أحزان البنت ميّاسة - زيد مطيع دماج

2020-10-27 | منذ 4 أسبوع

كم يغمرني الحنين صباح كل يوم جمعة، يوم عطلتي الأسبوعية، يوم التنزه في الحديقة العامة الوحيدة في مدينتنا، أقضيه مع أفراد أسرتي بالتمتع بالخضرة والهروب من غبار وهموم وكآبة وأوساخ المدينة...
نستظل بإحدى أشجار الحديقة الوارفة، وينعم الأطفال على البساط الأخضر الـمُشذّب والمُعتنى به... يمارسون ألعابهم الكثيرة، من الكرة إلى الشِجار...
* * *
أصبحتْ الحياة عندي رتيبة ومملة في هذه الأيام ربما أكثر من أية فترة سابقة... الذهن لم يعد كما كان متوقداً بالنشاط... فقد خمدتْ ومضاتهُ وأصبحت رماداً... قد أعلل النفس بانتعاش ذهني مستقبلاً، لكنني أيقنتُ بعد عدة محاولات بأن الذهن جامد وخامل ومستسلمٌ أيضاً!.
* * *
وقت "المقيل" في موعده كما هي العادة بالساعة والدقيقة بعد ظهر كل يوم... نقضيه مع أصدقاء وزملاء... نناقش فيه أخبار العالم البعيد والشعر الحديث والقديم، وإذا تمكنا قرأنا بعض نصوص أدبية... قصيدة شعرية، أو قصة قصيرة، أو نقداً أدبياً ولا شيء غير ذلك...
وبرغم صداقتنا الطويلة ولقائنا الدائم إلا أننا كنا نخفي هوياتنا الفكرية والسياسية عن بعضنا خوفاً ووجلاً من الآخرين... فلا يخلوا أي "مقيل" لنا من دخلاء يعكرون صفو الانسجام، ويصيبوننا بالتبلد إلى درجة لا يستطيع أي فردٍ منا معرفة أحوال صاحبه الآخر، حتى الأحداث العادية التي تجري في محيط الحياة التي نعيشها..
* * *
القراءة والنقاش في مجال الأدب والتراث والتاريخ هما محور "مقيلنا"، نلوكه مع "القات". وفي هذا الزمن الرديء الـمُرّ من النادر العثور على كتاب هادف... سواء في مجال الأدب الجاد أو السياسة أو الاجتماع أو الفلسفة...
جاء دوري لكي يكون في متناول يدي كتابٌ اعتقدته هاماً... إنه رواية لكاتب عربي جيد قدمه لي أعز صديق لي في الحياة وفي "المقيل" اليومي...
* * *
كان صباح يوم جمعة مشرق... الرياحُ ساكنة لا تثير أية زوابع أو دوامات من القمامة والأتربة والقراطيس الملونة...
كان الأطفال قد نالوا قسطاً من النوم العميق يعوضهم عن نومهم القلق طوال أيام الأسبوع الدراسية.. وأمهم قد أعدت أمورها المنزلية في اليوم السابق... ولا أدري كيف توفر لها هذا القدر من الابتسام في هذا الصباح!
لا توجد مشاكل... حتى السيارة لم تخذلني، فقد تجاوب محركها منذ "القرعة" الأولى للمفتاح... ولا أدري كيف ساعدني الحظ هذا الصباح في العثور على جواربي بسهولة بين مجموعة الجوارب المتنوعة التي أصبحت متنافرة، كل جورب ناقص فردته الأخرى..!
ألقيتُ نظرة فاحصة على كل شيء في المنزل، وكذلك فعلت زوجتي... "البوتجاز" مقفل... حنفيات المياه مقفلة أيضاً وبإحكام... القطط تستطيع أن تجد لها نافذة صغيرة للخروج والدخول، وهي النوافذ التي تشكل ضماناً للمنزل في حال تسرب بعض الغاز، وكثيراً ما يحدث ذلك.
الكلب العجوز رابض كعادته صباح كل يوم بجوار جذع الشجرة داخل الحديقة... أغلقنا باب المنزل وكذلك باب الحديقة... الأطفال لأول مرة يرتبون أماكنهم داخل السيارة الضيقة دون صياح أو شجار، فهم كُثْر والسيارة تشكو من تزاحمهم...
