اصدارات جديدةشعرقص.حواركتاب الأمةأدب عالمينقدفكراخبار ثقافية

فيديريكو غارسيا لوركا والعرب: في عروقي دم عربي! - ألبير بن سوسان

خدمة شبكة الأمة برس الإخبارية
2011-04-26 | منذ 9 سنة

ترجمة وتقديم: عبد المنعم الشنتوف  -   يكشف هذا النص الذي نقدم ترجمته العربية عن الافتتان الذي أبداه شاعر غرناطة القتيل فيديريكو غارسيا لوركا تجاه المكون ' الشرقي العربي' للهوية الثقافية الإسبانية.
يسعى المؤلف ألبير بن سوسان الأكاديمي الفرنسي المتخصص في اللغة والأدب الإسبانيين إلى القبض على السمات المميزة لهذا الافتتان من خلال دراسة معمقة لديوان لوركا ' أريكة تماريت' الذي أصدرته كونشا لوركا بعد سنوات من إعدام شقيقها على يد الفاشست الإسبان عن منشورات جامعة كولومبيا في نيويورك.
يتميز هذا النص بالإضافة إلى طابعه التوثيقي والتاريخي بقدرته على القبض على التحولات الأساسية في التجربة الإبداعية لشاعر غرناطة. ويمكن للقارئ أن يتمثل في المحاضرة التي ألقاها الشاعر عام 1922 عن كانطي خوندو والتي احتفى فيها بالتأثير المشرقي في الشعر الإسباني.


كتب فيديريكو غارسيا لوركا إلى صديقه خورخي كيلين بتاريخ 9 ايلول ( سبتمبر) 1926 قائلا إنه يستشعر الرغبة في ' الاستقرار'. بدا في الظاهر أنه يرغب في الحديث عن العمل أو منصب الأستاذ الذي كان يصبو إلى التنافس عليه. وقد تحدث في هذا المعرض إلى خورخي كيلين باعتبار كونه أستاذا للأدب في جامعة بلد الوليد؛ وهو ما كان يضفي على رأيه ثقلا خاصا. بيد أن لوركا كان يتأمل في الحقيقة في هذه الرسالة ما يمكن أن تكون عليه حياة الإنسان ' المستقر' ومن ثم السؤال المحتوم الذي طرح عليه مرارا وتكرارا والذي عبر عنه بقلمه: تخيل أنني أرغب في الزواج، هل يكون في مقدوري ذلك؟ وكان الجواب بطبيعة الحال سلبا. وسوف يكشف في هذا السياق عن مكنونات قلبه. أسر إلى صديقه الذي يكبره سنا: ' أرى جيدا أن قلبي يبحث عن حديقة، ونافورة صغيرة... حديقة في الهواء الطلق وتعمرها أوراق شجر رتيبة، ويمكن لحواسي الخمس المروضة داخلها أن تتأمل السماء'. أليس ثمة، إذن، امرأة؟ أليس لها وجود على الإطلاق؟


ومهما يكن، فإن القصائد الأخيرة في ديوان ' أريكة تماريت' التي نشرت عناوينها الثلاث الأخيرة في مجلة ' هيرو' عام 1932، وضمنها ' قصيدة حلم في الهواء الطلق' التي أنجز فيها البرنامج الذي أسر به لخورخي كيلين: حديقة في الهواء الطلق وأوراق الشجر الرتيبة، تغص بالجسد العاري للمرأة الشهوانية والمتاحة لرغباته الخائبة. احتفظ الشاعر بذلك الهوس بفينوس مجبولة من الرخام البارد وصورة امرأة أسطورية وعصية على الإمساك. سوف ينهل فيديريكو في غرناطة، وفي غمرة حماسه إلى العودة إلى الجذور ابتداء من صيف عام 1931، من الينابيع ويعيد الوصل بساحات قصر الحمراء، وتحديدا ساحة الآس التي أهداها إحدى قصائده. بيد أن افتتانه الأكبر كان موجها إلى هذا الشرق العربي الذي كان يحب أن يرتبط به وإن كان جهله مطبقا باللغة العربية التي كان يدرسها الأستاذ إيمليو غارسيا غوميز في جامعة غرناطة.

