

صنعاء - تقرير محمد العلفي
لعب الأدب و الأدباء من خلال الكلمة الصادقة الرافضة للإستعمار والظلم دوراً كبيراً في الايقاظ والتحريض على قيام الثورة التي كانت أول شمعة في فضاء اليمن الجديد.
يشير المستشار الثقافي لرئيس الجمهورية الدكتور عبد العزيز المقالح إلى أن البداية كانت مع القصائد الصارخة الصريحة التي مثلت ثورة الأدب شعرياً ودعت إلى التغيير والخلاص من نظام العبودية علناً وبلا مواربة، لافتاً إلى أن المرحلة الممتدة من آوائل أربعينيات القرن الماضي إلى آوائل ستينياته انتجت شعراً نضالياً ينضح بالتحريض والتبشير والتنوير : التنوير بالحرية وبالحقوق السياسية والاجتماعية.
ويؤكد رئيس قطاع إذاعة صنعاء الشاعر عباس الديلمي إن المفكرين هم من يهيئون للثورات و ثورة اليمن كغيرها من الثورات سبقتها الكلمة والشعر التي اشعلت الحماسة و أثارت الشعب للخروج و التحرر من الجهل والفقر والمرض، منوهاً بالبدايات الأولى للثورة، والتي تمثلت في الرعيل الأول من الأدباء أمثال الوريث والمطاع، الذين ترأسوا مجلة الحكمة التي كانت مظلة جمعت تحتها المثقفين والأدباء الناقمين على الأوضاع المعاشة في تلك الفترة إضافة إلى غيرهم من الادباء و المفكرين.
ويقول الشاعر الدكتور سلطان الصريمي: كانت البداية في مطلع الأربعينيات عندما أسس الأدباء مجلة الحكمة التي مثلت متنفس المثقفين والادباء في تلك الفترة مثل الوريث و المطاع و العزب و الموشكي والزبيري وآخرين.. هذه المجموعة أسست لأدب ثوري واجتماعي".
ويرى أستاذ الادب والنقد بجامعة صنعاء الدكتور عبدالواسع الحميري ان الخطاب الادبي اليمني في مسيرة الثورة بدأ تنويرياً لينتهي تثويرياً تحررياً ويتجلى ذلك في محاولاته تنوير جماهير الشعب اليمني بحقيقة واقعهم وما هم فيه و ماينبغي عليهم تجاهه أملاً في اصلاح ما اختل من اوضاعه او في إقامة واقع بديل ينهض من انقاضه .
البداية طلابية
وتسرد كتب التاريخ ان البداية لدور الادب في موكب الثورة اليمنية كانت من الحركة الوطنية للطلاب اليمنيين في العام 1939م بالقاهرة نجم عنها في سبتمبرعام 1940م ان اسس محمد محمود الزبيري مع بعض رفاقه في القاهرة اول حركة منظمة لمعارضة الحكم الامامي في اليمن بإسم كتيبة الشباب اليمني .. حيث رأى الزبيري و رفاقه ان يعودوا سنة 1942م الى اليمن لمحاولة انقاذ البلاد من الاوضاع المتردية و المأساوية و صور الزبيري هذه الحالة بقوله :
ما لليمانيين في نظراتهم .. بؤس وفي كلماتهم آلام
جهل وامراض وظلم فادح .. ومخافة ومجاعة وإمام
والناس بين مقيد في رجله .. قيد وفي فمه البليغ لجام
او خائف لم يدر ماينتابه .. منهم اسجن الدهر ام اعوام
يقول الدكتور المقالح:" هذا شعر يحرك الاحجار فضلاً عن البشر... لو استطاع القارئ ان يعود بذاكرته الى زمن ظهور هذه القصيدة لتبين أثرها..حيث نجحت في ان تصور بدقة متناهية المعاناة الواقعية لليمنيين تحت حكم الطغيان وفتحت الباب واسعاً لنبش الاحاسيس الدفينة في الصدور وعملت على استثارة أقصى ردود الافعال المطلوبة للتغيير".
ويروي المؤرخون أن الزبيري عند وصوله و رفقائه لليمن قدم مذكرة للأمام يحيى حميد الدين تضمنت مشروعا لانشاء جمعية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر و ألقى خطبة في الجامع الكبير بصنعاء ما أغضب الإمام فزج به مع عدد من الشباب الاحرار في سجن الاهنوم و بعد خروجه من السجن الذي ظل فيه قرابة تسعة اشهر قال ابياته المشهورة .
