

القاهرة ـ من محمود قرني: يقدم الكاتب والمترجم محمد الخولي نص وثيقة الشرق الاوسط الكبير والتعليق عليها، في إطار السجال الواسع الذي تشهده بعض الأنظمة والشعوب العربية وعلي خلفية الكثير من الاحتجاجات الشعبية علي أوضاع تلك الأنظمة، التي تعاظم فسادها وتعاظمت فاشيتها.
يقدم الخولي ترجمة حرفية لنص الوثيقة ضمن كتابه الصادر عن سلسلة كتاب الهلال تحت عنوان الشرق الأوسط الكبير ، ويشير الخولي في مقدمة كتابه الي أن الوثيقة عكف علي صياغتها عدد من أمهر وأنشط العقول في الغرب الأوروبي والولايات المتحدة وكان ذلك علي امتداد عام كامل بين صيف عام 2003، وصيف عام 2004، وحسب الخولي ـ عكف 19 من أهم الباحثين والعلماء في مجالات الاقتصاد والعلوم السياسية والتخطيط الاستراتيجي، سواء علي المستوي الأكاديمي أو مستوي الممارسة العملية في مواقع المسؤولية في بلادهم، ويضيف الخولي أن هؤلاء الذين كانوا ينتمون الي عدد من دول غرب أوروبا والولايات المتحدة ـ وكان بينهم استاذ من تركيا ـ عكفوا علي تناول موضوع يراه الغرب الأورو ـ أمريكي في غاية الأهمية في الوقت الحالي وهو موضوع الإصلاح في منطقة الشرق الأوسط الكبير.
وقد ذيلت الوثيقة بأسماء محرريها وهم أوربان أهلن ـ السويد، منصور أكغون ـ تركيا، غوستافو دي أريستيغول ـ اسبانيا، رونالد أسموزر ـ الولايات المتحدة، دانييل بينان ـ الولايات المتحدة، لاري دايا موندر ـ الولايات المتحدة، ستيفين ايفرتز ـ هولندا، والف فوكز ـ ألمانيا، إيريس غلو سماير ـ ألمانيا، ياناهيبسكوفا ـ التشيك، ثورستين كاش ـ المانيا، مارك ليونارد ـ المملكة المتحدة، مايكل ماك فول ـ الولايات المتحدة، توماس ميليا ـ الولايات المتحدة، مايكل مارتيز ـ المانيا، جوشو امورافشيك ـ الولايات المتحدة، كينيث بولاك ـ الولايات المتحدة، كارن فولكر ـ الولايات المتحدة، جينيفر ويندسور ـ الولايات المتحدة، ومن الجدير بالذكر ان جميع المشاركين يشغلون أو كانوا، مراكز مرموقة في مجال العمل السياسي في بلدانهم ومن العلماء المرموقين في مجالات تخصصهم، ويشير الكتاب الي أن رعاة ورقة اسطنبول وثيقة الشرق الاوسط الكبير هم مؤسسة صندوق مارشال الألماني للولايات المتحدة GMF وهي مؤسسة أمريكية معنية بالسياسات العامة وتقديم المنح ومكرسة لتعزيز وتوسيع التعاون والتفاهم بين الولايات المتحدة وأوروبا.
وتم إنشاؤها عام 1972 من خلال منحة من المانيا وما زال لها حضور قوي علي كلا جانبي المحيط الأطلسي وإلي جانب مقرها في واشنطن العاصمة فإن لها خمسة مكاتب منبثقة عنها في عواصم أوروبا هي بلغراد وبرلين وبراتسلافا وبروكسيل وباريس.
وكذلك المؤسسة التركية للدراسات الاقتصادية والاجتماعية التي أنشئت في عام 1994 ومقرها اسطنبول، وهي مؤسسة فكرية غير حكومية يدعمها تمويل من القطاع الخاص في تركيا ومن خارجها، ونحاول هنا أن نقدم أهم النقاط التي اشتملت عليها وثيقة اسطنبول الشهيرة بوثيقة الشرق الأوسط الكبير.
