اصدارات جديدةشعرقص.حواركتاب الأمةأدب عالمينقدفكراخبار ثقافية
'نجمة البتاوين' رواية العراقي شاكر الأنباري:

عمل أدبي يتناول الخراب العراقي بعد الاحتلال الأمريكي - سلام إبراهيم

خدمة شبكة الأمة برس الإخبارية
2011-05-09 | منذ 9 سنة

يعد الروائي شاكر الأنباري من الروائيين العراقيين المشغولين في كتابة نصوص تتناول التاريخ العراقي المعاصر في الخمسين سنة المنصرمة من عمر الدولة العراقية الحديثة 1921. في نصوصه القصصية والروائية المنشورة وهي 1- ' ثمار البلوط' ( قصص)، 2- ' شجرة العائلة' ( قصص)، 3- ' الكلمات الساحرات ' ( رواية)، 4 ـ ' ألواح' ( رواية)، 5- ' تشكيل شامي' ( قصص)، 6- ' أنا والمجنون' ( قصص)، 7- ' موطن الأسرار' ( رواية)، 8- ' الراقصة' ( رواية)، 9- ' كتاب الياسمين' ( رواية)، 10- ' ليالي الكاكا'، 11- ' بلاد سعيدة' ( رواية)، 12- ' نجمة البتاوين' ( رواية)، كان مهموما بجريان الحياة اليومية التي عاشها.

قصصه ورواياته الأولى، عكست حياة الريف في مدينة الرمادي بتفاصيلها اليومية، وتقاليدها وهو يسرد لنا طفولته في القرية ( وشاكر من الروائيين العراقيين القلائل الذين ينحدرون من القرية العراقية) وشجون القرية؛ الكبت الجنسي، التلصّص، تقاليد الدفن، وشدة الأعراف العشائرية التي صورها في روايته ـ ' الكلمات الساحرات' - عن حالة ثأر عشائري حيث يجري الانتقام من القاتل وقتله وهو موقوف في السجن، لينتقل في ' ألواح' إلى تصوير بغداد بطله القروي بين بغداد والقرية إبان الحرب العراقية الإيرانية، كما صور في قصصه القصيرة الجندي العراقي وهمومه في تلك الحرب من زاوية تختلف تماما عن زاوية الكتاب العراقيين ممن طبل لثقافة القتل وزكى تلك الحرب التي كانت بادئة الخراب العراقي المعاصر. كما صور في مجموعتيه ' تشكيل شامي'، و' أنا والمجنون' مجريات حياة العراقي المنفي في الشام والدنمرك، أما في روايته ' موطن الأسرار' التي أعتبرها أفضل نصوصه، فقد صور محنة العراقي المنفي في دول الغرب الباردة وحيرته وهو المقترن من زوجة أجنبية، إذ يعاني غربة مركبة هي غربة المكان، والغربة في تفاصيل الحياة العائلية، فيقرر الهجرة المعاكسة إلى بلد عربي مع كل ما يترتب على ذلك، من تخريب حياته المستقرة مع زوجة تحبه وطفلتيه اللتين سيفقدهما، فيعيش حالة تمزق نفسي وعاطفي تمكن من نقله إلى القارئ بطريقة فنية جعلت روايته هذه من الروايات العراقية المهمة.

في ' كتاب الياسمين'، يخوض في تجربة مختلفة قليلا، فيها فسحة كبيرة من التأمل من خلال تناول شخصية معنية في العلاج النفسي والتأمل الصوفي في شؤون الروح والجسد البشري، أما في روايته ' الراقصة' فيصور دمشق وصعاليكها في الفترة التي هاجر فيها عائدا من الدنمرك إليها قبل الاحتلال الأمريكي 2003 بثماني سنوات، وكعادته يستفيد في تصوير المكان من الكتب المعنية في المدن وأمكنتها وبشرها مستعينا في ' الراقصة' بتلك المصادر أولها مثلا كتاب البديري الحلاق عن ' وقائع دمشق اليومية'.
في ' ليالي الكاكا'، يعود إلى موضوعه الأثير الجندي العراقي زمن الحرب العراقية الإيرانية. وبعد فترة انقطاع طويلة نسبيا عن النشر يعود الروائي ليسجل تجربته عن عودته إلى العراق ومحاولة استقراره من جديد عبر عمليين روائيين الأول ' بلاد سعيدة' ( 2008) صور فيها تداعيات قصف الطائرات الأمريكية بيت عائلته في قريته ـ الحامضية -، عبر مونولوغ شخصية نجت من القصف تسرد الأحداث. والنص يبحث من خلال حدث الرواية المذكور؛ تداعيات الاحتلال وتهديم الدولة العراقية، ونمو مليشيات القاعدة في أرياف الرمادي، واختلاف وجهات النظر بين أفراد العائلة الواحدة في الموقف من الوضع الجديد؛ الاحتلال والميليشيات المسلحة وتداعيات ذلك الصراع الشرس والدموي في تلك البقعة في أعقاب 2004 وما تلاه.