خرجنا من السجن شم الأنوف .. كما تخرج الأسد من غابها
نمر على شفرات السيوف .. ونأتي المنية من بابها
ونأبى الحياة إذا دنست .. بعسف الطغاة وارهابها
يقول البردوني في كتاب " اليمن الجمهوري" : توجه الأدباء إلى عدن عام 1944م بعد أن فقدوا الأمل في إصلاح أو تغيير الإمام يحي حميد الدين أو حتى نجله بعد زيارتهم له في تعز فوجدوه اشد من والده وهناك انضم اشهر الشعراء للمعارضة امثال الزبيري ونعمان و الموشكي والشامي والقدسي
.. معتبراً وصولهم الى عدن حدثاً ثقافياً وسياسياً مختلف اللغة والمرمى.
كما أشار عبدالكريم مطهر رئيس تحرير الإيمان عام 1947م ( ان الذين ينضوون تحت لواء النصارى فارين من جنة الايمان يصدق عليهم قوله تعالى " ولن ترضى عنك .. ) حيث بدأت مرحلة جديدة من الكفاح والنضال وهناك اسس احمد محمد نعمان والزبيري حزب الاحرار عام 1944م ونتيجة
لظروف الحرب العالمية وامتداد اثارها الى عدن الغت التسمية الحزبية فتسمت الجمعية اليمنية الكبرى 1946م واصدروا صحيفة صوت اليمن التي
انتشرت في شوارع صنعاء فأشعلت الحماسة لدى الاحرار في الداخل واستمروا إلى ثورة 1948م .
ويؤكد الدكتور عبدالواسع الحميري ان الخطاب الادبي للادباء الاحرار تطور في مواجهته من الخطاب التنويري الاصلاحي الى الخطاب الثوري التحرري الذي يقوض سلطة الفرد ويبني من انقاضها سلطة الجماهير الثائرة فهو تحريضي تعبوي بحكم تحريضه للجماهير على الاخذ بزمام
المبادرة والمطالبة بحقوقهم وانتزاعها بالقوة وبهذا اسهم في تفجير حركة الثورة في الواقع الاجتماعي التاريخي اليمني بحكم انه زعزع ثوابت الواقع السائد قبل الثورة حيث اثار الشكوك في بداية الامر ثم اقنع جماهير الشعب بعدم شرعية النظام المتخلف في الشمال والمستعمر المستبد في الجنوب.
واعتبر عباس الديلمي ثورة 1948م اول ثورة عربية في وجه الظلم والتخلف حيث كان معظم شهدائها من الادباء والشعراء وان هذه الميزة لاتشاركها فيها الا الثورة الفلسطينية التي تضم بين رموزها وشهدائها عدد من الشعراء والادباء ،منوهاً بالمعاناة التي عاشها الادباء وفي مقدمتهم ابو الاحرار محمد محمود الزبيري والحكيمي والنعمان الذين عملوا في سلك الصحافة المقاومة كصحيفة صوت اليمن والفضول وفتاة الجزيرة وغيرها التي ناهضت النظام الامامي و الاحتلال وهيئت الشارع اليمني للثورة .
ويشير الدكتور عبدالعزيز المقالح الى قصيدة الشاعر الكبير الراحل لطفي جعفر امان في اربعينيات القرن الماضي التي لفتت الانتباه و رسم فيها اوضاع اليمن من استعمار و كهنوت و جهل جعلها تتراجع الى العصور الاولى بشعر فيه الكثير من الحزن والألم والثورة والتأمل الحائر .
جار الزمان عليك مستور الخفا .. لاخالياً ابقى ولامأهولا
ولقيت من عنت الولاة وعنفهم .. ماراع قلبك جائراً ومهيلا
جلدوا العدالة وهي تقطر بالدما .. في كل سجنٍ روع الباستيلا
لهفي على تلك المقاصف روعت .. وغدا البكاء عن الغناء بديلا
وعلى شباب شط عن اوطانه .. وقضى الحياة تلفتاً وذهولا
وعلى رجال في الجهالة نومٍ .. قطعوا الزمان جهالة وخمولا
قد مامضى ركب الشعوب وركبهم .. يرتد خلفاً للعصور الاولى
ويضيف المقالح : وفي فترة متقاربة تأتي قصيدة الشاعر ابراهيم الحضراني بأسئلتها الحادة وإمتزاجها الكلي مع الظرف الوطني حيث يقول:
حتام ياوطني اراك تضام .. وعلى جبينك تعبد الاصنام
والى ما يرتفع الطغاة ويعتلي .. عرش التبابع معشر اقزام
وتظل يامهد الجدود ممزقاً .. مهد الخطوب تدوسك الاقدام
ويشير الدكتور الحميري الى واقع المعاناة في جنوب الوطن الذي يصوره الخطاب الشعري الذي ساد فترة الخمسينات واخذ يصور احساس الجماهير
اليمنية بواقعها المأساوي الذي عبر عنه عدد من الشعراء امثال الزبيري والموشكي ولقمان ومحمد سعيد جرادة وغيرهم وفي هذا يقول محمد احمد صبرة :
إن الدماء التي غاصت بها عدن .. وضج من سفكها بالامس شمسان
ومايعانيه لحج من تعسفهم .. و مايقاسي من الطغيان ردفان
هي الوقود وقود النصر فاقتحموا .. كل الصعاب ودوسوا هام من خانوا
ويضيف الحميري :تطور موقف الجماهير النضالي في نصوص الخطاب الشعري السائد في تلك الفترة ليغدو وسيلة رفض الذات الجماعية للسلطة المتوكلية والمستعمر البريطاني على نحو مايوحي بذلك قصيدة محمد سعيد جرادة . فقف وقفة سجل بها الفخر ضافياً .. لاخوان اسلام على الكفر ثوار
فرب رئيس فر متهم بدينه .. وماكان لو لاقى المحال بفرار.
