحيق بهم أيَّاً كان شكله أو مصدره، كتب كل هذا بأدبٍ رفيعٍ نقله من المحلِّيَّة والعربية إلى العالمية عبر الترجمات العديدة والمُستمرَّة التي حظي بها، ولا تزال الدراسات النقدية العديدة، المحلِّيَّة والعربية، تكشف لنا يوماً بعد آخر جوانب جديدةً من إبداعاته السردية اللغوية والرمزية المُتقدِّمة، وكأن تلك الدراسات، ومنها الدراسات المُقدَّمة لهذه الندوة، تحضُّنا على قراءتٍ مُستمرَّةٍ لأدب «زيد مُطيع دمَّاج»، ففي كل قراءةٍ ستكتشفون كنزاً جديداً ورموزاً سرديةً مُبهرة، وإذا كان «زيد مُطيع دمَّاج» قد كتب كثيراً عن مُعاناتنا نحنُ اليمنيين، إلاَّ أنه كان دوماً مُبشِّراً بانتهاء تلك المعاناة وبمُستقبلٍ أفضل، فالطفل «الذي أضاع أُمّه» في زحمة العولمة لا بُدَّ أن يجدها يوماً ما، وشبح الرعب والاقتتال السياسي، الذي كان يقود سيَّارة «الهايلوكس»، يتحوَّل إلى مُواطنٍ بريءٍ يطلب العون من الطبيب، و«أزمة البنت بُشرى»، أزمة الفكر والحُرِّيَّة في بلادنا، ما تلبث أن تنفرج، و«أحزان البنت ميَّاسة» انتهت إلى فرحٍ كبير، و«المجنون»، الذي ألغى الفوارق بين الطبقات في القرية، أصبح أكبر الحكماء، و«العقرب»، الذي هدَّد حياة الأبناء، قُتل، والشيخ، رمز الطغيان والفساد، الذي اغتصب أرض الرعوي المهاجر «العائد من البحر»، قُتل - أيضاً - و«طاهش الحوبان»، الوحش الخُرافي الذي أرعب الناس - أيضاً - قُتل، و«الرهينة»، رمز الشعب اليمني، الذي كبَّلته قيود التخلُّف والكهنوت، تحرَّر وفرّ بلا رجعةٍ نحو الحُرِّيَّة والمستقبل، هذا هو أدب «زيد مُطيع دمَّاج»، وهذه هي نبوءاته المفعمة بالأمل ... كل الشكر والامتنان لـ «جماعة الغد الأدبية»، ووزارة الثقافة، واتِّحاد الأدباء والكُتَّاب اليمنيين، ومركز الدراسات والبحوث اليمني، وللفنَّان «عبدالرحمن الغابري»، الذي أعدَّ معرض الصور، ولكل مَنْ ساهم في قيام هذه الندوة وإنجاح فعالياتها المختلفة، ولكم جميعاً جزيل الشكر والامتنان لحضوركم الكريم.

هذا وكانت قد تلت افتتاح الندوة جلسةٌ أدارها الشاعر والكاتب «سلطان العزعزي»، وشارك فيها عددٌ من الأدباء والباحثين وأصدقاء الراحل، قدَّموا خلالها شهاداتهم حول الراحل وإبداعه، وكان من أبرز المشاركين فيها : «مُحمَّد عبدالسلام منصور»، الدكتور «شاكر خصباك»، الدكتورة «بلقيس أبو إصبع»، «شوقي شفيق»، «علي المقري»، الشاعر «عبدالكريم الرازحي»، الذي ألقى قصيدةً بالمناسبة، كما عُقدت عصر أمس ضمن برنامج الفعالية وعلى هامش الندوة أُمسيةٌ قصصيةٌ شارك فيها كُلٌّ من : «زيد الفقيه»، «نادية الكوكباني»، «سلطان عزعزي»، «جمال جبران»، «ريَّا أحمد»، «نضال الإرياني»، «صباح الإرياني»، «مُحمَّد عبدالوكيل جازم»، «عبدالرقيب الوصابي»، وقدَّمت فيها مجموعةٌ من القصص عقبها نقاشٌ مُستفيضٌ حول أدب «زيد دمَّاج» ونضاله وإبداعه.

فعاليات الندوة تتواصل صباح اليوم على قاعة «الزبيري» بمركز الدراسات والبحوث اليمني، في جلسةٍ تتضمَّن قراءة ومُناقشة الأوراق والمداخلات والقراءات التي شاركت في الفعالية، والتي تضمَّنها كتابٌ خاصٌّ أُصدر على هامش الندوة كتوثيقٍ للفعالية وكمرجعيةٍ للباحث والدارس.
الجدير بالذكر أن الأخ الأستاذ «عبدالعزيز عبدالغني»، رئيس مجلس الشورى، ومعه الدكتور «عبدالعزيز المقالح»، والدكتور «مُحمَّد أبو بكر المفلحي»، وزير الثقافة، كانوا قد افتتحوا قبل افتتاح الندوة، معرض الصور الفوتوغرافية للفنَّان الفوتوغرافي «عبدالرحمن الغابري»، الذي أُقيم على هامش الندوة، والذي يحتوي على عددٍ من اللقطات الفوتوغرافية التي تُوثِّق لمراحل ومحطَّاتٍ من حياة الراحل «زيد مُطيع دمَّاج».

 
 



إقراء أيضاً


التعليقات

لا توجد تعليقات حتى الآن ، كن أول المعلقين

إضافة تعليق

كاريكاتير

إستطلاعات الرأي