كنتُ قد قرأت بعض فصول تلك الراوية... كم شدتني إليها!! وكان صديقي حريصاً عليها عندما أعطانيها للقراءة. على صفحاتها الأولى بعضُ تعليقاتٍ كتبها بخطه المعروف رغم حرصه الشديد... لكن ثقته بي جعلته يقدم لي الرواية دون أن يشطب ما كتبه على صفحاتها من تلك التعليقات والهوامش التي ربما كان يحرص ألا يعرفها أي شخص آخر..!
لم يوقفني ذلك المساء عن التهام الرواية سوى حرصي الشديد على أن أصحو مبكراً للذهاب بالأولاد وأمهم إلى الحديقة.
* * *
استطعنا بعد جهد وضع السيارة في مكان مناسب أمام الحديقة... أول حديقةٍ في مدينتنا البائسة... احترمها الناس وأخذوا بالتعود تدريجياً، مع أطفالهم، على عدم قطف أزهارها...
كنا قد أخذنا إفطارنا معنا... وهو إفطار متنوع... مع مشروبات غازية، وصحف ومجلات و"تسالي". كانت الرواية المغلفة بأوراق الصحف من ضمن ذلك الخليط...
حين اقتربنا من الحديقة كان كل واحد من الأولاد قد التزم بأن يحمل شيئاً بيده. أما أنا وأمهم فكان همنا هو الأطفال الصغار، نمسك بأيديهم خوفاً من الضياع في بوابة الحديقة المزدحمة..
عهدت للبنت مياسة بأخذ الصحف والمجلات والرواية... فجمعتْ الكل بين يديها محتضنةً إياها، وسارت أمامنا تشق الزحام.
كان مكاننا المفضل معروفاً في الحديقة... هو ركنٌ إلى اليسار قرب مدخلها نستظل بأشجاره، وأمامنا بساطُ الحديقة العشبي الأخضر يمارس عليه الأطفال ألعابهم المحببة وغير المحببة مع زملاء لهم في الدراسة يجدونهم صدفة في ذلك الركن من الحديقة.
* * *
تناولنا إفطارنا... ثم بدأ الأولاد ألعابهم، وبدأتُ أنا أبحث عن الرواية لكي أقرأها... كنتُ شغوفاً بأن أصل معها إلى النهاية في هذا المكان الجميل، وخصوصاً أن الزوجة قد بدأت تجول بنظرها على النساء تحت الأشجار عسى أن تجد صديقة لها تثرثر معها -كما هي العادة- في أمور تهمها ولا تهمني...
فتشتُ عن الرواية... لم أجدها بين الصحف والمجلات، ولا بين مخلفات إفطارنا... لاحظتْ الزوجة قلقي... سألتني... بحثتْ معي... لا فائدة... استدعينا البنت مياسة التي كانت قد حملت الرواية مع الصحف والمجلات وقطعنا عليها اندماجها في اللعب...
- مياسة..! أين الرواية؟
- الرواية..!؟
- الكتاب... الكتاب الذي كان مع الصحف والمجلات...؟
- لا أدري..!
- كيف لا تدرين وقد أخذته مع المجلات والصحف؟
- هذا كل ما أخذته...
- إذهبي..!
كنتُ على يقين بأنها نسيته في السيارة...
قالت الزوجة:
- سيذهب أحد الأولاد لإحضارها من السيارة..
أعطيته المفتاح... كان القلق يبدو عليَّ، وعندما لاحظت الزوجة ذلك مضت تتمتم بالدعاء. عاد الولد ونظراتي مسمّرة عليه من بعيد... لا يوجد في يديه شيء... عللتُ نفسي... ربما يكون قد وضع الكتاب في بنطاله أو تحت الفانلة الصوف... ربما عرف خطورة ما يحمله...!
واقترب. لا شيء يدل على إخفائه تحت بنطاله أو تحت الفانلة الصوف... ربما كان عجولاً فلم يبحث جيداً...
قمتُ وأخذتُ منه المفتاح، واتجهتُ صوب السيارة، ورمقتني البنت مياسة بوجل.
