رَشَا جليس والبحث عن استراتيجيات الفكاهة السوداء في مقامات الهمذاني

2024-05-21

مروان ياسين الدليمي

يستحق بديع الزمان الهمذاني أن يمتلك صفة الكاتب المجرب، طالما اختار أن يكون نتاجه الأدبي الذي عُرف بالمقامات، غير خاضع لما هو متداول في زمنه وبيئته الثقافية من أشكال فنية في الكتابة، وقد امتلك الهمذاني أفقا بعيدا في ما كان يسعى للوصول إليه، خلال سفره الطويل بحثا عن المعرفة، ومن هنا أخذته موهبته وفطنته إلى اجتراح ضفة جديدة من التفكير والاشتغال الإبداعي لم يكن قد سبقه إليها أحد، فكانت تجربته في عالم الكتابة الإبداعية مغامرة فنية اشتبكت ملامحها مع فضاء التجريب، طالما اكتسبت مقاماته تقنيات خاصة بها، بالتالي أصبحت شكلا أدبيا ارتبط باسمه، ونالت مقبولية وشيوعا في الذائقة العربية، رغم أنها كانت من حيث التجنيس شكلا غريبا عن البيئة والثقافة العربية آنذاك.

والمقامة كما يذكر أبو العباس القَلْقَشَنْدِيّ (756 هـ/ 1355م – 821 هـ /1418م) إنها» الأحدوثة من الكلام، لأنها تُذكر في مجلس واحد يجتمع فيه الجماعة من الناس لسماعها». ولعل من أبرز جماليات المقامة عندما ظهرت أنها كانت متمردة في تقنياتها عن المعيارية السائدة في الكتابة، فجمعت في بنيتها وضمن قالب نثري العديد من الأجناس الأدبية التي كانت شائعة في العصر العباسي مثل الحِكم والأمثال والألغاز والنوادر والحكايات والطرائف والمواعظ والخطب والشعر. ولأنَّ المقامة الهمذانية كانت قد تخطت في شكلها حدود النمطية، واغتنت بروافد أدبية ودينية واجتماعية، ما وضعها في مكانة تجنيسية خاصة تنفرد بها، فقد أصبحت مادة للعديد من الدراسات والأبحاث، التي حاولت استجلاء عوالم السرد القصصي والتبحر في أنماطه أو مظاهر شخصياته أو لغته، نظرا لتعدد مستوياته وفرادة هذا المصدر السردي، وما يحظى به من مميزات نقدية، جعلته مصنفا يستعصي على منهج بحثي واحد يسبر غوره.

«القمر الأمرد» والقراءة التناصية

كتاب «القمر الأمرد» الصادر عام 2024 عن دار زينب للنشر والتوزيع في الأردن للباحثة الأردنية رشا جليس، يأتي باعتباره محاولة جديدة في البحث الأكاديمي ترتكز على التعامل النقدي مع المقامة الهمذانية، وفقا للقراءة التناصية الضالة، واختراق العلاقات الموروثة والمتشابكة، التي تكشف ظروف ومكونات المقامة وركائزها الجمالية والإبداعية، سواء أكان على مستوى التلقي في المجلس لصناعة الضحك والفكاهة ومحتواها المعرفي، أم على مستوى الخطاب السردي وتركيب مكوناته، وعناصره الجمالية، والبلاغية شعرا ونثرا. كل هذه العناصر التي استثمرها الهمذاني جعلته ينسج بخياله القصصي لونا أدبيا متجانسا بين الشعر والنثر، يتحرك في مجاله بطلان مخلصان لفئة المهمشين والمتسولين في قاع المجتمع العباسي هما، عيسى بن هشام وأبو الفتح الإسكندري.