اعتراف عربي بالشراكة في الجريمة
سوف يتأكد لقارئ الوثيقة تلك اللغة الواقعية التي لا تتخلي عن علميتها، في تناول مشكلات المنطقة التي تعتبرها الوثيقة تمتد من المغرب حتي أفغانستان، بما في ذلك اعتراف كتاب الوثيقة الذين يمثلون هذا العالم، بحجم الجرم الذي ارتكبته الحضارة الجديدة في دعم أنظمة استبدادية وفاسدة، ولا تستبعد الوثيقة كون التطرف والإرهاب الراديكاليين من صناعة تلك الأنظمة التي بدأت تستحلب الغرب دفاعا عن نفسها تحت دعاوي الدفاع عن الحق في الوجود والتسامح والحوار بين الأديان، وكما يقول المؤلف فإن معظم النقاط المهمة في التقرير مأخوذة من صلب تقارير التنمية البشرية العربية الصادرة قبلا عن الأمم المتحدة.
تدرك الوثيقة، بل تعترف أن كثيرا من الغضب في الشرق يتجه صوب الغرب لاسباب من صنع الغرب نفسه، وتقول الوثيقة حرفيا: مضي حين طويل من الدهر ظلت فيه الولايات المتحدة وأوروبا تقفان وراء الأنظمة الأوتوقراطية في المنطقة وخاصة عندما كانت تري أن هذه الأنظمة تحقق لنا مصالحنا الاستراتيجية، وبينما تعتنق بلادنا قيما ديمقراطية شاملة وتؤمن بالحريات الكاملة فالذي حدث لم يتلق سوي الحد الأدني من الاهتمام للنظام الداخلي في تلك المنطقة، ومن ثم فان الشرق الاوسط الكبير هو الساحة التي تتجلي فيها الهوة الواسعة للغاية بين المبادئ الديمقراطية التي يتبناها الغرب وبين السياسات التي ظللنا نتبعها علي صعيدها .
كذلك يعترف التقرير بتقاعس الغرب عن نصرة حقوق الانسان والديمقراطية في تلك المنطقة من العالم، وكان عادة ما يتم تبرير ذلك بالخوف من صعود الراديكاليين إلي سدة الحكم باعتبارهم البديل الآخر خطا للنظم الاستبدادية القائمة، وفي الوقت نفسه يعترف التقرير بأن تلك الأنظمة نفسها لم تعمل علي وقف نمو الأيديولوجيات الاسلامية المتطرفة بل عملت أحيانا ـ حسب نص التقرير ـ علي تأجيج المشاعر المعادية للغرب كمنفذ لتصريف مشاعر السخط الداخلي، كما يعترف التقرير بأن مؤازرة الغرب للحكومات الاستبدادية ساعدت علي تأخير الإصلاحات الاقتصادية والسياسية التي كان من شأنها تحسين حياة الناس وارساء الركائز التي ينهض عليها استقرار اكثر رسوخا.
ودفعت الورقة في طريق حتمية تغيير شعار الاستقرار الذي لوحت به الأوضاع الجامدة الاستبدادية القائمة في المنطقة، ودعت الي اعادة النظر في سياسات الثقل الغربي بما يرجح كفة تعزيز التحولات الديمقراطية وتفعيل التنمية البشرية.
ويستبعد التقرير المقولات التي كان يتم ترويجها في الغرب من أن الشعوب في تلك المنطقة لا تريد الديمقراطية، ويقول: نعتقد أن ثمة توقا عارما في المنطقة يرنو الي التغيير، ويتطلع الي حكومات تكفل المزيد من العدالة والمشاركة السياسية.
ويراعي التقرير بعض التمايزات الحضارية بين شعوب المنطقة وينتهي الي عدد من المبادئ التي تحترم خصوصيات الشعوب في عملية التغيير، لذلك يشير الي ضرورة إشراك الحكام والمحكومين بما يسميه تحديد هوية أصحاب المصلحة الأساسيين والشركاء في عملية الإصلاح ، ويدعو التقرير إلي توسيع الأفق عبر التواصل مباشرة مع المجتمع المدني ويقول علينا أن نشرك الحكام والمحكومين وأن نعمل معهم علي السواء .