في روايته الأخيرة الصادرة عن دار ' المدى' 2010 ، ' نجمة البتاوين'، يخوض الروائي في أجواء بغداد زمن احتدام الحرب الطائفية أعوام 2006 ـ 2008 وسيادة سلطة المليشيات، من خلال اختيار مجموعة شخوص من الوسط الصحافي والثقافي يلتقون في شقة مستأجرة في البتاوين وهي منطقة وسط بغداد يدعونها ـ النجمة ـ يلتقون فيها للحوار والشرب وممارسة الجنس مع عاهرة تدعى ـ أحلام ـ عادت تزور الشقة بانتظام، والشخصيات هي الشخصية المحورية ـ زاهر- وهو صحافي وكاتب عاد من المنفى عقب الاحتلال متزوج من سورية ولديهما طفل يسكن في شارع فلسطين، وعمران مهندس أصبح مقاولا متحمسا للوضع الجديد متزوج ولديه عشيقة يستأجر لها شقة في ـ البياع ـ وهو صديق ـ زاهر - من أيام دراستهما الجامعية، و - أبو حسن - صاحب مكتبة في شارع المتنبي، و - علي محمد أمين - شاعر وصحافي صعلوك يَحِل زاهر مَحلهُ في تحرير الصفحة الأخيرة من جريدة ـ السلام ـ التي أسسها سعيد عبد الكريم الذي عمل معه زاهر في دمشق قبل الاحتلال، و ربيع المحمدي، مصحح متزوج عمل إبان الحصار زمن الدكتاتور في ليبيا واليمن، مما أمّنَ له بيتا، لديه ابن في الدنمرك، وآخر في أربيل خوفا من القتل الطائفي. وشخصية سهى صحافية عراقية متحررة تعمل معهم في القسم والجميع يشتهيها.

يمهد الروائي في الفصل الأول بادئا من لحظة اختطاف عمران من قبل المجاميع المسلحة، ومقتل أبو حسن في تفجير شارع المتنبي الشهير فيرسم صورة شاملة للوضع في بغداد ولأحوال المجموعة مرصعة بتأملات في الشر الناهض من التاريخ الدموي العراقي ومضاعفات العنف الذي رسخ في نفس ـ زاهر- وهو يرى قتلى الحرس القومي الذين جلبوهم إلى قريته دون أن يعرف سببا لذلك الموت ( ص11)، وبمحاولة لتحليل الشخصية العراقية وكيفية تحولها إلى شخصية همجية تقبل على القتل والاختطاف والسلب عازيا ذلك إلى تراكمات الحقد والآثار النفسية لرؤية القتل والإعدامات في حروب الدكتاتور، وفقدان أبسط مستلزمات الحياة زمن الاحتلال، العمل والخدمات ( ص12)، لينقل في الفصل الثاني المبني على فكرة البيت عش الإنسان وهجرات العراقي التي يبدو أن لا نهاية لها، فيعدد لنا بيوت زاهر المخربة في الدنمرك، سورية، ثم بيته في شارع فلسطين الذي قرر بيع أثاثه والهرب إلى سورية، فينسج حول هذه الفكرة قماشة السرد، وتتابع الفصول الـ 14 المحكية بالضمير الثالث كاشفةً رحلة ـ زاهر ـ من عودته إلى بغداد حتى مغادرته لها، والراوي يضمر تقرير عمران الذي كتبه عن اختطافه حتى الفصل الأخير. وبين مدخل النص وخاتمته. يأخذنا السارد إلى عوالم بغداد وتفاصيل أمكنتها الخربة في زمن النص، واصفاً في مقاطع طويلة أحوال شارع الرشيد والسعدون والبتاوين، مستعيناً بما كُتِب عن بغداد وشوارعها في الكتب. والمقاطع التي ضمنها الكاتب رغم أنها لم تخل في انسياب السرد لكنها بدت طافية على سطحه لم تندمج في جسد النص، ويعود ذلك إلى نقص في التقنية، إذ كان من المفترض أن لا تأتي في العرض، بل من داخل النص؛ بجعل أحدهم يتحدث عن تلك التفاصيل بصفة المطلع من خلال الحوار مثلاَ ( ص86 -87 ـ 88 - 89 ) فكان السرد أقرب إلى التقرير الصحافي منه إلى السرد الروائي الفني، بالمقابل وفـّرت المقاطع المذكورة عمقاً تاريخياً للأماكن التي يصفها الراوي. والنص في العموم مهموم بوصف الأمكنة وتفاصيلها الصغيرة وهو شأن يمثل سمة عامة لجهد الكاتب في تجربته الإبداعية.