الابتداع في المقامة

تأتي قراءة النص الهامشي بانتقاء وتحليل عشر مقامات متعددة في مستوياتها وصياغتها لمعنى «البلاغة» انطلاقا من الأطر المعرفية والشكلية لتحليل مفهوم الابتداع الأدبي في المقامة الهمذانية، أي ذلك المفهوم الذي يشير إلى المحرّك الخيالي لهذه القصص، بما أضافه الهمذاني من رسومات خيالية لاحقة طوّرها بإبداعه واكتسبت شرعية الولادة المعرفية من المرجع النصي والسفر الزمني المفتوح، التي حرّكت الأديب من المركزية إلى الهامش. فضلا عن ذلك يهدف هذا الكتاب للكشف عن استراتيجيات الفكاهة السوداء وآلياتها اللغوية والميكانيكية في المقامات والحوار النوعي لجنسي الشعر والنثر. عنوان الكتاب» القمر الأمرد « يشير إلى اسم بطل من أبطال «المقامة البشرية» وهي المقامة الأخيرة، التي تنتمي إلى المخيال الشعبي الجاهلي، وصناعة البطولة والفروسية على يد الأمرد، الذي سرعان ما يقلب خطاب الجد إلى الهزل، ويفتح السرد على مصراعيه للسخرية اللاذعة والفكاهة السوداء، عبر بلاغة المنظوم، والصراع الملحمي للثأر والانتقام من أبيه بِشر.

محتويات الكتاب

توزع الكتاب على خمسة أقسام، وقد رصد القسم الأول علاقة الهمذاني بالجاحظ، أي الوراثة والأبوة الساخرة بين الناثرين، وذلك عن طريق موازنة بخيل الجاحظ مع مكدّي الهمذاني في المقامتين الوصية والنهيدية، وارتكز القسم الثاني على كشف حضور الجاحظ بطلا هزليا هامشيا على مأدبة الطعام في المقامة الجاحظية، في ظلّ صياغة «بلاغة الصنعة» أما المقامة المارستانية فتتبع هامشية المتكلّم في صياغة المحتوى الأيديولوجي وعلاقته بتشكيل النص وجماليته الفنية. وفي القسم الثالث يمكننا أن نتخيل حديث الشاعر والوضع الأدبي في المقامة الغيلانية، حين ألبس الهمذاني الشاعر قناعه الهزلي وسخر منه عبر «بلاغة الصمت». ويمتد إبداع الهمذاني بأن يشكّل البناء السردي للمقامة الإبليسية، بإبداع متناسخ من النص المحرّم لأبي نواس، وينسج به حديثا أدبيا مع الشيطان الذي يرصد «بلاغة المنظوم» وتأثيرها في «التلّقي» ولّذة النص.

ونرصد في القسم الرابع الكيفية التي يحدّثنا فيها الهمذاني عن الشعر ونقده في المقامة العراقية والبغدادية، وسنّة العرب في المقامة القريضية التي تمارس ملفوظات لعبة الألغاز والأحاجي، أما القسم الخامس فينتقل بنا إلى البناء التخييلي الهزلي في السردية الجاهلية، وزمن الصعلكة والبطولة الهامشية في حكاية بشر بن عوانة الأسدي في المقامة البشرية. هكذا نتعامل مع هذه النماذج انطلاقا من التعددية الأسلوبية والجمالية للنص الهمذاني ورؤيته لوظيفة الأديب ومفهومه المتعدد للبلاغة ودورها الهزلي والوظيفي كقناع هزلي بين البلاغات الآتية: بلاغة المنظوم وبلاغة الصمت وبلاغة الصنعة وبلاغة التلقي.

سيرة الهمذاني

بديع الزمان الهمذاني واسمه أَبُو اَلْفَضل أَحمَد بْن اَلْحُسَين بن يَحْيى بن سَعِيد اَلْهمَذَانِي اَلتَّغْلِبِي، كان قد عاش خلال القرن الرابع الهجري (358 هـ/969 م -398 هـ/1007 م) وتلقى العِلم على يد اللغوي أحمد بن فارس، كما انضم إلى حلبة شعراء الصاحب بن عباد، ثم التقى بالخوارزمي وتواصل معه قبل أن تحدث بينهما قطيعة، بعد أن تفوق عليه الهمذاني في مناظرة جرت بينهما نظرا لسرعة خاطرته وقوة بديهته. وينتمي الهمذاني إلى أسرة عربية معروفة بعِلمها ومكانتها الاجتماعية العالية، استوطنت مدينة همدان في بلاد فارس، حيث ولد هناك فنُسب إليها. ولشغفه بالعلم والمعرفة فقد أتقن اللغتين العربية والفارسية وأصبح عارفا بآدابهما، وشغفه في طلب المعرفة دفعه إلى أن يجوب بلاد فارس طولا وعرضا، إلى أن وافته المنية في مدينة هرات.

كاتب عراقي









كاريكاتير

إستطلاعات الرأي