اصدارات جديدةشعرقص.حواركتاب الأمةأدب عالمينقدفكراخبار ثقافية
في رثاء دوريس كيلياس

مترجمة خلاقة لأدب نجيب محفوظ إلي الألمانية

متابعات الأمة برس
2008-06-24 | منذ 11 سنة
لؤي المدهون

نقلت المترجمة المبدعة دوريس كيلياس نحو أربعين رواية من روايات الكاتب الكبير نجيب محفوظ إلي اللغة الألمانية. دوريس كيلياس، التي وافتها المنية في بداية الشهر الحالي، ساهمت علي هذا النحو في تعريف جمهور واسع في البلدان الناطقة باللغة الألمانية بروايات رائد الرواية العربية وفي وصول الأدب العربي إلي العالمية. لؤي المدهون يكرّم الراحلة.
أكّد الفيلسوف الألماني وأحد أهم ممثلي الحقبة الرومانسية المبكرة فريدريتش شليغل Friedrich Schlegel ذات مرة علي أننا لا نعرف في الواقع ماهية الترجمة علي الإطلاق . بيد أن هذه العبارة لا تنطبق علي المستعربة والمترجمة الدؤوب دوريس كيلياس، لأنها كانت تعرف شروط الترجمة ومفاصلها المهمة حق المعرفة وتجيد السير في مسالكها الوعرة لتصل إلي الغاية بامتياز.
هذه المترجمة الفذة لعددٍ كبيرٍ من روايات الأديب الكبير نجيب محفوظ، كانت تري في فعل الترجمة عملاً ونحتًا مُجهِدين علي وجه الخصوص، لأن الترجمة الأدبية من اللغة العربية لا تشترط في المقام الأول الكفاءة والمعرفة والجدارة اللغوية وحسب، بل الإلمام الثقافي أيضًا.

فرصة نادرة في مهب الأزمة

سافرت دوريس كيلياس في عام 1967 للمرة الأولي إلي بلدٍ عربي حيث اغتنمت فرصةً نادرةً أتيحت لها لتدرس لمدة فصلين في جامعة القاهرة كطالبة للدراسات العليا بالرغم من أن سلطات جمهورية ألمانيا الشرقية لم تسمح لها بمغادرة البلاد إلا بشرط ترك طفلتها جيني ، التي كانت لم تبلغ آنذاك الخمسة أشهر من العمر بعد، كنوعٍ من الرهْن في برلين الشرقية. بيد أن دوريس كيلياس عرفت أن هذه كانت فرصة العمر، وقد قالت بهذا الصدد فيما بعد: لقد كنت من المحظوظين القلائل الذين أتيحت لهم هذه الفرصة .
تركت الانطباعات القاهرية الأولي في نفسها أثرًا بالغاً. دوريس كيلياس تتذكر هذه الزيارة الأولي: وصلت إلي القاهرة في عام 1967 بعد فترةٍ وجيزةٍ علي نهاية حرب حزيران (يونيو) حيث كان الجو العام كارثيًا هناك. بالطبع لم يكن ممكنًا أن أتصور وأنا في برلين مدي فظاعة الأجواء التي كانت تسود آنذاك .
لكن الصدمة التي أصابت وعي النخبة العربية والمثقفين العرب من جراء حرب حزيران (يونيو) كان لها ما يشبه التأثير الشافي علي الأدب العربي، حيث كرّس الكتّاب العرب أنفسهم للمرة الأولي لقضايا مجتمعاتهم الجوهرية والوجودية، وبدؤوا فجأة بالتفكير بالذات في مهب الأزمة متسائلين: من نحن وماذا نكون؟
كما وسمت فداحة الهزيمة العقل العربي بمعالم جديدة ناقدة للذات لم تكن معروفةً من قبل. لذلك رأت المستعربة الشابة دوريس كيلياس في هذه الحقبة تطورًا هامًا وحافزًا خصبًا للإنتاج الأدبي .

احترام مهيب لنجيب محفوظ

كانت دوريس كيلياس شغوفة للغاية بأستاذ الرواية العربي الكبير نجيب محفوظ ، علي الرغم من أنها ترجمت أعمال كتّابٍ آخرين مثل محمد شكري، وجمال الغيطاني، كما ترجمت في السنوات الأخيرة أعمال ميرال الطحاوي وآخرين. كان من الممتع الإصغاء إليه ومراقبته لدي حديثه مع الكتّاب الناشئين متناولاً نصوصهم في أناةٍ وصبر، ومسديًا النصح لهم بحذر . هكذا تصف دوريس كيلياس لقاءها الأول مع نجيب محفوظ في مقهي الريش التاريخي في القاهرة. وفيما بعد أقرّت كيلياس صراحةً: أحب الحياة بالقرب من نجيب محفوظ.

المترجم: جندي مجهول في حقل الأدب

عاشت دوريس كيلياس، كما هو حال كل المترجمين، في ظل الكُتّاب، وأغضبها قلّة تقدير عمل الترجمة وغيابه في أغلب الأحيان، وهو ما دفعها إلي القول ذات مرة: إنهم يظنون أنه يكتب باللغة الألمانية! ، مستاءةً وساخرةً من النقّاد الذين كانوا يمدحون لغة الكتّاب الذين ترجمت أعمالهم دون تقدير فضلها أو حتي دون ذكر اسمها في بعض الأحيان.
تروي جيني ابنة دوريس كيلياس، التي كتبت تكريمًا معبرًا لوالدتها في صحيفة برلينر تسايتونغ الألمانية، إنه عندما كان يطرح علي والدتها السؤال حول أجمل ما في الترجمة، كانت تجيب: أن تكون شخصًا آخر لفترةٍ من الزمن .
كرّست دوريس كيلياس نفسها لعائلتها ورعتها علي الرغم من انهماكها بمهنتها. ويسجل الكاتب حسن داوود، رئيس ركن الأدب والفن في صحيفة المستقبل اللبنانية، الذي كانت تربطه بالسيدة دوريس كيلياس صداقة مهنية، متذكرا في رِثائه لها في صحيفة المستقبل المرحلة المؤلمة من حياة المترجمة، التي رعت فيها زوجها المريض بداء السرطان، يسجل أنه لم يتبق لها من القوة لإنجاز ما كان عليها أن تنجزه من مشاريع الترجمة بالدقة والدأب، اللذين اتصفت بهما طوال حياتها.

نقل ناجح للأدب العربي إلي الألمانية

لا بد للمرء من أن يحب موضوعه، لكي يستطيع نقله نقلاً جديرًا للآخرين . جسدت دوريس كيلياس هذه القاعدة، التي تعود للشاعر الألماني الكبير غوته طوال مسيرة حياتها المهنية. لقد أحبّت دوريس كيلياس عوالم ومواضيع نجيب محفوظ الأدبية بالأخص، ولعل هذا سبب نقلها الناجح لأعماله الأدبية ومساهمتها في تحقيق شهرته العالمية.
المترجمون الموهوبون الدؤوبون هم في نهاية المطاف من يجعلون الأدب الغريب أدبًا عالميًا. لذلك لن يكون من السهل ملء الفراغ، الذي سيخلّفه رحيل دوريس كيلياس في حقل الترجمات الشرقية ـ الغربية.

ترجمة: يوسف حجازي



إقراء أيضاً


التعليقات

لا توجد تعليقات حتى الآن ، كن أول المعلقين

إضافة تعليق

كاريكاتير

إستطلاعات الرأي