رؤية أكثر وضوحا!
2020-01-27 | منذ 4 أسبوع
 بروين حبيب
بروين حبيب

لم تكن دروس التاريخ التي أخذناها أيام المدرسة مفيدة لنا في شيء، كان بالإمكان تأجيل قراءة التاريخ لحين بلوغنا عمر استيعاب ما نقرأ، جاءني هذا الخاطر وأنا أتابع فيلم «بالون» الألماني بإيعاز من بعض الأصدقاء، حين فتحنا موضوع الألمانيتين، والاختلافات بينهما، ليس فقط من حيث النظامين المختلفين للبلدين، بل من حيث الإنسان الذي أنتجه كل نظام، مع أنماط تفكيره وثقافته وتعاطيه مع الحياة.

اتكأ المخرج مايكل هربيج على قصّة مبنية على وقائع حقيقية، ليست بعيدة عن الجنون في أقصى أشكاله، لأشخاص فقدوا كل الآمال في مكان ومحيط، حوّلهم إلى جثث تتنفس وتمارس حياة فارغة من أي لذّة بفقدان أهم عنصر، إلى حين انبثاق تلك الفكرة الانتحارية التي تضع الحياة الكريمة في كفّة والموت في كفّة. محور القول إنّ هناك دائما عينٌ محايدة ترصد تاريخ الأشخاص والأوطان، إن ليس في حينه بالطريقة التسجيلية المعهودة، فإنه يتم في ما بعد بطريقة استقرائية دقيقة، وهي الطريقة المختلفة تماما عن تلك التي يعتمدها المنتصرون. تلك العين بدون أدنى شك هي عين ذلك المرهف، الذي لا يرى الانتصار والهزيمة كما يراهما الآخرون، كونه يرى تلك الأعماق الغائرة خلف غابة من الأرقام والتواريخ والأحداث، التي لا معنى لها في الحقيقة…

ينبلج المشهد التاريخي بكل مساوئه وإيجابياته عند قيمة الإنسان لدى الأطراف جميعها، وذاك ما كنت أراه دائما في قراءة خسارات وانتصارات الفيالق المتقاتلة، في حروب البشر التي لا تنتهي.

في فيلم هربيج نرى الصراع الذي حدث بين الألمانيتين عبر حوارات أفراد من عائلات متجاورة في المنطقة الشرقية، تعيش جميعها تحت حكم نظام مخابراتي مرعب، يشارك في دعمه كل مواطن تقريبا، بمراقبة الآخرين حوله، من جيران وأصدقاء ومعارف، ومشاة في الطريق.. نعود مباشرة إلى زمن جدار برلين الذي بُني لوقف زحف الفاشية، درس لم أفهمه ولم أحاول فهمه إلى لحظة متابعتي للفيلم… فأدركت أن الجدار بني لوقف هروب الأدمغة، بدت فكرة بناء منطاد عملاق لتجاوز الجدار نحو ألمانيا الغربية، فكرة نابعة من أدمغة تعمل، لتفادي رصاص حراس الجدار، الذين لم يرحموا أي شخص حاول الهروب للجهة الأخرى، من خلال أول مشهد في الفيلم يختصر النّزيف البشري الهارب من جحيم الحكم المخابراتي.

ما ثمن الحرية؟

إنها حتما ليست بثمن الحياة، فقد أصر مبتكرو البالون أن فكرة الموت من أجل الحرية فكرة سخيفة، وإلاّ اختاروا السجن الألماني الشرقي برفاهيته الاشتراكية، حيث الناس متساوون في المأكل والمشرب، شرط ألاّ تُلفّق لهم تُهم فجائية بالخيانة، وهي التهمة التي سجن وعُذِّب وقضى بسببها الآلاف. يرمي الفيلم إلى فك لغز معقد، مختصرا سرد تفاصيل الحرب العالمية التي التهمت الرجال (بشكل أكبر) والنساء، وأخلّت بالتوازنات البشرية في النسيج السكاني الألماني، كما اختصر سرد الصراعات السياسية بين الاتحاد السوفييتي آنذاك، وفيلق الأمريكيين بجناحيه الأوروبيين، وقدم لنا ملخصا جميلا عن معنى أن تكون مُدَجَّنًا، من طرف نظام يجنّد ألف غبي للقضاء عليك، لأنك تفكر حتى يحمي نفسه، ونظام يطلق سراحك ويمنحك كل الفرص لتقوم بكل ما تريده فتحمي نفسك وتحميه بمزاجك.

 

لا بأس في النهاية من الخروج من بعض الأنفاق التي تقزّم الإنسان بتعريته من طاقات عقله، وتجميدها أيديولوجيا، ولا بأس بهذا المشهد الألماني الذي يبقى بكل فجواته المختلفة عنّا، نسخة طبق الأصل لأعماقنا

 