كان هذا المستعرب الكبير يشجع لوركا على الكتابة في هذا الجنس التعبيري ' الشرقي' الذي كان يمحضه ودا خاصا أو يكتشفه بالأحرى دون أن يرغب في التماهي به. كان يعرف أو يرغب في معرفة المصطلحات المفاتيح: الديوان وهو مجموعة الأغاني أو القصائد، وكان يكتبه بصيغته العربية ' ديوان' والغزل الذي كان يكتبه ' غازيلا' وهو أغنية الحب الأكثر كلاسيكية في الشعر العربي والفارسي الذي يتميز بإيروتيكية لا حدود لها، والقصيد الذي أطلق عليه اسم ' قصيدة' والذي يعتبر أغنية أكثر جدية. غير أن فيديريكو لم يكن يرغب في كتابة شعر عربي، ولم يكن يتوفر شأن أراغون في ' مجنون إلزا' ـ تنويعات شعرية على سقوط غرناطة عام 1492- على طموح إلى تبني إيقاع الزجل العربي. لم يكن يرغب في الاحتفاظ إلا بالشرق الأدبي والشخصي؛ حيث يكون في المقدور الاحتفاء بالأجساد العارية، وحيث تتأجج الرغبة وتبقى في الآن نفسه عصية على الإشباع.

سوف يؤكد بعناد لغوميز الذي نشر عام 1930 ' قصائد عربية أندلسية' وهي عبارة عن أنطولوجيا قصائد عربية قادمة من الأندلس: في عروقي دم عربي. وهكذا، إذن، سوف يكتب فيديريكو في الفترة ما بين 1931 و1935 القصائد التي سوف يضمها ديوانه ' أريكة تماريت' التي تحيل على تماريت وهي ضيعة واقعة في وادي غرناطة وتعود ملكيتها إلى عمه فرانسيسكو غارسيا، والقريبة من ضيعة سان فيثنتي التي تعود ملكيتها إلى والدي فيديريكو. وقد فكر في نشر قصائده وعددها إحدى وعشرون في إطار شعبة اللغة العربية في جامعة غرناطة، غير أن هذا المشروع لن يرى النور لسبب بسيط يتمثل في أن رئيس الشعبة كان ينتمي سياسيا إلى اليمين المتطرف في الوقت الذي كان يصنف فيه فيديريكو باطراد في خانة اليسار. وسوف ننتظر إلى أن تضع الحرب الأهلية أوزارها كي تستعيد كونشا شقيقة فيديريكو المخطوط من أدراج دار النشر التابعة للجامعة وتعمد إلى نشرها في نيويورك عام 1940 ضمن منشورات جامعة كولومبيا التي سبق لها أن احتفت بقوة بالشاعر عام 1929.
لئن كان صحيحا أن الشعر العربي يحتفي بالصحراء، فإنه يأتي ذلك أيضا من أجل الاستفادة من فضائلها، وأعني الزهد والتقشف والتصوف والحكمة. وكان فيديريكو يجد في داخله انجذابا حيال هذا الشعر. ربما كانت له في هذا الخصوص معرفة بالتصوف، وإن كان من المؤكد أنه قرأ رباعيات عمر الخيام في ترجمتها الإسبانية. وعليه، فإن الصحراء موجودة في ضفة تماريت، ولكن بمعزل عن ضفاف لا فيغا الأندلسية، فإنه يحدث القراء عن صحراء قلبه وعطشه الشديد.

