

القاهرة ـ صدر العدد الجديد من سلسلة 'آفاق عربية' التي تصدر عن الهيئة العامة لقصور الثقافة حاملا مختارات للشاعر السوري نوري الجراح تحت عنوان 'رسائل أوديسيوس' وحسبما يشير الشاعر في بداية المختارات، جاءت قصائد الكتاب من ست مجموعات شعرية صدرت على التوالي منذ عام 1986 وحتى عام 2004.
قدم للمختارات بمقدمة طويلة وضافية الناقد والكاتب 'خلدون الشمعة' الذي قدم قراءة تربط قصائد الجراح بفكرة وحدة الوجود فلسفية الجذر التي تشير إلى تجاوز نص الجراح لمفهوم الجغرافيا بحثا عن فكرة عالمية أو إنسانية النص، وهو ما قدم العديد من دلائله عبر تلك القراءة المعمقة.
يقول الشمعة: 'المكان هنا يدلنا على تحرك الشاعر في رحلة مستمرة وأما الرحلة فتظل رحلة جوانية قوامها شعرية الكينونة. ويضيف الشمعة: 'ورغم أن قصائد الجراح غالبا ما تذيل بذكر المكان الذي كتبت فيه فإن احتفاءها بالمكان له دلالة أوتوبيوغرافية بامتياز
'.
ويعمق الشمعة فكرته عن تحلل شعرية الجراح من أسر الجغرافيا عندما يشير إلى تجليات هذه العلاقة الجدلية في فلسفة الشرق والغرب ويقول:
'تذكرت ابن عربي وهيجل لدى قراءتي لـ(رسائل أوديسيوس) مرارا وتكرارا، ولا تقتصر هذه الاستعارة على المقارنة بين عالمية التصوف لدى الشيخ الأكبر، وبين مركزية أوروبا لدى الفيلسوف الألماني فحسب، بل تتسع لتشمل ما أشار إليه راسل وبرنال وبيركرت حول تتلمذ اليونان على السوريين القدماء الذين تعلموا منهم الأبجدية
.
ويصف خلدون الشمعة قصائد المختارات بأنها نموذج بارز لشعر الكينونة لا تنتظمها خطى متتابعة وإنما تتحرك على نحو دائري، ومن نتيجة ذلك ـ حسب الشمعة ـ فإن الشعرية تنسج بلاغتها الخاصة، ويدلل على ذلك بقصيدة يصفها بالدائرية هي قصيدة 'صعود أبريل'، ووصف الدائرية هنا جديد على حقل قصيدة النثر، ولم يطلق ـ فيما أعلم ـ سوى على قصائد التدوير العروضي، التي جاءت أبرز نماذجها في القصيدة الحديثة 'الشعر الحر' وتتبدى بشكل لافت في تجربة حسب الشيخ جعفر وعفيفي مطر، وفي ظني أنها ليست تجارب بعيدة عن تجربة الجراح، وإن اعتمد كل شاعر من هؤلاء على فرادة يتيحها عالم شعري مكتنز بالمعرفية وبالخبرات الخاصة، لكن ثمة عناصر جامعة مثل التوحش والفيوضات والتركيب اللغوي وكذلك الحدس المعرفي الذي يقوم على استخدام العنصر التاريخي والاسطوري وسنجد هذين العنصرين الأخيرين بين أبرز مكونات شعرية نوري الجراح، مع الاحتفاظ له بالكثير الذي ينأى بتجربته عن تجربة الشاعرين الرائدين.
ومن أجواء الديوان تلك القصيدة القصيرة الرائعة التي حملت اسم المختارات 'رسائل أوديسيوس' يقول نوري الجراح:
'من جاء بيتي ساعة لم أكن
ورأى الدم في الستائر
من لمس الباب، من طاف في الغرف من نظر سريري؟
أنا لست أوديسيوس حتى يكون لي معجبون قرأوا قصتي، وجاؤوا يعزونني
لا ولست أوديسيوس
لتكون لي أخت
تطرز
على الماكينة
شالا، أو قميصا
لشقيقها الغائب.
لست أوديسيوس
لامرأة ماتت ودفنت تحت السلم
لست اوديسيوس
لأم.
لست أوديسيوس
لابن.
لست أوديسيوس
لأخت.
أنا لست أوديسيوس.
وهؤلاء الذين صرعوا أو تخبطوا في فناء منزلي
صرعهم القدر.
من جاء بيتي في عربة
من جاء خفية
وعندما لم أكن
من فتح الخزائن وقرأ رسائلي التي أرسلتها
لنفسي
أناأوديسيوس
الميت في باخرة'.
تضم المختارات الجديدة لنوري الجراح عددا من أبرز قصائده، مثل 'طفولة موت'، 'صعــود أبريل'، 'موت نرسيس'، 'حدائق هــــاملت'، 'ألواح أورفيوس' و 'كتاب رامي' 'الرحلة اللندنية'، 'تنويمة من أجل طفل'، 'يوم أحد في تشيرش ستريت'، 'وردة الأرجوان'، 'كنت في دمشق'.
ولد الشاعر نوري الجراح في دمشق عام 1956، وأصدر عشرة دواوين هي على التوالي: الصبي، بيروت 1982، مجاراة الصوت، لندن 1988، نشيد صوت، كولونيا 1990، طفولة موت، الدار البيضاء 1992، كأس سوداء، لندن 1993، القصيدة والقصيدة في المرآة، بيروت 1995. صعود ابريل، بيروت، 1996، حدائق هاملت، بيروت 2003، طريق دمشق، والحديقة الفارسية، ديوانان صدرا في مجلد واحد عام 2004.
وقد صدرت الأعمال الكاملة لنوري الجراح في مجلدين عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر في بداية العام الجاري
.
كما أصدر الروائي العراقي علي بدر كتابا عن تجربته الشعرية، يضم مختارات ودراسة مطولة تحت عنوان 'أمير نائم وحملة تنتظر' وذلك في العام 2005.
تقع المختارات الجديدة لنوري الجراح في 224 صفحة من القطع الصغير، وقد حمل الغلاف الخلفي للكتاب جزءا من مقـــدمة خلدون الشمعة التي يقول فيها: 'هذه المختارات تطرح إشكالية ما اود أن أدعوه بـ'الحداثة الثالثة'، أي الحداثة المتحررة كليا من أنظمة الكلام أو العروض أو التفعيلة أو الإيقاع، كما ألفناها مع شعر سابق، وهو تعريف غير مقيد، ويسهم، بشكل أو بآخر، في عملية تذوق الشعر الجديد في رسائل أوديسيوس'.