تأخذني فكرة «بالون» إلى كتاب «القارئ» للألماني برينهارد شلينك، الذي قرأته بعد أن شاهدت الفيلم من بطولة كيت وينسلت، التي تألقتفيه تألقا لا مثيل له، حيث اكتشفت الفروق الكبيرة بين النص الروائي والمعالجة السينمائية له، وهذا ليس مهما الآن، لأن المهم هو القراءة التي صنّفت الكتاب ضمن الأدب الصهيوني، الذي أعاد رسم مشهد المحرقة للأجيال الجديدة المجروفة زمنيا، نحو مفاهيم لم تنصف اليهود. وفي اعتقادي دائما، كل نص يُقرأ أيديولوجيا بمعزل عن جوهره الإنساني يسقط في فخ الإساءة إليه، فقد قرأت النص بعين أخرى، رأيت فيها ما يمكن أن يكونه المرء، بدون أسلحته المناسبة لعصره، وأقصد حتما الأسلحة المتشكلة من وعي الشخص نفسه، فقد كان «الكتاب» الرّابط بين شاب في الخامسة عشرة وعاملة أمية تكبره بعشرين سنة، بكل إسقاطاته الروحية والجسدية، حتى أنّه استطاع أن يقرّب لنا صورة الخسران حين لا نملك زمام حياتنا بقوة الوعي. ظلّ القارئ عشيقا يكتشف جغرافيا جسده وجسد المرأة المهوسة بسماع القصص، إلى أن اختلّ التوازن بينهما، حين ظهرت الفوارق الصعبة بين شاب يبني ذاته بأدوات عصره، وامرأة عاشت «اللذة» فقط، أو المحسوس بالمعنى الواسع أو المخدّر الجميل، وهو يتدفق من أعماقها إلى ملامسة كل المقاصد التي نعرفها، من خلال الشرح الطويل الذي قدّمه رولان بارت بمجهوده الفكري في كتاب.

نقف عند كل تفصيل «لغوي ـ حسي» وقفة جادّة، حتى ندرك معنى الأنظمة التي تربي جسدا مفرغا من مقوّماته الضرورية لخوض الحياة، وأخرى تؤسس للصلابة العقلية والمتانة الاقتصادية لبناء إنسان سويّ وقويّ. ثمة خيط رفيع بين الكائنين المشتركين في حياة ذات تقاطعات إجبارية، خيط لا يكفُّ عن الالتفاف حول نفسه بحركة عنكبوتية عجيبة، تفضي إلى حقيقة مؤلمة، وهي أن نهاية الإنسان التي تكون وخيمة حين يتم خداعه في المرحلة الحاسمة من عمره، وهي مرحلة التعليم، يصبح أمام مصيرين، أولهما الموت البطيء، وثانيهما الانتقام بغضب ممن خدعه. قد نعتقد أن الخيبات نتائج اضطرارية لأخطاء غير مقصودة، لكن ماذا بشأن الحرب؟ وماذا بشأن القسوة التي تُجرّد الإنسان من قوة وطاقات عقله؟ أي سلطة هذه التي تمنحها أنظمة ظالمة لنفسها، لتقسم حصص الوعي على شعوبها حسب المناطق والأعراق والهويات الدينية، والانتماءات السياسية؟

حين كتب غونتر غراس روايته «طبل الصفيح» ربما لم يعرف أن الرواية ستدخل الواجهة العالمية للآداب، وأنّها ستتحوّل إلى فكرة سينمائية مجنونة، قبل أن تأخذ مكانا حساسا في الوعي الأوروبي، ومنه إلى العالم كله، لكنّه حتما صبّ فيها كل رؤيته الفذة لإيصال أفكاره. إذ فوق كل القراءات المطروحة يعيدنا غراس إلى الطبيعة البشرية، التي ترفض القهر والسيطرة، في اعتماده على جمع خلاصة التجربة الإنسانية، بعد أعنف حربين عاشهما العالم، راسما خطًّا بيانيا لتقاطعات الوعي والنمو الجسدي، لشخص لم تلائمه طبيعة المحيط أو لنقل أنه صدام الأدمغة بسقف الأنظمة. عرض تمادى فيه غراس إلى صوره القصوى، ليقدم لنا ما لم يقدمه لنا خطباء التاريخ المؤدلج، والمُعَاد بناؤه مرات عديدة وفق المطلوب دائما من الأنظمة الحاكمة. حتى هذه اللحظة، أشعر برغبتي تزداد لأعيد قراءة «طبل الصفيح» لأعقد مزيدا من المقارنات المهمة بين ما تطرحه معادلات الوعي، ومعادلات اللاوعي، وهي في الغالب شبكات متداخلة في مجتمعاتنا، لدرجة تصعب فيها الرؤية لما يختفي خلف الشِّباك.

لا بأس في النهاية من الخروج من بعض الأنفاق التي تقزّم الإنسان بتعريته من طاقات عقله، وتجميدها أيديولوجيا، ولا بأس بهذا المشهد الألماني الذي يبقى بكل فجواته المختلفة عنّا، نسخة طبق الأصل لأعماقنا، فثمة داخل جلودنا الملساء المختلفة الألوان الخامة نفسها، وهذا لا يُخفى على أحد، لكن هل ندرك ذلك بكامل وعينا؟ إن بقي السؤال عالقا فذلك عائد لتعدد الأجوبة، والرؤى، لكننا لن نختلف أبدا في ما اختصره كاتب فرنسي لا يحضرني اسمه حين قال: «الروائي مؤرّخ لما لا يمكن رؤيته».

 

  • شاعرة وإعلامية من البحرين


مقالات أخرى للكاتب

  • جو المتفائلة على مرّ السنين
  • جوقة في السماء
  • ابتكار الثقافات

  • التعليقات

    لا توجد تعليقات حتى الآن ، كن أول المعلقين

    إضافة تعليق

    كاريكاتير

    إستطلاعات الرأي

    البوم الصور