على حافة النجاة أو هاوية الخلاص

2020-11-29 | منذ 2 شهر

غمكين مراد*

أن تقف على خيطٍ رفيعٍ كأنهُ من ضوء، يفصلُ بين: الخلاص نجاةً أو انتحارا، وبين العودة إلى حيث لم تعد هناك الظلال التي كانت تقيكَ في ما سبق، هي حالة الشخص الناوي على الهجرة، وهو واقفٌ على زبد ماءِ البحر، الباقي من مدهِ لحظةً.

يحق لي أنا الباقي تحت ظلالي التي أتفيءُ بها، حتى إن كانت ظلالاً مُصطنعة من دخانِ نار الصراع، أو من أنفاس الموت المعلقةِ بمهماز الحرب، يحق أن أسأل: ما الذي يدفعُ بناوي الهجرة أن يخوض غِمار المواجهة مع عُباب الموج واللا امتداد النظري للبحر، ويحمل في قلبه فلذات كبده ضغطاً، متجمعين حولهُ صارخين بحاجتهم إلى ابتسامةٍ، لا يؤمنها ذلك الضغط والبؤس المتراكم على وجهِ وملامحِ وحركاتِ هذا الناوي على الهجرة، بعد أن ترك خلفهُ ما بناهُ وأسسه ليعيش غدَه وغدَ أولاده؟

يبقى السؤال مُلحاً لدرجة أن المضي المُنتظر، يتراوحُ بين الوصول وتحقيق المبتغى لأولادهِ، والأهم بالنسبة له، الخلاص من كوابيس الحرب: من جوع وخوف وموت و..و.. وبين العودة القهقرى، والنوم بين فيافي تلك الكوابيس، أي أن اختيارهُ للخوض في هذه المقامرة يستند إلى هذين الاحتمالين، اللذين في جزءٍ من روحيهما، انتحارٌ تتكفل بهِ الصدفة والقدر المبني على المجهول، وبالتالي يضع حداً لكلتا الحالتين: أي لكل ما سوّد قلبهُ وغدهُ وسوّد الدنيا في بُعده المعيشي الآني، وحتى المستقبلي، وذلك مع مناصفة الترجيح للاختيارين!

هكذا امتحان تُقبلُ نتيجتهُ بصدمةٍ أقل نوعاً ما، في ما لو كنتَ وحيداً، لكن أن تكون أنت بشخصكَ وحيرتكَ، الواجهة الوحيدة لتراكم أسئلة النظــــرِ، أو حتى النُطقِ من أطفالٍ هم جزءٌ منكَ لا يحملونَ عبء السواد الكبير في قلبك، لهو امتحانٌ في مواجهة الآلهة، بقدرها وجلالها، ليس أقل أن شهادتها أو وثيقتها تُقدر بالقداسة؟

الناوي على الهجرة عبر البحر مع أطفالهِ ينسى مصائر السابقين له، ينسى لفظ البحر للساقطين فيه، ينسى أو يتناسى سفن الموت التي قذفتهم بين الصخور، على الرمال، مُنتفخين، مُزْرقينَ، كأي جماد، لا تأبه لها أمواج البحر، يتناسى طريقه، فقط، يتذكر أن قلبه يُعاني من انقباضٍ مُتقلصٍ إلى حد حجمِ قنبلةٍ قابلة للانفجار في أي لحظة، يتذكرُ، لماذا هو هنا على ساحلٍ ليس سوى ذلك الخيط الرفيع على حافة النجاة، أو هاوية الخلاص، يتذكرُ، لماذا باع كل مُلكه، ذكرياتهِ، حبهِ، وطنهِ، شهادته، بعد أن نخر ابن البلد في البلد ما سمم بهِ الهواء والتراب، الذي نجا منه إلى هنا، إلى الخيار الأصعب والخارج عن بداهة قرار الانطلاق نحوها. إنها لعبة مصائر تائهة في أتون النجاة، سواء بقاء ضائعاً أو انتحاراً باقياً كحظ؟

أمام هذا المصير، أيّ فرويد وأي يونغ وأي أدلر بشري، يمكن أن يُحولَ هذا الناوي إلى حالةٍ أو دراسةٍ، لا يمكن، إلا إن كان المذكوران متقمصين هذا الناوي حيث هو! لا يحملُ هذا الناوي مفتاحَ اللحظة التاليةِ، أو حتى الماضيةِ، كلتاهما تقودانه كأعمى إلى حيث لا يدري، فقط اللهم أنه نوى، حتى تنتهي بهِ إلى الابتسام أو قد ينشطر الحزن إلى ندمٍ ودمعٍ في فقد جزئي، أوقد يكونُ ما يكون ما دامَ قد نوى إلى ما يسمى الخلاص، أياً كان هذا الخلاص.

 

  • شاعر سوري

      



إقرأ أيضاً


التعليقات

لا توجد تعليقات حتى الآن ، كن أول المعلقين

إضافة تعليق





كاريكاتير

إستطلاعات الرأي