قرط الزبيب

2020-11-06 | منذ 7 شهر

 «ضربُ الحبيبِ مثلُ قرطِ الزبيبِ، وحجارتُه رمان».

حيدر عبد المحسن*

في الريف العراقي يعتقد الناس أن المرأة إذا جلست في مكان نقلت إليه شيئا من حرارتها، فلا يجوز للرجل الجلوس في المكان نفسه حتى يبرد، وتزول عنه النجاسة. تُضرب المرأة عندنا قبل الغداء وبعد العشاء، حسب ما يقول المثل، بل إن العقاب مفيد لها: اكسرْ للبنت ضلعا يطلع لها أربعة وعشرون. ولا أحد يدافع عن المرأة غير قلبها، فهو يضطرب، يتألم ويبكي. قلب المرأة الرقيق

يكابر كثيرا، وينتصر قليلا: «ضربُ الحبيبِ مثلُ قرطِ الزبيبِ، وحجارتُه رمان».

لكن الرجل يقسو ويشتد، و«ثخّنها» هذه المرة. روى لي أحد الرعاة أنه هاتف نسيبه بواسطة الموبايل يسأله عن أخته التي تكثر في السؤال والطلبات، وأفتى له الأخ بضربها، لكن الضرب أنواع، فأي نوع تقصد؟ سأله الزوج. أجابه خال أولاده: كسّرها! يقول: فقمتُ إلى أشدّ عصا عندي أسوق بها البهائم وبدأتُ بذراع زوجتي أولا، ثم الساق، وكنت أريد أن أكسر لها ظهرها، لولا أنني استغفرت الله. قال الراعي ذلك، وارتسمت على وجهه مخايل قسوة غير سوية.

زرتُ هذا النسيب الذي أفتى بضرب أخته، زوجة الوحش الراعي، في بيته في مدينة النهروان، جنوب شرق بغداد. كانت البنت اليتيمة مطلّقة وعادت تسكن مع أخيها، أحاول أن أقدّم هنا وصفا للمكان، حيث الباحة فيها فضلات الشياه، والبنت المسكينة تمشي على عكّاز. تكنس، وتنظّف باحة الدار.

سألت عن عمرها وأجابني أخوها، بعد تذكّر طويل، إنها لم تبلغ العشرين. مضت سنوات عدّة إذن على حادثة الضرب المشؤومة، فكم كانت الطفلة رقيقة العود حين كسّرها الوحش الذي لا يخاف الله؟ كنت أشعر بالصفاء وبرغبة ملحّة في الحديث معها، لكن التقاليد هنا تمنعني من القيام بذلك.

صاح بها الأخ أن تستعجل عملها، وسحب نفسا من سيجارته فالتمعت شعلتها، وتلاشى صوته وبقي السكون حولنا، يقطعه صوت المكنسة التي كانت عبارة عن سعفة يابسة. البنت ترتعش مع كل خطوة بسبب ضعفها، وثيابها ملطخة بالعجين اليابس والطحين.

كم تشقى في خدمة هذا الأخ الذي لا يفعل شيئا غير أن يدخّن، ويبقى مغتمّا كئيبا طوال الوقت. حاولتُ أن أحفظ كلّ ما تقوم به البنت، أدرسه، وأفكّر فيه عن كثب، حتى أنني كتمت أنفاسي لئلا تفوتني من عمود الصبر هذا ولو لمحة، وهو يذوب ببطء. كان الحزن قد طمس معالم وجهها، وصيّر له لونا مبهما غير محدد كأنه مزيج من الغبار والظلمة. استعجلت إنهاء عملها وفرشت لنا بساطا كي نجلس، وكانت أهدابها ترفّ في الأثناء بسرعة، ثم سعلت، وظلّت تسعل ويختضّ بدنها كله ويتضاءل. ما الذي يمكنني فعله وأنا ممنوع من الكلام معها؟

أكثر ما يُضرب من النساء هنّ الزوجات، ومردّ ذلك هو الفهم المنقوص للآية: «اللاتي تخافون نشوزهنّ فعظوهنّ واهجروهنّ في المضاجع واضربوهنّ». إن تفسير فعل «الضرب» في الشرع ليس هو «الجلد» وإنما هو المباعدة والابتعاد خارج الزوجية، لكن العامة لا تفهم هذا التفسير الشعريّ والغامض للفعل، وتذهب بدلا من ذلك إلى معنى الضرب بمفهومه العام. وصار هذا الطقس في بعض البيوت كأنه إحدى العادات التي أدمن عليها الزوج والزوجة، لو تأخرّت عن موعدها فإن خللا أكيدا سوف يصيب المنزل، الذي يضمّ هذين الزوجين غريبيّ الأطوار، لكن الشائع في مجتمعنا، الذي صار من الثابت فيه أن الضرب هو نوع من الترياق الذي تحتاجه الزوجة في الروح وفي البدن، بل إن الأمر يبلغ بها إلى أن تقتنع بصواب هذا الرأي، وتستمرئ الدفاع عنه أمام المعترضين من الأصدقاء أو الأهل، ويصل بها الظنّ إلى أنها تمتلك اليقين في أمور حياتها، في الوقت الذي لا تعرف في الحقيقة شيئا عنها.

