في لغة الطين

2020-11-08 | منذ 7 شهر

("حبكة لقيامة محتملة"، علي شرّي، عمل تركيبي، 2018)

علي شِرّي

ترجمة عن الإنكليزية: مريم جنجلو

في مكانٍ ما، على ضفافِ نهرٍ عظيم، ينتصبُ رجلٌ وَسط الوَحْل مستظلًا بِسدٍّ ضخم. لَيس بالإمكان تمييز قامته عن الطين من بعيد. جسدُه الملطّخُ به، البقع المتناثرة في وجهِهِ كالنّمش؛ حتى البنّي الغامقُ في عينَيه مُتماهٍ معها، يميّزُهُما فقط بريقٌ مُتوهّج مثل فُلوسٍ تلمَع فوقَ ذَيْلِ سَمَكة. ربّما هو الرَّجلُ الأوّل، الذي شكّلتهُ الآلهة بيدَيْها وَعلى هيئتِها.

الإنكا، الماوري، البابليون، المصريون القدامى، الصينيون، الهندوس، اليوروبا، السومريون. إمبراطوريات قامت وَتداعت، بِحار وَجبال ماجَت وَسنون انطوَت، والكلُّ يتناقل القصة نفسها: الإنسان وليدُ الطين.

حتى بروميثيوس الحكيم، صبّ البشر من ماءٍ وتراب، وَسَرَق من جبال الأوليمب قبَسًا من النار مُسبِغًا عليهِم قوّتَها.

في عصورٍ مُتلاحقة، توحّدت الآلهةُ في إلهٍ واحد، التقَمَ الميثولوجيا التي صدّقناها فيما مضى وَصبّها في قالبٍ آخر، لكنّه احتفظ بالقصّةِ الأساس: الإنسان وليدُ الطين.

شكّل الرّب الإنسانَ من تراب الأرض، وَنَفث زفيرَه في خياشيمِه، فأضحت له روحٌ حيّة.

 وَلقد خلقنا الإنسانَ من طين.

من الطين جُبِلنا أوّل مرة. من الطين تناهى إلى أسماعِنا أنّنا صُنِعنا. ثم نَسينا، أو تناسَينا، لنتَوِّج أنفسَنا بعدَها صُنّاعًا.

عند الظهيرة، يتنقّل رجل الطين بين الأعشاب الطويلة، يتعقّب صَوت النهر من قبل أن يلمحَه بِعَينَيْهِ الثاقبتين.

خَريرُ النهر بالنسبة له مجموعُ أصواتٍ تُنشد في حَفْل.

تموّجات تعبُر وجهَ الماءِ الرّاكد، تصطفّ فوقَه كَقواربَ حينًا وَتتدافعُ كَقاذفات أحيانًا.

طنين اليَعاسيب وَالنَّحل في دورانِها الدّائخ، جَوْقاتُ الزّيزان الرّتيبة وَالخنافس المائية. رفيف جوانح البعوض وَهو يغطّ على الجِلد وَيحفر في المسامّ. ترقُّبُ الطيور وَهي تحطّ بِصبرٍ لِدقائقَ طويلة، وَمن ثُم تقتحمُ الماءَ لِتقتنص ما تحته.