اصدارات جديدةشعرقص.حواركتاب الأمةأدب عالمينقدفكراخبار ثقافيةشعبياتفضاءات

الغـرفــة المضيئــة

2021-06-10 | منذ 1 أسبوع

الشارقة - علاء الدين محمود

إذ كنت من مستخدمي «فيس بوك»، وهو واحد من أهم مواقع التواصل الاجتماعي من حيث حجم المشاركة والحضور المستمر، فإنك تجد، وبصورة يومية، تنبيهاً يشير إلى ذكرياتك في الموقع، فهو يعمل على تجميع كل النشاط السنوي، ليستعرضه بمناسبة مرور عام عليه، وللقارئ أن يتخيل أن هذا الأمر يحدث كل يوم عندما

تشير عقارب الساعة إلى بدء يوم جديد، كمية من الصور والمنشورات القديمة الشخصية والمرتبطة بمناسبات متعددة، اجتماعية كانت أو ثقافية وسياسية، وتثير كل صورة أو منشور ذكريات معينة تقفز إلى الذهن، ويجد المرء نفسه يعود إلى تلك اللحظة عبر «الفلاش باك»، ويحدث نوعاً من التداعي، والعصف الذهني، حيث يتذكر مناسبات أخرى لها علاقة بالصورة، ويجري حواراً داخلياً محفزاً للذهن، كأن يستدعي لحظة كتابة المنشور أو الصورة، وما يرتبط بها من حدث، مما يعني أن هناك نشاطاً ذهنياً قد حدث على مستوى الذاكرة،

مما يشير إلى فائدة تلك الوسائط في فعل التذكر، فكل مواقع التواصل الاجتماعي تقوم بحفظ مناسبات المشتركين فيها، ويعتمد «فيس بوك»، على تقنية «التايم لاين»؛ أي التسلسل الزمني، وهو المكان الذي يُمكّن المشترك من مشاهدة منشوراته، وكل نشاط له من أول يوم له في الموقع، حسب تاريخ نشرها، وهي تسمح للآخرين أيضاً من الاطلاع على كتابات الأصدقاء والصور وتسجيلات الفيديو والصوت الخاصة بهم.

تأثير سلبي

إن الكثير من الدراسات عن التأثير السلبي للتقنيات الإعلامية والوسائط الإلكترونية على الذاكرة، انطلقت من مجرد تكهنات، وذلك ما أشار إليه العديد من الخبراء، ووفقاً لدراسات جديدة صادرة من مراكز أبحاث بريطانية، فإن شبكات التواصل الاجتماعي تسهم في تنمية ذاكرة المستخدمين؛ إذ إن المرء عندما يعود متعمداً أو مصادفة إلى حدث قديم، فإنه يستدعي سيلاً من الوقائع المرتبطة به، بل ويقارن بين موقف أو رأي جديد وقديم، وهل فارقه وقطع معه أم ما زال يتمسك به؟، وذلك يظهر من خلال المناقشات الفكرية والسياسية بين الأصدقاء على تلك المواقع، ونلاحظ أن المستخدم إذا طرح فكرة جديدة حول موضوع ما، فإنه ربما يُفاجأ بأحد

المشاركين في النقاش يذكره بأن لديه رأياً مختلفاً في وقت سابق من ذات القضية المعينة، فمن فوائد تلك المواقع، أنها تحفظ موقفك ورأيك الذي أدليت به حول أي موضوع، بالتالي فإن مواقع التواصل الاجتماعي تساعد كذلك في تقييم الإنسان لمواقفه السابقة، ما دامت محفوظة، وتساعده في فعل المراجعة، ومن ثم تبنّي أفكار جديدة.

ولئن كان الكثير من المبدعين والأدباء والمثقفين يقومون بتدوين أفكار أو شذرات أو نصوص متفرقة غير ناضجة أو ليست مكتملة في منشوراتهم اليومية، أو في الصفحات الأدبية الإبداعية المتخصصة في مجالات الشعر والقصة القصيرة والقصيرة جداً والرواية، بصورة عفوية، فإن بعضهم يعود إلى تلك الكتابات مرة أخرى؛ ليشتغل عليها ويطورها إلى نص إبداعي رفيع المستوى، وذلك حدث كثيراً، وهذا يشير إلى دور تلك

المواقع في مسألة صقل التجارب وتطوير الأدوات، وذلك يحدث لأن الكاتب أو المبدع يجد نفسه يستخدم تقنية تحفظ له كل كلمة أو نص يدونه، بالتالي يساعده ذلك الأمر في تنمية موهبته، فأي نص أدبي هو نتاج خبرة حياتية أو ذكرى معينة، وما تفعله الوسائط الإلكترونية أن تحفظ تلك الذكريات، وربما لن يحتاج الباحثون

والدارسون والنقاد إلى اقتفاء أثر كاتب أو مبدع من خلال مخطوطات وأوراق قديمة متناثرة ومتفرقة، بل يكفي الذهاب إلى موقعه أو صفحته في «فيس بوك»، أو «تويتر»، ليجد جانباً كبيراً من سيرته وأعماله العفوية والناضجة.

