شعرقص.حواركتاب الأمةأدب عالمينقدفكراصدارات جديدةاخبار ثقافيةتراثفضاءات

مسرحية بيراندلو الشهيرة: 'ست شخصيات تبحث عن مؤلف' تجد مسرحاً لها في لندن

خدمة شبكة الأمة برس الإخبارية
2008-11-06

زياد عدوان*

أسْرَت مسارح في لندن، عن قصد أو غير قصد، عادة وهي تجاهل نوعين من العروض المسرحية على خشباتها. النوع الأول هو النصوص المترجمة من المسرح العالمي. وباستثناءات قليلة كتشيخوف وإبسن أو الكلاسيكيات اليونانية والفرنسية، تندر ترجمة وإعداد نصوص غير انكليزية على هذه المسارح. أما النوع الآخر المتجاهل فهو إعداد نصوص مسرحية خرجت عن المألوف والتقاليد المسرحية من حيث تماسك الحبكة ووضوح معالم الشخصيات. وباستثناءات أخرى كنصوص صمويل بيكيت أو إدواد ألبي (إن اعتبر هو الآخر عبثياً كما صنفه إيريك بنتلي في مقدمته لنصوص من مسرح العبث حين أدرج نص ألبي 'قصة حديقة الحيوان' ضمن نصوص العبث ليعود ويتراجع عن رأيه في كتابه 'مسرح العبث')، تتفق المسارح على أن النصوص غير التقليدية يجب أن تكون مكتوبة بالإنكليزية أساساً وغير مترجمة (بيكيت إيرلندي، وألبي أمريكي

).
بالإضافة إلى طبيعة الأداء الواقعي، وتحية الجمهور للممثلين والتشبث بقوانين السلامة والحماية المرهقة أو الموسوسة، تشمل الأعراف المسرحية الانكليزية في West End طبيعة النصوص المنتقاة. ولكن وبعد أن أثقلت الأعراف المسرحية مسارحها، قام الكاتبان روبرت غوود وبن باور بخطوة غير مسبوقة، وهي إعداد وإخراج نص (ست شخصيات تبحث عن مؤلف) للكاتب الايطالي لويجي بيراندلو. ولعل الكاتبين هما الأجدر بمهمة كهذه بعد إعدادهما الناجح لنص كريستوفر مارلو (الدكتور فاوست) قبل عامين على مسرح هامبستيد. ورغم أن نص بيراندلو والمكتوب قبل أكثر من ثمانين عاماً (1921) لا زال قادراً أن يضع أي جمهور معاصر في حيرة أمام ما يحدث على الخشبة، إلا أن نص الكاتبين أصر على المضي أكثر في لعبة الحقيقة والوهم بتعديلات كثيرة على النص الكلاسيكي. فالمخرج المسرحي الذي يطالب ممثليه بدرجة أعلى من الدراما والحقيقة كما هو في نص بيراندلو، يصبح المدير التلفزيوني الذي يطالب المخرجة والفنيين بالدراما والحقيقة في النص المعد للظهور على

Gielgud theatre.
يبدأ العرض المسرحي بتسجيل سينمائي تبثه شاشة على المسرح لفتى يافع يتحدث عن رغبته بالسفر إلى الدنمارك كي يتمكن من الانتحار هناك. ينتهي التسجيل لنرى أن ما تم عرضه هو مواد في استديو مونتاج، ونرى الفنيين يتناقشون حول الطرق الأفضل لجعل حكاية الفتى المسجلة أكثر (درامية) و(حقيقية). وكنتيجة لهذه الطلبات، لا يستطع الفنيون تجنب طرح أسئلة أوسع، وبشكل بسيط، عن معاني الدراما والحقيقة، دون الوصول إلى نتيجة ملموسة وقابلة للتطبيق في فيلمهم الوثائقي عن الشاب.
الشخصيات هذه بلا أسماء بل بوظائف (فنية)، هناك المدير والمخرجة والمونتير، والممثلان في الاستديو لمناقشة مادتهم الوثائقية. فجأة، تدخل إلى الاستديو ست شخصيات، وتفصح أن مؤلفها تركها وحيدة. الشخصيات هذه هي الأخرى بلا أسماء بل بوظائف اجتماعية، وهم الأب ( يقوم بدوره الممثل ايان مكديارميد) والأم وابنهما ثم أولاد الأم من زوج آخر، وهم فتاة كبيرة تعمل غانية وطفل وطفلة صغيران. وبين محاولات الفنيين لطرد الشخصيات وإصرار الشخصيات على البحث عمن يعرض حكايتهم تتشابك العوالم المتعددة للحقيقة. تتداخل مستويات الحقيقة بين الفيلم الوثائقي كصورة أولى للحقيقة والفنيين أمام الشاشة، ولكنهم يبدون أكثر حقيقية، ثم الشخصيات (الوهمية) الدخيلة وحكايتها، والتي تبدو بدورها الأكثر حقيقية بين المستويات جميعها.