نجده في قصيدة 'الطفل الجريح بسبب الماء' وحيدا ومنهكا بين جدران غرناطة، وهو يترقب طلوع النهار. والسؤال الذي طرح والحالة هاته: من أجل أي أمل وبغاية أي تجدد؟
يصرخ قائلا : أية صحارى للنور تحفرها رمال الصباح؟. ترد هذه الكلمة باطراد في قصائده وهي ييسو، وترمز إلى الجفاف وصحراء الروح.. ولا نتحدث بعد ذلك إلا عن القبر و' الكلاب الرصاصية' و' الصبار الأسود' و' الأقواس المكسورة' و' الكواكب المعتمة' مع التشديد على هذه الصفة ' معتم' التي سوف تستخدم أيضا لتخصيص سوناتاته الأخيرة المتعلقة بـ ' الحب المعتم' الذي يميز ذلك الحب الذي لا يجرؤ على الإعلان عن حضوره - و' شمس العقارب' و' مطر الملح' - والذي لا يملك أيضا غير الإفصاح عن مطر الملح والكبريت الذي يسقط فوق سدوم الإنجيلية الذي كان فيديريكو يختزنها في ذاكرته؛ بحكم أنه كان يعتزم كتابة مسرحية اختار لها عنوان ' تدمير سدوم'، - والجذور المرة' و' القلب المصنوع من الجبس' و' الوادي الرمادي لجسدك'. كم من الصور السلبية؟ لا يتعلق الأمر هنا بالأندلس، بلد الجذور التي رأى النور فيها وعاش بها والأشجار المثمرة التي يملكها أبوه أو خرير وادي خينيل، ورغم الحضور العنيد لغرناطة وبوابتها إلفيرا، وساحة الآس و' ناقوس البيات'. يتعلق الأمر في الحقيقة بروحه المتصحرة التي يقوم بتعريتها هنا وهو يحتج بشعر عربي يبعد عنه بآلاف الأمكنة. وثمة هذا التقديس لجفاف الأمل:
أذهب غير مبال بالماء باحثا عن موت من نور يستنفذني.