قضية محورية

قضية الذاكرة استحوذت بصورة محورية على اهتمام الأدباء والمبدعين، فالكثير منهم من شعراء ونقاد وروائيين ورسامين، يحرصون على اقتناء «ألبوم» للصور يوثقون فيه حياة الطفولة والصبا والشباب الباكر، والعلاقات الحميمية مع الأهل والأصدقاء، والمناسبات السعيدة والحزينة التي جرت في حياتهم، وفي كل مرة

يفتحون فيها ذلك «الألبوم»، تتلفت قلوبهم ومشاعرهم نحو الماضي؛ حيث تتداعى الذكريات، ولعلنا نذكر كتاب «الغرفة المضيئة»، أو «غرفة التظهير»، للناقد والفيلسوف رولان بارت، والذي هو بمثابة رحلة عبر الزمان والمكان، عبر دلالة الصور القديمة، فبارت كان قد خصص غرفة بإضاءة معينة في منزله؛ ليستعرض بصورة مستمرة ذكرياته من خلال ذلك «الألبوم»، فكل صورة لها ذكريات معينة بكل محمولاتها العاطفية والوجدانية،

فالصورة «كرمز» و«علامة»، لها حضور وفكرة مختلفة عند بارت؛ لكونه سيميائياً متخصصاً في علم الدلالات، فلئن كان هو وغيره من المبدعين قد استخدموا تلك «الألبومات»، من أجل حفظ صورهم وتوثيق ذاكرتهم وسيرتهم وتجاربهم في الحياة، فإن مواقع التواصل هي بمثابة غرفة مضيئة حديثة بتقنيات عالية، تحفظ الذكريات، فالصور الفوتوغرافية والكتابة الورقية، معرضة للتلف والتبدد؛ حيث تضيع معها أحداث وحياة

وذاكرة كاملة، بعكس التقنيات الجديدة ومواقع التواصل الاجتماعي التي تحفظ الأرشيف من أحداث وصور وكتابات إلى الأبد، ما لم يقرر المستخدم نفسه أن يحذف تلك الذكريات.

تشيخ الذاكرة بصورة طبيعية مع تقدم الإنسان في العمر، ولئن اعتقد البعض أن مواقع التواصل الاجتماعي هي أماكن افتراضية يهتم بها الشباب، فإن دراسات حديثة قد أكدت على تزايد عدد المستخدمين المسنين للإنترنت،

بحيث إن ثلث من تتخطى أعمارهم ال65 عاماً، يستخدمون مواقع التواصل الاجتماعي، وفقاً لاستطلاع لمركز «بيو للأبحاث»، في العاصمة الأمريكية واشنطن، والذي أشار إلى أن تلك المواقع، إضافة إلى غرف الدردشة والرسائل النصية القصيرة، لم تعد حكراً على الصغار، وقد تبين أن إدمان كبار السن وشغفهم بالعالم الافتراضي له جانب إيجابي على صحتهم النفسية، خاصة على مستوى تحسين الذاكرة لديهم.

لقد اهتمت التقنيات والاتصالات الحديثة بأمر الذاكرة، بل وقامت بتصنيع أجهزة صغيرة قائمة بذاتها، لحفظ الملفات والتي يطلق عليه اسم «الفلاش ميموري»؛ أي الذاكرة، بأحجام مختلفة من حيث السعة، تمكن المرء من حفظ ملفاته من صور وكتابات ومواد صوتية ومرئية وغير ذلك بطريقة مثالية، فقد أصبح هنالك ذاكرة صناعية لا تلغي نظيرتها البشرية، ولكن تسهم في تحسينها وإنعشاها، وبقاء كل ما يقوم به المرء في هذا العالم حياً متقداً.



إقرأ أيضاً


التعليقات

لا توجد تعليقات حتى الآن ، كن أول المعلقين

إضافة تعليق





كاريكاتير

إستطلاعات الرأي