ويقول التقرير ان ثمة توافقا بين الإسلام والديمقراطية الليبرالية وهو ما تؤكده استطلاعات الرأي العام بعكس الشائع من أن الإسلام يناهض الديمقراطية، كما يدعو التقرير الي سياسات ملائمة لأوضاع كل قطر علي حدة تبعا لمشاكله ودعا الحكومات الغربية الي التصدي لمشكلة مصداقيتها في المنطقة.
دعوة لحوافز ديمقراطية وحل قضية فلسطين
وعلي مستوي التنفيذ العملي لوثيقة الشرق الاوسط الكبير تدعو الوثيقة الي نقل دعم التحول الديمقراطي والتنمية البشرية إلي إطار عملي يبدأ من ضرورة الربط بين المساعدة الاقتصادية وبين الإصلاح السياسي الحقيقي وأساليب الحكم الرشيد، كذلك تدعو الوثيقة الي دعم الافكار التي تنحو إلي الإصلاح بما هو أكثر من المساعدات الاقتصادية بما في ذلك برامج تحرير التجارة وتخفيف أعباء الديون، كما تدعو إلي إعادة النظر في علاقة الغرب بالمؤسسات الأمنية في النظم الاستبدادية بمنطقة الشرق الأوسط، ورغم اعتراف التقرير باستفادة الغرب والولايات المتحدة من علاقاتها بالاجهزة الأمنية في الشرق الأوسط، إلا أنه يري أن الغرب دفع ثمن هذه العلاقات الوثيقة لان الأمر كله بدا دعما لنظام تعسفي ظالم واستبدادي.
ودعا التقرير إلي ضرورة إخضاع هذه المؤسسات في إطار الحكم الديمقراطي للمبادئ الدستورية فضلا عن رقابتها بشكل دائم علي نحو ما هو حاصل في النظم الديمقراطية في مواقع أخري من العالم.
ومن النقاط المهمة التي أثارها التقرير قوله ان قضية الديمقراطية والتنمية البشرية في المنطقة سوف تلقي تعزيزا هائلا في حالة التوصل إلي حل نهائي للقضية الاسرائيلية الفلسطينية وللصراع الإسرائيلي العربي الأوسع نطاقا، استنادا إلي قراري مجلس الأمن رقمي 242، و338 وإلي رؤية دولتين تتعايشان جنبا إلي جنب، ويشير التقرير إلي أن جزءا كبيرا من مصداقية الغرب والولايات المتحدة علي المحك بسبب هذه القضية، ويؤكد التقرير ـ علي جانب آخر ـ أنه سيكون من الخطأ الإصرار علي أن التقدم نحو الإصلاح الديمقراطي مشروط بالتوصل إلي تسوية سلمية، فالسلام مع الجيران والإصلاح الداخلي ـ حسب التقرير ـ كلاهما هدف له قيمته وينبغي توخيه بصورة متوازية، ويشير التقرير الي أنه في حالة حل هذا الصراع فإنه لن يكون بوسع الحكومات العربية المستبدة الاحتماء خلف هذا الصراع أو استغلاله لتحويل مسار الضغوط الداخلية التي تطالب بالتغييرات المحلية، ويضرب التقرير مثلا سورية ومصر باعتبارهما نظامين مستبدين يحتميان بالصراع العربي الإسرائيلي.
شمل الكتاب أربعة فصول ومقدمة للمؤلف محمد اخولي، تضمن الأول نص ورقة اسطنبول والثاني تحليلا نقديا لها، والثالث جاء تحت عنوان تحريك السواكن في القضية الفلسطينية، والفصل الرابع جاء تحت عنوان نظرة إلي المستقبل.
يقع الكتاب في 482 صفحة من القطع الصغير، وصدر ضمن سلسلة كتاب الهلال التي تصدر عن المؤسسة العريقة التي تحمل الاسم نفسه.