ولما كان النص مهموما ومكتوبا، من أجل الإحاطة بما يجري في بغداد، وقت القتل على الهوية، والتي عمل الاحتلال على ترسخيها، تمهيدا لبناء العراق الطائفي الجديد، فقد تكررت الكثير من الأوصاف والسرد، المعني بالخراب من أوساخ وذباب وتهدّم الجدران، مما جعلها تنأى عن تصوير التفاصيل النفسية للشخصيات. ضخامة الموضوع، وضيق المساحة المخصصة لتيمته جعلت المقارنات والأحكام عامة، وبأسلوب التعليق على الأحداث واستنتاجات تسرد على لسان الكاتب نفسه، أو عن طريق شخوصه.. وهي بديهيات عامة لا تمت إلى الوضع الذي يتعرض له النص بصلة، فالخصال موجودة في طبيعة الأشياء نفسها؛ كفكرة أن الدجاج يقدم خدمة للحياة وأنه مسالم أكثر من الإنسان عند مقارنته بما يفعله من خطف وقتل وتسليب، أو فكرة العاهرة بطبيعة عملها أشرف من المجرم ومثل ومعنى هذه الأفعال موجود بطبيعته، رغم البعد الغريزي للأول ـ الدجاج ـ والاجتماعي ـ للثاني، فالفعلان هما..هما بغض النظر عن الظروف التي تتغير بتغير الوضع البشري.

من التفاصيل المهمة الكاشفة لطبيعة الرجل العراقي ونظرته للمرأة، علاقة زاهر، ومحمد، وربيع بزميلتهم سهى وهي النموذج المتنور للمرأة العراقية في تلك الظروف المظلمة، صحافية ناجحة ترفض ارتداء الحجاب ومهددة من قبل الميليشيات المتشددة بحيث يخشى زملاؤها الخروج معها في مهمات عمل. رغم أفكار التنوير التي تلهج بها المجموعة طوال النص، والموقف من الاحتلال وقوى الظلام، ورغم حديثها عن العسف الذي تقع تحته المرأة العراقية إلا أن الثلاثة يحاولون الإيقاع بها. ربيع المتزوج والأكبر سناً تبلغ مدى شهوته حدود انتهاكها في مخيلته؛ إذ يقوم بممارسة العادة السرية في تواليت الصحيفة عليها مرة، وأثناء سكره في الغرفة المجاورة لزوجته، وعلي الشاعر لا يختلف عن ربيع بشيء، أما ـ زاهر ـ فيلعب لعبة أكثر حذقا فيقوم باستدراجها ليضاجعها في مكتب صديقه المقاول ـ عمران - وهذا الحادث يكشف جانبا آخر من وضع المرأة العراقية المأساوي والشائع سرا إذ يتبين أن - سهى ـ غير عذراء. هذه الناحية في النص أجدها مهمة جدا تكشف الجانب البشع والمعتم لشخصية الرجل العراقي والذي يفسر طبيعة المجرم والقاتل، ففقدان الضمير والشعور بالإثم من أهم أسباب تمكن القاتل من قتل ضحيته دون الشعور بالإثم، وبهذا المعنى فـ - زاهر- هو أيضاً قاتل بامتياز، فهو لم يشعر بالإثم مطلقا لمضاجعته ـ سهى - بل كان حريصا على عدم التعلق بها، واعتبارها أداة متعة. وكان حريصا على أن لا يختل نظام حياته. كما يفعل القتلة والخاطفون، الذين لهم حياتهم العائلية الطبيعية، وهذا ما صوره لنا تقرير - عمران - عن ظروف خطفه والأمكنة التي حلّ فيها، حيث حُجِز في بيت فيه أطفال وامرأة تخبز يعني حياة تجري على سجيتها.

