ماذا بعد التوقيع؟
2026-06-20 | منذ 1 ساعة
نبيل عمرو
نبيل عمرو

توقف القتال الرئيسي بين أميركا وإيران، وحسب متطلبات المفاوضات، كانت تقع مناوشاتٌ مسيطرٌ عليها، انطلاقاً من اتفاق الطرفين، على تجنّب العودة إلى الحرب، ولكلٍ منهما أسبابه الخاصة به.

التوقيع الذي تم عن بعد في باريس وطهران على مستوى الرؤساء، هو خطوةٌ على مسار الألف ميل المفترض أن تحلّ فيه جميع القضايا الأكثر تعقيداً بحيث لم يتجاوز التوقيع عناوين هذه القضايا، تاركاً حلولها لمفاوضاتٍ يُنتظر أن تكون صعبةً، وفي تقديرات متابعي النزاع الأميركي - الإيراني، سوف تكون أكثر صعوبةً من المفاوضات التي جرت مع أوباما والتي أدّت إلى الاتفاق الذي ألغاه ترمب.

أهمّ العوامل المؤثرة سلباً على المسار التفاوضي بين الجانبين، هو دخول إسرائيل إليه بعد أن طُردت منه، وذلك من البابين اللبناني والغزّي، حيث الساحتان اللتان تعتبرهما إسرائيل نموذجيتين في التأثير على اليوم التالي لما بعد التوقيع.

لبنان حيث المشروع الأميركي بشأنه تصعّب إسرائيل على إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب معالجته بامتناعها عن وقفٍ نهائيٍ للعمل العسكري على ساحته، والانسحاب منه من دون نزع سلاح «حزب الله»، الذي هو هدفٌ أميركيٌ إسرائيليٌ مشتركٌ ومتفقٌ عليه، وبالنسبة لإيران التي استماتت في دمج حالة «حزب الله» مع الحالة الإيرانية في مجال الحل، ورفض إسرائيل لذلك، فليس في واردها حرق ورقة «حزب الله»، بعد أن استثمرت فيها لتحسين شروط الحل مع أميركا، وفي هذا السياق لا تزال الورقة هذه صالحةً للاستخدام، إلى أن تُسفر المفاوضات عن إغلاق كل الملفات كما تسعى إيران لذلك.

أمّا غزة، فلها في إسرائيل حسابٌ أهم بكثيرٍ من الحساب اللبناني، ذلك أن حرب إسرائيل على غزة، وإن كانت ذريعتها الأمنية هي الأكثر تداولاً، إلا أن الرؤية الإسرائيلية لها تعتبرها جزءاً لا يتجزأ من الحرب الوجودية التي لا تزال تخوضها على كل الجبهات، بل إنها المركز لهذه الحروب، وفي الحديث عن حالة غزة لا يغيب عن المشهد ما تفعله إسرائيل في الضفة، حيث دمج المكانين المتباعدين جغرافياً في حربٍ واحدةٍ قوامها التهديد باحتلال غزة كلها، بعد أن أحكمت سيطرتها بالنار والحصار على كل جغرافيتها وديمغرافيتها، مع التهديد بضمّ الضفة، إن لم يكن رسمياً وعلنياً بفعل الحذر من ردود الفعل الدولية حتى الأميركية منها، فمن خلال تعميق السيطرة المباشرة وغير المباشرة عليها، وتشديد الحرب الاقتصادية، ما سيؤدي إلى إنهاء الدور السياسي المعترف به للسلطة، بتجريدها من أدوات السيطرة على أرضها وجمهورها، ولو بالحدود الدنيا التي تؤهلها للمشاركة في أي ترتيباتٍ مستقبليةٍ تتعلق بالتسوية كيفما كانت.

لبنان وفلسطين هما الرهينتان اللتان توفران لإسرائيل مدخلاً إلى المسار الأميركي - الإيراني، ونفوذاً فعّالاً يجري تعظيمه بصورةٍ متسارعةٍ على الأرض، مستغلةً انشغال العالم في رهاناته على حل المعضلة الإيرانية، وإنهاء تأثيرها المباشر على استقرار أسعار الطاقة وأمنها وممراتها، حيث الأضواء الساطعة تتركز عليها... وبفعل ذلك تواصل إسرائيل الإمساك برهينتيها، إذ لم يعد لديها ما تدخل به إلى المعادلة الإيرانية سواهما.

المعضلة التي أنتجتها لعبة الرهائن، والاستثمار الإسرائيلي فيها، تكمن في غياب سيناريو دولي ينطلق من نصوص وروح قرار مجلس الأمن الرقم 2803، الذي كتبت سطوره الأولى في غزة، وتأسس بمقتضاه مجلس السلام العالمي برئاسة ترمب، واقتيدت إسرائيل إليه بالسلاسل، إلى أن أسفر تحريضها الملح عن الحرب على إيران، ليبدو كما لو أن رياح هذه الحرب بددت كلّ ما تمّ الوعد به من سلامٍ دائمٍ وشاملٍ في الشرق الأوسط.

بعد التوقيع الذي تم وبدء المفاوضات، يُنتظر من أميركا التي لا تزال المؤثر الأول في ساحات الحرب، من دون أن تكون كذلك في مشاريع السلم، أن تتجاوز حالة الزهو بما وقعّت عليه مع إيران، إلى النظر بواقعيةٍ أكثر وحساباتٍ أدق لما يحتاجه الشرق الأوسط فعلاً من معالجاتٍ، مع الأخذ في الاعتبار أن دول العالم كله متفقةٌ على حتمية استقراره، من خلال إطفاء جذوة الحروب فيه، ومتفقٌ كذلك على أساسية الدور الأميركي في هذا الاتجاه، ويا لها من مفارقة أن الذي يخرج عن هذا الإجماع الدولي النادر هو الحليف الأول لأميركا الذي يواصل التعامل مع القضايا الأساس الملتهبة في الشرق الأوسط، كمجرد رهائن لتحسين الشروط وتعظيم النفوذ.

 

*هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولايعبر بالضرورة عن رأي موقع الأمة برس - الشرق الاوسط



مقالات أخرى للكاتب

  • العرب والمسلمون ليسوا مجردَ وسطاء
  • مشيتُ في جنازة دولةٍ عظمى!
  • جنين... اقتتال داخل سجن مغلق










  • كاريكاتير

    إستطلاعات الرأي