 
كما هي الحكاية في البدء عن فتى يريد الذهاب إلى الدنمارك للانتحار، تنتهي حكاية الشخصيات الباحثة عن مؤلف عند انتحار الولد الصغير، ابن الأم من الزوج الثاني. وكما تبدو حكاية الفتى على الشاشة حقيقية، بما أن الشاشات، والأفلام الوثائقية، باتت المصدر الأساسي لتلقي الحقائق، يبدو انتحار الولد الصغير على الخشبة الأكثر حقيقة بين أفعال وحكايات الشخصيات الأخرى المتشعبة. الأم هجرت الأب وابنها، وتزوجت من موظف عند الأب لتنجب الأولاد الثلاثة، ثم يموت الموظف، أو الزوج الثاني. تعمل الأم كخياطة عند مدام بيس التي تملك مبغى تشغله ليلاً. تقنع مدام بيس الابنة من الزوج الثاني أن تعمل عندها في المبغى، ولمشيئة الأقدار يزور الأب المبغى ويكاد ينام مع ابنة امرأته، قبل أن تدخل الأم وتقطع المشهد والكارثة. أما الابن من الزوج الأول فهو وحيد وكاره للجميع، كاره لأبيه وأمه اللذين هجراه وهو طفل صغير، وكاره لأشقائه من أمه، وناكراً صلتهم بالعائلة.
هناك عوالم متعددة كالفيلم الوثائفي ثم اقتحام الشخصيات (الوهمية) لعالم الاستديو الموزع بين حقيقتين. وأمام هذا المزج، كان من الضروري للمخرج روبرت غوود، وهو أحد الكاتبين، أن يختار مستويات عديدة للأداء وتجسيد العوالم هذه

.
تطلب الشخصيات من الفنيين أن يجسدوا مشهد المبغى بين الأب وابنة زوجته، ثم دخول الزوجة /الأم إلى الغرفة قبل وقوع الكارثة. وكي يكون المشهد حقيقياً تماماً يقوم الجميع ببناء خشبة وديكور على خشبة المسرح، ولكن تبقى الشخصيات غير مقتنعة. فالديكور المعد لتصوير المبغى لا يشبه المبغى الحقيقي، وأداء الممثلين للحكاية بعيد عن الحقيقة، أو عن حقيقة ما حدث فعلاً في المبغى. ولهذا تتدخل الشخصيات، والتي اختبرت الواقعة حقيقة، لتمثل ما حدث فعلاً. وبدلاً من تجسيد المشهد كما حدث، تنتقل الشخصيات بأدائها إلى حالة هستيرية وصاخبة. يدخل فجأة رجل آخر إلى المشهد وهو شبه عار، ليقفز في الغرفة ويضاجع الفتاة. ثم تدخل الأم، وبقية الشخصيات الست، ليتحول المشهد إلى مزيج هائل من الصياح والصخب والقفز والغناء الأوبرالي. تقوم الشخصيات بهذا كله وتخرج عن طورها لتقول إن ما حدث فعلاً كان أكثر حدة وبشاعة وصخب، ليطوع ويستخدم أشكال التعبير بمعظمها، بدءاً من الصراخ والرقص الماجن، إلى الأوبرا وتشكيل أجسادهم بصرياً على المسرح.
جميع حكايات الشخصيات غير مكتملة، باستثناء الولدين الصغيرين من الزوج الثاني. تلقي الفتاة الصغيرة نفسها في النافورة لتموت هناك، رغم محاولة أخيها الصغير لإنقاذها. أما الابن الصغير فينتحر لاحقاً بمسدس وهو وحيد. صدمة الموت هنا هي أكثر اللحظات حقيقية في العرض.


