مريض الألفة

2020-12-06 | منذ 6 شهر

(عزيز عمورة)

محمود الريماوي

يحدوه الفضول والروح "الإيجابية". يدلف الزائر منفردًا وبقدرٍ من التهيب إلى مطعم متوسط الدرجة. يتخيّر طاولة بكرسيين،  يطلب وجبة بعد التمعن في قائمة الطعام، وخلال ذلك  يتفحص لبرهة ملامح النادل ويتوسّع قليلا في الحديث معه، وفي العادة يطلب خبزا مع الوجبة، وقد يزيد على ذلك باستفسارٍ ما، يعكس قلقه شبه الدائم، فإذا ما راق له المكان والطعام  والخدمة وتعامُل النادل معه (وعلى الأغلب  فإن هذه الأمور ستروق له، كونه غير متطلب)، فإنه سيعود إلى المطعم، وسوف يختار الطاولة ذاتها إن وجدها، وسوف يبحث بعينيه عن نادل المرة الماضية، فإن لم يجده يغتمّ بعض الشيء، من غير تراجع عن اختيار المكان، وبإتمام العودة ثانيةً فإن صاحبنا يقع بسلاسة وتسليم في شبِاك الألفة.. وهي شبِاك حريرية متينة لا فكاك منها.

ذلك ينسحب على المقهى بعد أن يتم تخيّره بين مقاهٍ عدة لاعتبارات متعددة تتعلق بالموقع ودرجات الهدوء والصخب داخله، واذا ما كان المقهى عامًّا يرتاده خليط من الناس أم فئويا.. تجول عيناه في جنبات المكان، وينتظر قدوم النادل، فإذا سارع هذا بالمجيء فإن أسارير الزائر تنشرح، يسأله فنجانا من قهوة أو شاي، فإن لم يتأخر وصول طلبه، وإذا وصل طلبه مشفوعًا بابتسامة النادل، وإذا ما كان مذاق المشروب سائغًا، فإن خيوط الألفة تشرع في الامتداد نحو المكان وما ومن فيه.

ينطبق ذلك على الفندق بدءًا من مكتب الاستقبال مرورا بالمصعد إن وجد، وليس انتهاءً بغرفة الإيواء. فإن لم تكن هناك عيوب ظاهرة، وإذا كان المستوى العام للمرفق جيدًا مقارنة بسعره غير المرتفع، فإن المكان يحظى بالرضى ساعة بعد ساعة ثم يوما تلو يوم، وسوف يفكر الزائر أول ما يفكر بالعودة اليه، ما إن تتسنى له زيارة ثانية إلى المدينة، فلماذا تجشم عناء البحث عن فندق أو نُزل آخر وقد نال هذا الرضى وحقق المبتغى؟.

بالوسع القول إن بقية الأماكن مرشحة لألفة سريعة، بما فيها الشارع الجانبي والخلفي، وعربة بائع الفواكه عند ركن غير بعيد، ومحل الحلويات الشعبية، والسوبرماركت والعامل فيه، وصراف العملة. ثم بلاط الرصيف الملاصق للفندق، وواجهات البنايات.. ثم سائق التاكسي وقد تبادل معه حديثًا شيقا وإن كان قصيرا.

حتى إن موجودات غرفته الفندقية، تثير لديه رابطا عاطفيا بها: التلفزيون والسرير والكرسي والنافذة والثلاجة والمرآة والجدران والباب ومفتاح الباب. سوف يفارق هذا "البيت" الذي صادف فيه الراحة والسكينة، وخلُد فيه إلى النوم ورأى بعض المنامات، وساورته بعض الأفكار الملهمة، واستقبل ضوء النهار، وتلقى تحية الصباح من عاملة التنظيف، او ربما من عصفور لم يره لكن تغريده تناهى إليه.

وحين تؤذن إجازة الزائر على الانتهاء، فإنه يأخذ بالنظر ــ إلى ما ظلّ يراه في أيام زيارته ــ نظرة وداع مقرونة بأسى شفيف، إذ سيفارق نادل المقهى ونادل المطعم وموظف الاستقبال وبائع الصحف، وقد لا يلتقي بهم مجددا.

يحاول صاحبنا إقناع نفسه في كل مرة أنه مجرد زائر، وأن الزيارة قصيرة، وأن عليه تفادي الألفة مع الأماكن الطارئة والأشخاص العابرين، وأن يتخفف من الحمولة العاطفية، لكنه يخفق في الإصغاء لصوت العقل.. البارد.

وكأن من يفكّر ويتفحص الأمور هو شخص آخر غيره. وفي الطريق إلى المطار تأهبا للعودة إلى الديار، تتجمع الصور في ذاكرته الطرية، ومعها الروائح والأصوات فتداهمه كآبة ثقيلة، ويتولاه شعور بالندم على خيار السفر، الذي لا يمكث منه في النفس إلا ألفة الاشخاص والأشياء.. كي  تحل بعدئذ  النهاية اللعينة المحتومة: الوداع والفراق.

ترتبط الألفة بطاقة شعورية وبنزوع سيكولوجي يتباين عُمقه وشدّته بين شخص وآخر، غير أن صاحبنا الذي يعترف بلا لُبس وبغير تردد بأنه "مريض الألفة"، يجد كما يبدو في مشاعره الكثيفة وتعلقه العاطفي بالأماكن والأشخاص والأشياء.. يجد في ذلك محاولة لتثبيت المتحرك، وتعميق ما هو عابر بعد الإمساك به، وتأصيل الطارىء بعد القبض عليه، حتى لا تتبدد الحياة هذر مذر في أيامٍ هاربة، وحتى لا يبدأ دائما يومياته من نقطة الصفر.

وعليه.. لنلتمس ــ نحن العقلانيين العمليين- لأخينا عذرا، فتلك طريقته في التفاعل مع الحياة، ولكل شيخ طريقة.

 



إقرأ أيضاً


التعليقات

لا توجد تعليقات حتى الآن ، كن أول المعلقين

إضافة تعليق





كاريكاتير

إستطلاعات الرأي