المجتمع في الشرق ذكوريّ بالكامل، فلا يليق ذكر المرأة في أيّ مكان خارج البيت، سجنها الأبدي. اسمها هو الآخر عورة ـ وهذه ثقافة سادت مدننا في الخمسين سنة الأخيرة ـ فتُسمّى بأم فلان، وهو وليدها الأول، وكأننا اتفقنا على أن تكون المرأة محطة للتفريخ، وعندما تموت لا يذكر الناعي في المجلس، وفي الصحيفة وفي اللافتة السوداء غير اسم وليّها، الزوج إن كانت متزوّجة، والأب إذا كانت عزباء، وكأن المرأة خطر يمتد مفعوله إلى ما بعد الاندثار في القبر.

لا يمكن للرجل الذي يضرب زوجته أن يشعر في البيت بدفء الأسرة الحميمي والصادق. إنه يطرد نفسه من مكان لا بدّ أن يكون الجنة. يحدث هذا كله خلال دقيقة واحدة، أو أقل. المرأة هي شمعة البيت العظيمة، لكنها تنطفئ بنفخة واحدة.

وبعيدا عن الخوض في الماء المالح، دعونا نتنفس مرة في هذا المقال في الماء العذب. اخترت لهذا الغرض مشهدا قصصيا أنقله لكم مثلما ورد في النصّ:

«عاقبها بالضرب، وبمزيد من الضرب على وجهها، وكانت تمسك رأسها بين يديها، وترتجف. كأن القمر الساطع في النوافذ كان ينيرُ طريقَ هذا البيت إلى التعاسة. كان الزوج يضرب بكل قوته، وزوجته تتلوى ليس من ألم الجسد، بل من ألم روحها، لهذا السبب فهي تئن فقط، وتعضّ شفتيها كي لا تبكي، مما زاد في غضبه. الآن هو يضربها كي تبكي، وكان الأمر موجعا.

عندما انتهى من كل ذلك بسبب التعب، شخص بنظره إلى النافذة، وكانت عيناه دامعتين. كان يلهث بشدة، ويتنشق الهواء بملء رئتيه في صدره العريض، ينظر إلى القمر يرسل نوره إلى أشجار الكالبتوس في الجانب الآخر من الشارع. هبت ريح للحظة في الخارج، ثم سكنت بعد ذلك. المدينة تزخر بالأصداء والأضواء، والسماء تكاد تكون خالية من النجوم. كان متعبا وتعيسا وبائسا ومنهوك القوى. كم يودّ البكاء كي يرتاح، ولو قليلا. ومع ذلك، كم كان يحبها! يا إلهي! والآن، هل كفّ عن حبها؟».

هنالك من يضرب زوجته، وتدمع عيناه من الحزن، وليس جميع الرجال يشبهون الراعي الذي هشّم أطراف زوجته، أم أولاده. السؤال هو كيف يمكننا إدخال تفسير الآية 34 من سورة النساء حسب ما يقتضيه الشرع في عقل هذا الوحش ووجدانه؟ إن محاولة إفهامه النظرية النسبية لإنشتاين في رأيي أسهل كثيرا، وأقرب إلى الواقع من هذا الفعل، وهكذا فإن تفسير الآية الكريمة بمقتضى الشرع لا يدركه

سوى عدد ضئيل جدا من البشر، هو أقرب إلى الرقم صفر، وهؤلاء لا يكون لفهمهم وعلمهم أي تأثير. ليس ثمة حقيقة لا تحمل معها مرارتها. كم تبدو الغرفة التي تُضرب فيها المرأة خاوية، والبيت خاويا، والسماء كلّها، والأرض. كلّ صوت له صدى غريب. كل كلمة. كل نفس. هي كارثة تمحق ما هو كائن وحقيقي في العائلة والوطن والعالم.

وقد أدرك المجتمع خطورة هذا الفعل الشاذ والمستهجن في العلاقة بين الزوج والزوجة، فجاء التحذير من ضرب أم الأولاد بهيئة قصص تُحكى، وأمثال تُضرب، فكان لدينا في العراق المثل: «اضرب المره (المرأة) بالمره، واضرب الحمار بالقندرة» أي أنك إذا أردت أن تعاقب المرأة فلتكن لها شريكة في المضجع، ولسوف ترى عندها النجوم في عزّ الظهيرة. وفي بلاد الشام تقول المرأة للزوج: «قوّسني برصاصة ولا تضربني بقضيب توت».

إنها تفضّل الموت على أن تُضرب مثل البهيمة. وليس بعيدا عن العراق، يذكر تورجينيف في «مذكرات صياد» أغنية الحماة في الريف الروسي:

«لستَ ابنا لي…

لستَ رب عائلة!

ما دمت لا تضرب زوجتك

ما دمتَ لا تضرب صغيرك»

لكن زمان تورجينيف متأخر عــــن الآن بأكــثر من قرن ونصف من السنين. فهل ما زلنا نعيش في ذلك الزمان، نتعامل مع المرأة على أنها بهيمة، ونطلب منها في الوقت نفسه أن تكون رقيقة مثل ملاك؟

 

  • كاتب عراقي


إقرأ أيضاً


التعليقات

لا توجد تعليقات حتى الآن ، كن أول المعلقين

إضافة تعليق





كاريكاتير

إستطلاعات الرأي