فتشتُ السيارة. لم أجد للكتاب أي أثر. ربما يكون قد وقع منها من بين الصحف والمجلات المصقولة، والأوراق، في بوابة الحديقة..!
زاحمتُ خلق الله المكتظين عند البوابة الخارجين منها والداخلين إليها.. لا وجود له... تابعتُ أثرنا على الطريق المعتاد نحو ركن الحديقة المفضل... لم أجده... وعدتُ إلى مكاننا. كانت البنت مياسة ترمقني بنظراتها الوجلة الفزعة، وثار غضبي عليها فانهارت باكية...
* * *
في "المقيل" كنتُ حزيناً وخجلاً من أن يسألني صاحبي عن كتابه الذي ضاع... ومرَّ "المقيل" كعادته في قراءة ونقاش.
قال صاحبي:
- مالك..؟!
فارتعش رأسي ونظرتُ إليه... قلت:
- متعب.
- هل أثَّرت فيك الرواية؟
- بعض الشيء...
وقطع حوارنا قدوم دخيلٍ على مقيلنا... صمتَ صاحبي عند دخوله وأخذ صحيفةً ملقاة بجواره، ومضى يقرأها في صمت...
* * *
مياسة لم تذهب إلى المدرسة كعادتها كل يوم. سألت أمها:
- لماذا تأخرت مياسة عن المدرسة؟
- مريضة.
- مريضة؟
- نعم...
- منذ متى...؟
- منذ البارحة...
واتجهت صوب مرقدها... كانت متشنجة وقد لفَّتْ جسمها بالغطاء وكأنما شعرتْ بقدومي نحوها فكتمتْ أنفاسها... كانت الأم عابسة بملل... حركاتها لا توحي بالصداقة المعتادة وحسن الجوار في المرقد والعشرة الطويلة...
* * *
"المقيل" كما هو... والقلق ما زال يساورني ويعذبني كثيراً... حضوري إلى "المقيل" هذا اليوم كان غصباً عني... السؤال نفسه وقبل وصول الدخلاء:
- أعجبتك الرواية..!؟
- نعم...
- ألم تلاحظ...
ولم يكمل حديثه، حيث قدم أحد الدخلاء فأخذ الصحيفة ليقرأها بصمت، وحمدت الله للمرة الثانية على وجود الدخلاء في مقيلنا..!
* * *
البنت مياسة غابت مرة أخرى عن المدرسة... والأم زاد حزنها المختلط بالعبوس... واقتربتُ من طفلتي المدللة الملقاة على الفراش... كانت متشبثة بغطائها لا تريد أن يراها أحد أو أن ترى أحداً...
فزعتُ في منتصف الليل لصياح مياسة... قمتُ وأضأت النور... تفقدتها أنا ووالدتها التي ما زالت عابسة جداً... وهمدتْ تشنجاتها...
البنت مياسة أصابها الخمول... نحِلَ جسمها... أصبحت الكآبة ملازمة لها.. صورتها تغيرت...
كانت مياسة البنت الدلوعة المؤدبة المرحة التي تُدخل البهجة والفرحة إلى القلب في أحلك أوقاتي الصعبة، وما أكثرها..!
يا إلهي! لن أجد غيرها من يسعدني ويدخل البهجة والفرحة إلى نفسي، ويمسح غبار الكآبة والألم والأرق من على وجهي..!
البنت مياسة صغيرة... لن تفهم مشاعري عندما أقدم اعتذاري وأسامحها على ضياع ذلك الكتاب، لن تفهم مطلقاً..!!
لم يعد ضياع الكتاب يهمني.. أصبحتُ الآن خائفاً على ضياع مياسة... تلك البهجة الدلوعة المحببة إلى نفسي... هي وهج الحياة، وهي الحياة بذاتها التي أحبها، ولولاها لضاقت الدنيا بي..
* * *
- اتق الله... مياسة في حالة يرثى لها..!
- ماذا أفعل..؟ أريدها أن تنسى..
- كيف تنسى..؟
- لا أدري...
- لو كان كنزاً قد أضاعته لما كنا في هذه الحالة...
- ماذا أفعل؟
- مجنون أنت... ولن أتحمل بعد الآن هذا العذاب...
وتريثتُ برهة... ماذا أقول لها..؟! أصبحت الأمور متأزمة جداً، وانعكس ذلك على نفسياتنا جميعاً...