حقيق بنا أن نشير إلى أن الشعر العربي وخصوصا الغزل يتميز في المقام الأول بكونه شعرا إيروتيكيا. ونحتفي في سياقه باللذة وسكر الحواس، والجسد المرغوب فيه للمرأة أو الرجل، والخمر، والنشوة. وجنة محمد كما يمثل لها في الزخارف والمنمنمات لا تعدو كونها حديقة ملذات. كان لوركا على معرفة جيدة برباعيات عمر الخيام، وخصوصا حافظ الذي كان يشيد في محاضرته عن ' كانطي خوندو' عام 1922 بقصائده الغزلية. كان لوركا معجبا بالفعل برجل شيراز وشاعر الفرس الذي تغنى بالخمر والنساء الجميلات والأحجار الغامضة والليل الأزرق اللامتناهي'. يذكر لوركا في السياق ذاته شاعر القرن الثالث عشر سراج الوراق و' قلبه الذي كان يحترق وسط النيران المحتدمة'. وهي صورة سوف يستعيدها لوركا لصالحه في ' أريكة تماريت'. سوف يسوق علاوة على ذلك نموذج الشاعر ابن الزياري، وقد اكتشفهم من خلال أنطولوجيا ' قصائد أسيوية' المنشورة في باريس عام 1933: ، والتي أعيدت كتابتها وفق نظام التقفية الإسبانية من لدن غاسبار ماريا دي نافا كونت نوروفيا.
نتساءل والحالة هاته عما إذا كان هذا الجسد المرغوب فيه موجودا في الشعر العربي للوركا. لم يكن الشاعر يتغنى من المرأة إلا بـ ' الجسد المنفلت إلى ما لا نهاية' ويرفض في المقابل إغراءه ومتعه ومفاتنه الغامضة.
لكن لا تضيئي عراءك الناصع
مثل صبار أسود مفتوح على الأسل..
اتركيني وسط قلق كواكب معتمة
ولكن لا تكشفي عن خصرك الناعم
يتموقع فيديريكو داخل الرغبة، وليس في الامتلاك، وينذر نفسه للغموض وليس للكشف، ويلتذ بالانتظار وليس بالوصول، ووفق طريقة تذكرنا نوعا ما ببول فاليري: ' ذلك أنني عشت وأنا أنتظرك. تبقى المرأة بالنسبة إليه ضدا على رؤية آباء الكنيسة القرسطوية إليها باعتبارها ' كيس قاذورات'، هذا الكائن الغامض الذي يقبل ناحيته عبر الفضاءات القذرة والمضطربة للعتمة. وفي قصيدة المرأة المضطجعة، وبعيدا عن الفينوس المنحطة لعصر النهضة أو الجسد الجميل والعاري لفينوس فيلاسكيز التي تهب مؤخرتها الفاتنة، فإن لوركا لا يستطيع أن يقبض داخل هذا العراء الواهن إلا على دلالة جنائزية:
بطنك مزيج من الجذور
وشفتاك فجر دون حدود
وتحت الورود الدافئة لسريرك
يئن الموتى وينتظرون دورهم
يقينا إن الوردة كانت تبحث في تصوره عن شيء آخر، وهو يكرر ذلك فيما يشبه اللازمة داخل قصيدة الوردة. ثمة موضوعة واحدة تهيمن على هذه المجموعة الشعرية وتتمثل في الموت، وهو امتداد لجفاف الروح، و تجلية لهذا ' الجذر المر' الذي يلح على شعر نهايات الزمن. وهو يدعو على سبيل الختام هذه اليد المنقذة، أو اليد المستحيلة:
لا أريد شيئا عدا هذه اليد
من أجل زيوت هذا اليوم، واللحاف الأبيض لاحتضاري
لا أريد شيئا عدا هذه اليد
كي أسند جناح هذا الموت
قيل واستهلك كل شيء. ولم يعد ثمة مجال في نهاية سنة 1935 وقبيل شهور من وفاته إلا لهاته السوناتات القليلة للحب المعتم حيث يتحدث فيديريكو أيضا عن هذا الآخر المرغوب فيه، والذي يشبهه إلى درجة يستحيل معها أن يكون هو. وهاته القصائد التي ائتمن عليها من كان صديقة الأعز منذ زمن فرقة الباراكا، وهو رافاييل رودريكيز رابان، كان مصيرها في الغالب الحفرة التي ثوى فيها هذا الأخير، وقد كان أحد ضحايا الجمهوريين في الحرب الأهلية. غير أن إحدى عشرة سوناتة تم العثور عليها ونشرها بعد غياب الشاعر. كان عنوان الديوان الذي احتفظ به يقينا لمجموع السوناتات التي عثر عليها مقصودا من لدن الشاعر الذي كان منجذبا إلى أكثر الشعراء الصوفيين الإسبان إيروتيكية وهو سان خوان دي لا كروز الذي تغنى بالحب الذي تحتفظ به الروح المسيحية حيال خالقها ووفق الطريقة التي تتغنى فيها عاشقة بحب عشيقها. يتعلق الأمر بداهة بتفسير لنشيد أناشيد النبي سليمان الذي تتغنى به الروح اليهودية كل جمعة كي تستقبل يوم السبت:
في ليلة معتمة
ثمة صبوات حب متوهجة
آه من المغامرة السعيدة
خرجت دون أن ينتبه إلي أحد
حين عاود الهدوء بيتي...
فوق نهدي المزهر
الذي احتفظ بالنسبة إليه باكتماله
ظل نائما فيما كنت أداعبه
ومروحية الأرز تلامسه..
كيف كان في مقدور فيديريكو أن لا يشدو بهذه الأبيات التي تخاطب بقوة الشاعر الذي كان في الظاهر مائلا على صدر حبيبته؟ كان الشاعر في هاته الأبيات يسقط على نفسه بواسطة الكتابة صفات الأنوثة. كيف لا يسعنا أن نتذكر أيضا هاته الأبيات من هاته الشعلة المتوقدة للصوفي الإسباني وهو يحتفي باللمسة الحانية واليد التي تداعب. لكن في صحراء روحه المختلفة كلية عن المحصلة الخصبة للصوفي، لا يحتفي لوركا بغير ليل روحه المعتم إلى ما لا نهاية. وبعيدا عن اللمسات المهدهدة للحبيبة - الروح النصرانية تستسلم لليدين الحانيتين للخالق - فإن لوركا لا يفصح إلا عن ' الصوت السري للحب المعتم'، وهذا ' الجرح الحي' و' إبرة الحقد' و ' الوردة المخنوقة'. لا يسعنا النظر إلى القصيدة الأخيرة التي احتفظ بها في هذا الديوان الصادر بعد رحيل الشاعر إلا بوصفها شكوى مستمرة من حب من طرف واحد.
رفضك الذي يقابل صمتي
سوف يضيع في غمرة الموت
الذي لا يترك حتى ظلا للجسد المرتعش..
يتعلق الأمر، إذن، بالكلمة التي تؤشر على النهاية. وسوف يهب فيديريكو جسده المرتعش لكتيبة الإعدام ويموت، وهو إلى الأبد منهك ومكبوت ومغبون حيال هذا الشاهد الوحيد الذي تمكن من ' رؤية مشهد اغتيال ورودي'..
 
 



إقراء أيضاً


التعليقات

لا توجد تعليقات حتى الآن ، كن أول المعلقين

إضافة تعليق

كاريكاتير

إستطلاعات الرأي