بنى الروائي، كما ذكرت، روايته على حبكة تقرير عمران الذي أخبرنا في جملة النص الافتتاحية ( اختطف عمران المهندس في الخريف) ولم يخبر القارئ بتفاصيل التقرير الذي حمله معه وهو في طريقه إلى دمشق إلا في الفصل الرابع عشر الذي كان عبارة عن ذلك التقرير الذي ينتظره القارئ متلهفاً، لكن ذلك التقرير جاء عادياً لم يرتقِ إلى مصاف الفظائع التي رواها السارد في تضاعيف السرد، فعمران لم يُضرَب مرة واحدة، مما خيب ظن القارئ الذي كان ينتظر ذروة تتوج فظائع النص وتفاصيله.
لا بد هنا من الإشارة إلى علاقة زاهر بصاحب الجريدة، سعيد، الذي تحول تدريجيا إلى صف السلطة وعادت علاقته معه باردة وأصبح محاطا بجنود الحماية، وهو فعل يبين كيف يتحول فيه الإنسان بفعل السلطة التي يكتسبها فيصير شخصاً آخر مختلفا.
شخوص النص والعلاقات فيما بينها بدت باهتة لا عمق فيها، فمقدار الألم الذي خلفه مقتل صاحب المكتبة، أبو حسن، واختطاف عمران بالبقية كان لا يتناسب حسب وضعية الشخوص النفسية التي عكسها النص مع حجم الفقدان وهذا يشي بأمرين:
الأول: أن العلاقات التي نشأت في هذا الوضع الشاذ ليست حميمة وليست فيها صداقة وعمق وهذا ما أفضى إلى ردة الفعل الباردة تلك.

والثاني: إلى فقدان الشخصية المحورية، زاهر، لصداقات حميمة كما يصرح في جملة تعبر عن خلاصة تجربته بكون البيوت مثل الصداقات تخرب وتتبدل وهو مفهوم غير مطلق بل يخص طبيعة السارد وموقفه في الحياة ( فالصداقات مثل البيوت، كلما اكتملت في مكان سرعان ما تخرب، وتبنى في مكان آخر، سلسلة) ( ص 16).
لكن ألا يعبر ذلك الموقف عن طبيعة الخراب الروحي العميق الذي أصاب العراقي في معمعة الحروب والقتل طوال نصف قرن؟.
وما أصاب العراقي المنفي من خراب داخلي ظهر جليا ببرودته وأنانيته من خلال سلوكه طوال رحلة النص.
' نجمة البتاوين' من الأعمال المهمة المكتوبة زمن الاحتلال الأمريكي وتعد سجلاً تفصيليا وثقت فظائع فترة وجيزة في التاريخ العراقي المعاصر تعتبر من أشد فتراته قسوة. هذا التوثيق سجل بوضوح وصراحة وسلاسة تفتقر إليها الرواية العراقية التي كتبت حتى الآن عن نفس الفترة، وهذا هو الحال العديد من الروايات التي لم تتمكن من التعبير عن هول خراب العراق بعد الاحتلال. 
 
 



إقراء أيضاً


التعليقات

لا توجد تعليقات حتى الآن ، كن أول المعلقين

إضافة تعليق

كاريكاتير

إستطلاعات الرأي