- لم أكن مخطئاً...
- يا رجل..! البنت مياسة أصبحت في حالة سيئة جداً...
وتريثتُ قليلاً ثم استرسلتْ قائلة:
- لقد قررتُ النزوح معها إلى قريتنا بعيداً عنكم... عسى أن يفيدها ذلك...
* * *
غبتُ اليوم كله، منذ الصباح حتى آخر الليل، عن المنزل والزوجة والأولاد عسى أن تنسى مياسة... عدتُ متأخراً قرابة منتصف الليل... فتحت لي الزوجة باب المنزل بضجر واضح... كان همي الوحيد أن أجد مياسة راقدة في مكانها المعتاد وفي حالة طبيعية كما كان سابقاً...
اقتربتُ منها... كانت قد همدتْ منذ فترة، لكن التشنج ما زال يصدر عنها وهي نائمة... تألمتُ لذلك... ومررتُ بيدي على جبينها... كان ساخناً، وكان التشنج ما يزال مستمراً. لم أحتمل البقاء في الغرفة فنمتُ في الصالة على الأرض لأول مرة.
* * *
صاحت مياسة صباح يوم الجمعة ونحن مزمعون على الذهاب إلى الحديقة:
- لا أريد الذهاب إلى الحديقة! أريد الذهاب إلى أي مكان آخر ما عدا الحديقة.
أوقفتْ السيارة وحاولتُ مع والدتها وإخوتها إقناعها بأن الحديقة هي المكان المناسب الوحيد الذي نرتاح له جميعاً...
تشنجتْ وفتحت باب السيارة ثم قفزت منها مهرولة. كان الشارع مزدحماً بالسيارات العابرة فأسرعتُ نحوها وضممتها إلى صدري مهدئاً روعها وخاضعاً لرغبتها...
سألتها وقد ركبتْ السيارة:
-أين تريدين الذهاب يا مياسة...؟
وضجَّ الأولاد الآخرون بأنهم يريدون الذهاب إلى الحديقة فنهرتهم، فقالت:
- أي مكان آخر..
- مثلاً..؟
- أريد الذهاب إلى المطار...
- حسناً... وسنشاهد الطائرات حين تقلع وحين تهبط... منظرٌ جميل...
ابتسمت مياسة، وعبستْ وجوه الأولاد الآخرين، فنهرتهم بحزم واتجهنا نحو المطار الذي اختارته مياسة كمكان لنزهتنا.. قلتُ لنفسي ربما في خيالها أنها تريد أن تقلع من البلد وتطير بعيداً بعيداً إلى أرض فيها الابتسامة أرحب.
* * *
عدتُ من المقيل كعادتي متأخراً، وكان الأولاد كعادتهم في الصالة يواصلون إزعاجهم لوالدتهم ولبعضهم البعض... وحين دخلت عليهم كنتُ قد فرشت على شفتي ابتسامة عريضة لعلّي أتلقى مقابل ما أحمله من الفواكه الممنوعة.
لم تكن مياسة بينهم... طرحتُ ما حملته من فاكهة على الأرض، وكانت الزوجة عابسة في ركن من الصالة تقرأ القرآن الكريم، واتجهتُ نحو مرقد مياسة... كانت راقدة... وحين أضأتُ النور اهتز جسمها وتشنجتْ...
وتكالبت عليَّ هموم الكون وأحزانه... لم أعد أطيق هذا الوضع وهذه الحالة التي وصلت إليها مياسة... كرهتُ الكتب، وتمنيت أن أكون أمياً مع أطفالي ومياسة في كوخ... بعيداً عن هذا الكون...
أصبحتُ أنا المريض... أصبحتُ أنا المتشنج... أصبحتُ أنا الوجل، أنا الخائف...
* * *
دلفتُ إلى مكان المقيل كالعادة و"القات" معي... اتكأتُ في مكاني المعتاد... كان بعض الزملاء قد سبقوني إلى "المقيل"، ولحق بعضهم الآخر بعد ذلك...
كنتُ مكتئباً بالرغم من أن النقاش هذه المرة كان محوره الحرية والديمقراطية وحرية الفكر والإبداع وحرية الرأي.. الخ.
