السكن في الهامش وطلاء الذاكرة

2020-11-09 | منذ 7 شهر

ناتالي الخوري غريب*

بالخواء نكتب الفصول الجديدة، بتجهيز الحفرة في الهامش والسكن فيها، بذلك الشعور «بأنّنا لا شيء ولا نريد أن نكون شيئا».

قرار السكن في هامش النص مريح، والنظر من هناك إلى المتن يريحنا من ضجيج الصور والأصوات والوجوه، والتباسات الحواس الطالعة منها. تجعلك الإقامة في الهامش تدرك أنّك بحجم حشرة، لكنّها حشرة لا ضارّة ولا نافعة، سعيدة بخفّتها وعدم القدرة على رؤيتها. في الهامش أنت بعيد عن الواجب وكلّ أفعال الاقتضاء فيه، أنت حرّ طليق بلا انتماءات، بلا كليشيهات، «بلا ولا شي».

هناك، أنتّ حرّ من المعنى، زاهد فيه وفي البحث عنه.

الاستغراق في الذات طريق نحو المواجهات المؤجّلة مع الداخل في أصباغه العتيقة العنيدة العصيّة على الزوال، حيث العبث بأفخاخ التراكمات، مع الجهل بنتائج تفاعلاتها على مدى السنين، فلا تعرف إمكانات الانفجار في وجهك.

يعرّضك الاستغراق في الذات إلى خطر أن تصبح أشلاء، وتتشلّع من دون القدرة على استعادة وعيك الذي دخلت فيه، وعلى الرغم من كلّ ذلك، في العودة في منتصف الطريق خطر الشلل الذي يجعلك عالقا هناك.

العودة إلى خارجك مستحيلة، والبقاء على الأبواب يجعلك شريدا مترددا تائها بلا قرار. وحين تكون عالقا في منتصف الطريق تكثر الهذيانات. هذياناتك التي تجمعها، تطمّ فيها فجوات الطريق كي لا تقع! أحلامك التي تكدّسها لتقف عليها في موازاة التلال، سرعان ما تراها تحترق أمامك.

صلاة العاجز قطعة شوكولا! تمضي وتبدأ من جديد، وتكدّس أحلاما جديدة تحترق من جديد، «وتغسل مصيرها» من جديد، لا وقت لإطفاء شيء، لا قدرة على ذلك، لا طاقة للغضب، لا طاقة للحزن. لا جدوى من النظر الى الوراء، لا شيء.. فقط لا شيء. كلّ ذلك، كي لا تستغرق في الداخل، أو تؤجّله.

تدخل خطوة واحدة عند الباب بعد إطالة الشرود، تحاول البدء بالطلاء! ذلك الطلاء الأبيض الذي تنظّف به ذاكرتك، ومن ثمّ تمرغ به عينيك، تلك الانطباعات التي تدعها تعبر بلا حواجز ومساءلة، تلك البلادة التي تقرأ بها الحدود الفاصلة بين المصائر.. هي كلّها الألفة التي تنسجها مع وعيك بأنّك لا شيء، ولا تطمح أن تكون شيئا.

وتعود حالات الشرود التي تحملها معك كي تقيك مجدّدا من كلّ ما يستغرق انتباهك ففي إصرارك على الفصل عن الواقع. تعود الى الهامش الذي جعلته مسكنا لك، تعرف أنك هناك في طمأنينة الوجود غير المرئي.

أحيانا يكون أقصى طموحك أن تكون لامرئيا، ترى ولا تُرى، تراقب من بعيد، وتقول لو لم أكن موجودا! لكن هل أنت موجود حقّا؟

السكن في الهامش أو طلاء الذاكرة، كلاهما نسختك الواهية التي كنتَ تحاول تمتينها بآراء جاهزة واقتباسات مثالية، رتابتك الذاتية التي تسعى إليها وتسمّيها توازنا، تكاسلك في الخطوات نحو اللاشيء.

 

  • أكاديمية وروائية لبنانية

 



إقرأ أيضاً


التعليقات

لا توجد تعليقات حتى الآن ، كن أول المعلقين

إضافة تعليق





كاريكاتير

إستطلاعات الرأي