آدم وحواء

2020-12-08 | منذ 6 شهر

ساجدة طراف*

يكمل آدم وحوّاء دربهما ويمشيان معاً في ذلك الطريق المليء بالأشواك. هي تمسح دماءه الحمراء بلون تفاحة قرمزيّة، وهو يمسح دمعها الأبيض كقلب تفاحة فضّيّة.

نظر آدم إلى حوّاء وهي تحاول تزيين شعرها بغصن توتٍ وابتسم. فكّر للحظة، أيكون الله قد صنع غصن التوت هذا حتى يراه مشبوكاً بخصلات شعرها؟ كانت قد أتت لتوّها من عالم الأرواح وقوالب الأجساد. نَضِرة، فتّيّة، طازِجة، نديّة كغصن طريّ وليّن.

وكانت لا تزال تحاول أن تتعلّم المشي بخُطى صغيرة مُرتبكة. تنظر حولها حيرة، خَجِلة وخائفة تماماً كما كانت حاله هو يوم شهق شهقته الأولى. لكنّ ذلك سُرعان ما استحال طمأنينة وأماناً. ففي عالم السماوات، غمرتهما أنفاس الله الدافئة حتى انتشيا.الآن هي كل ما لديه، الوحيدة المُتبقّية له من رائحة الجنّة. شريكته في الذنب ورفيقته في العقاب. كان لا يزال يحاول استيعاب ما حصل. فبالأمس كان في الجنّة، واليوم هو هنا في هذا المكان البعيد، ينظر إلى السماء فلا يرى سوى نجمة خافِتة تلمع.

عندها بكى، ضمّته حوّاء إلى صدرها. انتحب، ومسحت دمعه. كانت المرّة الأولى التي يجرّب فيها هذا الماء المالح الذي يخرج من بئر وجهه. لم يكن بحاجة للبُكاء فوق، فقد كان سعيداً، هادئاً، مُطمئنّاً. وقد كان يرقب شلال دمع الملائكة من بعيد، ويسأل نفسه: ما هو الدمع؟ كم كان يشعر بالحزن، في عالم الأرض السفليّ الموحِش والخالي من أغنيات الملائكة.

كان آدم وحوّاء حزينين للغاية منذ دخلا في دوّامة الموت والزمن، حتى أنّهما شرعا يتشاجران حول مَن كان السبب في أكلهما من تلك الشجرة المُحرَّمة. يقول آدم:" ألم تكوني أنت قد استلقيت على غصن تلك الشجرة بجسدك الأبيض، وأنت تضعين التفاحة على شفتيك الحمراوين؟". تنتفض حوّاء مُستنكرة وتُجيب:" ألم يكن لعابك يسيل لتلك التفاحة منذ منعنا عنها يا آدم"؟ لكنّ آدم يُصرّ قائلاً:" أنت سبب المعصيّة وأصل الفكرة".

في حين تُجيب حوّاء مُدافعة عن نفسها:" بل أنت موجِب الذنب، ومُحرّك الشهوة".

يطول الخِصام وفي خضمّه يقبّل آدم حوّاء، فيصمت الإثنان ويسكنان... ثمّ ينظر إليها، ويُفكّر في خَلَجات نفسه، ما معنى أن تكون حوّاء تشبهه إلى هذا الحدّ، مع كل تلك الاختلافات؟ لا شكّ أنّها أيضاً إنسان، إنسان مثله، بل إنّها مرآته حين يعجز عن رؤية نفسه.

إنّها هو، خليط عجيب من الـ" تشبهني" و" تختلف عني"، هذا ما كان يشكّل سحراً جميلاً في دواخله. إنّه يحبّها، بالتأكيد، لقد شعر بذلك منذ رآها أول مرّة وقد كان شعوره البكر بتلك القبضة التي تسمّى حبّاً معها، ولكن ما معنى أن يحبّ الإنسان إنساناً؟ وما هو الحبّ؟  بالأمس كان كل شيء جميلاً، وكان وجودها يزيد النعيم نعيماً.

أمّا اليوم فوجودها ضرورة من ضروريّات حياته. كم يختلف هذا المكان عن المكان الذي كانا فيه، حتى أنّه لا يستطيع وصف الفارِق. إلا أنّه يشعر بالغُربة وروحه تبحث عن شيءٍ ما بِنَهَمٍ كبير.

روحه تبحث عن العشق الأوّل، النور السرمديّ، عن أرومة المحبّة، عن الله. وإلى اليوم، يومنا هذا، يولَد أولاد آدم وهم يحملون ذات الشعور وفي أعماقهم ذات الرغبة، رغبة عميقة ومجنونة بأن يتنسّموا بخور الله... إلى اليوم يولَد أولاد آدم وحوّاء وهما يتخاصمان:" كل الحقّ على حوّاء، هي مَن أغوَت آدم! بل كل الحقّ على آدم، أين اختياره وحكمته؟".

ثمّ يلوم الأولاد أبويهما الأوّلين على حِرمان البشر من النعيم الدائم. وتضحك الملائكة في هَدْأة السماوات لأنّ حكمة الربّ تفوق رغبة الأجساد والشهوات وتسوقها.

ويكمل آدم وحوّاء دربهما ويمشيان معاً في ذلك الطريق المليء بالأشواك. هي تمسح دماءه الحمراء بلون تفاحة قرمزيّة، وهو يمسح دمعها الأبيض كقلب تفاحة فضّيّة. في الدرب الممتدّ لأزمان فارِعة، يحملان وِزْر الذنب الأوّل سويّة ويتشاطران حزناً عتيقاً وأبديّاً. يمشيان في الدرب الطويل، تائهين معاً، حائرين معاً، ما يهمّ إنّهما معاً.

 

  • كاتبة من لبنان

 



إقرأ أيضاً


التعليقات

لا توجد تعليقات حتى الآن ، كن أول المعلقين

إضافة تعليق





كاريكاتير

إستطلاعات الرأي