كانت هذه القضايا، وما زالت وستبقى إلى الأبد، تهزني وتحتل كل هاجسي واهتمامي... لكنها اليوم لم تعد تشغل كل همومي وأنا بهذه الحالة، وحالة البنت مياسة... ذلك الضمير الحساس، الحر... والمتألم... ولم يعد للخيال المبدع أي مكان في وجداني، ولا حتى مجرد التفكير به...
وإضافة إلى كل تلك الكآبة النفسية في مقيل اليوم كنتُ أتوقع أيضاً سؤال صديقي العزيز حول الكتاب، كما كنتُ أتوقع في اللحظة نفسها قدوم أحد الدخلاء لكي يعفيني من سؤال صاحبي... وقد كان الأمر كذلك... فقد سأل صاحبي عن الكتاب، وقبل أن أنتحل إجابة كاذبة دخل أحد الدخلاء فصمتَ صاحبي وتناول صحيفة... وارتحتُ لذلك...
* * *
كان يوم جمعة آخر حاولتُ تهيئته منذ المساء عسى أن نقضي جميعاً يوماً دافئاً جميلاً في حديقة المدينة الوحيدة... لم تكن البنت مياسة تعتقد بأننا متجهون نحو الحديقة... لقد كانت مؤامرة مُحكمة دبرت في الليل بيني وبين الزوجة والأولاد الآخرين...
لم تلاحظ مياسة إلا ونحن أمام بوابة الحديقة المكتظة بالناس وبالباعة المتجولين... كانت تريدُ الهروب؛ لكنها أذعنت في النهاية عندما رأت تصميمي وتصميم والدتها، ورغبة إخوتها، في الدخول إلى الحديقة، فدخلتْ معنا كأنها شاة تساق إلى المجزرة...
لم يكن معنا صحفٌ أو مجلات أو أي كتاب...
* * *
جلسنا بعد بحثٍ طويل تحت شجرة تتوسط الجزء من ساحة الحديقة المفضل لدينا... كانت مؤونتنا كالعادة من طعام الصباح جاهزة للتناول... وكانت مياسة واجمة كأنما حملتْ هموم الدنيا والأخرة. لم تنضم إلينا في دائرة مائدة الطعام، ولم تشارك إخوتها العابهم المفضلة من الكرة إلى الشجار... وبرغم وفرة وجبة الإفطار فقد كنا نحتاج إلى ما نتسلى به خصوصاً أنا والزوجة، فضلاً عن حاجتنا إلى المشروبات الغازية المعلبة التي يتهافت عليها الأولاد...
قررتُ مع الزوجة أن ننتدب مياسة مع مرافق لها من إخوتها الكبار لكي تشتري لنا بعضاً من تلك التسالي والمشروبات الغازية المعلبة...
مانعتْ في البداية لكنها وافقت بعد إصرار... فذهبتْ مع مرافقها، وقد حرصنا على أن تكون النقود بيدها لكي تشتري كما تريد وتعيد ما تبقى منها...
وعادت مياسة وقلوبنا تخفق وأنظارنا ترصدها منذ دخلت بوابة الحديقة حتى وصولها إلينا مع مرافقها وبأيديهما ما تم شراؤه...
كانت التسالي ملفوفةٌ في قراطيس بعض الجرائد والصحف والكتب المهملة... وكانت مفاجأة أذهلتني وجعلتني أنهض واقفاً صائحاً:
- لقد وجدتها...!
وتساءلت الزوجة والأولاد، ومياسة ما زالت واجمة...
- لقد وجدتها... وجدت الكتاب الضائع...!
كانت إحدى أوراق الكتاب الضائع بيدي... ارتسمتْ على شفتي مياسة ابتسامة فرحة، وعاد وجهها إلى نضارته السابقة المعتادة.
كانت قد وقفت، ثم هرولت متجهة نحو بوابة الحديقة، وتبعها إخوتها وقد أخذوا بعض النقود لكي يشتروا بعض التسالي عسى أن يجدوا أوراقاً أخرى من ذلك الكتاب الذي ضاع...


صنعاء: 14 مارس 1985م

 

 

*قاص وروائي يمني رائد راحل

 



إقرأ أيضاً


التعليقات

لا توجد تعليقات حتى الآن ، كن أول المعلقين

إضافة تعليق





كاريكاتير

إستطلاعات الرأي