وعلى هذا الصعيد ينمو وعي الجماهير اليمنية بواقعها المأساوي نمواً متصاعداً بإنطلاقها من رفض المعاناة في الجنوب لتنتهي الى رفض كلي لمعاناة الجماهير في ربوع اليمن حيث برز القول الشعري الحاضر بوصفة زمن الترقب والانتظار من جهة و زمن الشدة و الالم اللذين يسبقا عملية مخاض الواقع الحلم و يرافقاها ... يقول العزي مصوعي :
فما نيل ماتتمنى النفوس .. وتهوى القلوب بمستسهل
فقبل بلوغ المنى شدة .. يضيق بها الصلد في الاول
ويستطرد الناقد الحميري يتطور الرفض الجماعي السلبي ليغدو في مرحلة لاحقة دمالثورة النابض في قلب الجماهير اليمنية الرافضة حيث يقول الشاعر نفسه :
مرحى فميعاد النجاح هو الغد .. فليعلم المستعمر المترصد
واليوم نحن الشعب في قلب العدا .. رعب وفي عين العروبة مورد
يقول الدكتور المقالح : إن مجالات التأثير بلغت ذروتها القصوى بدخول القصيدة الى ساحة النضال الوطني في شكلها وانزياحاتها عن القالب التقليدي ويعتبر الشاعر علي عبدالعزيز نصر في طليعة مبدعي هذا النوع من الشعر فقد صور مأساة الوطن عبر شعر التفعيلة المختلف عن القالب الشعري
السائد في ديوانيه " انا الشعب " و " كفاح شعب " حيث تناول فيهما بوضوح لا غموض فيه محنة اليمنيين بأبعادها السياسية والاجتماعية وتولى فضح
الألاعيب الاستعمارية والإمامية في تمزيق وحدة الشعب ومحاولة إشغاله بالخلافات المذهبية والمناطقية .
ابداً واقسم ياثعالب
ان البلاد بلادنا
فيها ترعرع شعبنا
ابداً سيجتاز المتاعب
ويلفت الدكتور سلطان الصريمي الى الترابط والتكاتف بين ادباء تلك الفترة و جميع الاحرار سواء في الجنوب او الشمال ضد الاستعمار والامامة
حيث بقيت الكلمة الصادقة شامخة ضد كل انواع القمع والظلم، مشيراً الى تلازم الكلمة والبندقية حتى قيام الثورة وخروج الاستعمار .ويدلل على
ذلك بقصيدة صالح سحلول التي يقول فيها.
الرجعية قلت حياها .. مهما تأذن او تقيم الصلاة
تريد ان تسلب ولاء الجباه .. ملعون من صلى وراها
مهما تأذن او تقيم الصلاة .. ملعون من صلى وراها
ويضيف مستدركا : اتذكر اغنية لعبدالله هادي سبيت كانت ملازمة للكفاح المسلح في الجنوب يقول فيها :
ياشاكي السلاح .. شوف الفجر لاح
حط يدك على المدفع .. زمان الذل راح
ويخلص : الاديب اليمني تميز بالحضور المرتبط بالثورة فالادباء هم الذين احدثوا النهضة امثال جرادة ولطفي جعفر امان وعبدالله سبيت
وغيرهم حيث اسسوا لادب واقعي اجتماعي ارتبط بالثورة وتوجيهها .
ويوضح الشاعر عباس الديلمي: كان للشعراء و الادباء دورهم النضالي في اطلاق الشرارات الاولى لقيام الثورة التي نراها شعلة شامخة تحتفي بها
الاجيال في السادس والعشرين من سبتمبر والرابع عشر من اكتوبر والثلاثين من نوفمبر ، مضيفاً : ادباؤنا لم يقدموا دمائهم واروحهم للثورة وحسب وإنما عانوا من التشرد والإغتراب والبؤس في سبيل هذا الوطن الامر الذي جعل منهم نجوماً يقتدى بها و رموزاً للأجيال".