أما وقع تنفيذها على المسرح فكان صدمة أخرى بل الأكثر حقيقية لنا كجمهور. تلقي الفتاة الصغيرة بنفسها في حوض ماء موضوع في منتصف المسرح، وتبقى داخله لدقائق عديدة، الأمر الذي أخرج بعض المشاهدين من صمتهم، ليتساءلوا، كيف فعلوا هذا؟ وكيف استطاعت الممثلة الصغيرة البقاء لفترة طويلة جداً تحت المياه؟
أما الابن الصغير فلا يقل انتحاره دهشة مع نهاية العرض. يمسك الولد بمسدس ويقتل نفسه وحيداً. تدخل مخرجة البرنامج الوثائقي لترى الولد الصغير مدمياً وميتاً. تحمله وتذهب خارج الكواليس، لنراها فيما بعد، عبر الشاشات نفسها التي ظهر عليها الفتى الراغب بالانتحار في الدنمارك. تهرع المخرجة حاملة الابن في الشوارع خارج المسرح وتمضي إلى الشوارع اللصيقة بـGielgud theatre في الـ West End، حيث تعرض المسرحية، وتمشي في أزقة سوهو الضيقة، مارة بالمشاهد اليومية التي يراها الجمهور في المسرح قبل دخوله المسرح.

وعبر الشاشات أيضاً تنتهي المخرجة، وهي مستمرة بحمل الابن، في مسرح آخر في West End وهو مسرح queen theatre، والذي يعرض الميوزيكال الشهيرة (البؤساء)، ليتم عرض لقطات صغيرة من هذه الميوزيكال على خشبة المسرح. ولا يخرج المقطع المعروض من ميوزيكال 'البؤساء' عن موضوعة الحقيقة والوهم والمفاجأة. فالمقطع هو مشهد الثورة الفرنسية في الميوزيكال، وفي هذا المقطع بالذات تسمع أعيرة نارية عالية في المسرح وكأنها حقيقية. وبالفعل، فقد اختبر جميع من حضر البؤساء هذه اللحظة المفاجأة في الميوزيكال، الأمر الذي يندر حصوله أيضاً على مسارح West End ، وكانت هذه اللحظة مثاراً لتعليق العديد من النقاد والمشاهدين على وقعها في ميوزيكال 'البؤساء'.


قد لا يكون نص 'ست شخصيات تبحث عن مؤلف' بحاجة إلى شاشات وإعداد (معاصر)، ليحقق غموضه الذي حققه قبل ثمانين عاماً، وحتى أن بعض النقاد عبروا في مقالاتهم عن خيبتهم أمام استخدام الشاشات على المسرح. ولكن إعداد وإخراج روبرت غوود وبن باور كثف من أسئلة الحقيقة وجعلها أكثر تعقيداً وتنوعاً. فزادت الشاشات والمواد المعروضة عليها جرعة الأسئلة المطروحة عن الحقيقة ومصادرها في العرض. الفيلم التسجيلي هو فيلم عن وقائع حقيقية. الفنيون هم صانعو الحقيقة. وتكشف الشخصيات الست الدخيلة بدورها أن الحقيقة ومعناها أمران غير مشروطين بالواقع المعاش والحياة اليومية، بل هي في أي حكاية. ولكن، وحفاظاً على رأي بيراندلو، يتجلى الموت كأكثر الأمور حقيقية، سواء كان سياقه فيلماً تسجيلياً، أو لعبة مسرحية كوجود الفتاة في الماء لوقت طويل جداً أو ولد منتحر. من الصعب أن نعرف في أي حكاية أو في أي زمن انتحر الولد: هل كان انتحاره جزءاً من حكاية الشخصيات الست (الباحثة عن مؤلف لحكايتها)، أم أن الابن أقدم على الانتحار بعد أن اقتحمت الشخصيات استديو المونتاج؟ ولكن ما نعرفه تماماً أن الابن انتحر ولهذا ربما كانت الشخصيات تبحث عن مؤلف لحكايتها، علنا نعرف كيف حدث كل هذا؟

مسرحي من سورية يقيم في لندن*











كاريكاتير

إستطلاعات الرأي