صباح بعيد

2020-10-05 | منذ 8 شهر

صباح بعيد

محمد الأصفر*

عندما ركلت ساعة المنبه التي أيقظتني في الموعد المحدد السادسة صباحًا، تحطم زجاجها وانكسرت عقاربها لكن صوت تكتكتها ظل مستمرًّا، أصابها العطب من الخارج بينما من الداخل ما زالت صالحة، يمكنني إن لزم الأمر أن أركلها بعنف، لكن لا يمكنني إطلاقًا أن أدوس على قلبها، هي عزيزة عليَّ، رافقتني في عدة مدن عشت فيها، وعند كل حماقة ركل يتشظى زجاجها وتعوجُّ عقاربها أو تتكسر، وكل من يراها سيقول ما عادت تنفع لقد خرجت عن الخدمة وينبغي ركنها في مخزن أو رميها في مكب النفايات، لكن لا أفعل، لا أستغني عنها، لقد خدمتني بإخلاص زمنًا طويلًا فلن أرميها في القمامة أو أبيعها لتاجر عاديات، ودون تردد آخذها سريعًا إلى ساعاتي يصلحها، يقول لي: نعم ما زالت حيّة، قلبها ينبض، ووصلت بها إلى محترفي في الوقت المناسب، شكرًا يا مسعف الساعات يا عاشق الوقت، لكن سأكون صريحًا معك، تكلفة الإصلاح أغلى من شراء واحدة جديدة، وأقول له: ليس مهمًّا التكلفة، أصلحْها قبل خروج روحها، إنها ساعتي التي أحب، ليس خسارة أي مال لصيانتها، نحن أيضًا نعالج أنفسنا كلما مرضنا ونخسر محْ كبدنا كي نبتعد عن شبح الموت لأطول زمن ممكن، أصلحها يا فنان ولا يهمك المال سأدفع لك بسخاء، يسعدني جدًّا أن أنفق مالي على مهماز يقظتي هذا، وليس على شيء آخر مَهمَا كان مُهمًّا، فأنا لا يوقظني صباحًا أو فجرًا صياح ديك لطيف أو أذان مؤذن ورِع، لكن ساعتي توقظني دائمًا وترحب بردود فعلي الغاضبة، فتنكسر فتتحطم فتصرخ لكن لا تموت لا تفنى لا تصمت عن التك، يظل قلبها ينبض، وأنا أسمعه بوضوح كنواح كأنين كبكاء، فأتألم لذلك وأندم ندمًا شديدًا، وأصرخ في نفسي ما لي وما لتحطيم الزمن؟

لم أستطع التخلي عن عادة ركل الساعة كلما أيقظتني من حلم جميل وددت لو يستمر طوال العمر، لا يحدث الأمر معي دائمًا، لكنه يحصل مرّة مرّة أي أحيانًا، ربما كل عام أو كل ستة أشهر؛ لذلك لا أركل الساعة بشكل دائم إنما في أزمنة متباعدة، عادة ما تكون طويلة نوعًا ما، فالأحلام الجميلة -عليها اللعنة- ليست متاحة دائمًا، الكل يصطادها ويستحلبها في هذا العالم الجائع للحلم، وفرصتي في الحصول على حُلَيْم صغير منها ضئيلة جدًّا، ربما لسوء حظي، وربما لأسباب أخرى تخص الجغرافيا والتاريخ والمناخ العام والأرق والوسواس والإفراط في شرب القهوة بالحبهان والشاي بالزنجبيل حتى الكاكاو المر.

لا أدري لماذا لا تأتي الأحلام الجميلة في أزمنة متقاربة، كل شهر، كل أسبوع، يومًا بعد يوم، سيظل السبب غير معروف لدي، لا شيء يمكنني أن أفعله سوى أن أقول: ربما لأنها كذا، وربما لأنها كذا، وربما لأنها كذا، وكل كذا احتمال خاص بي قد لا يكون صحيحًا، وإجمالًا يمكنني القول: إن الأحلام الجميلة هي أيضًا كائنات تبحث عن متعتها في خيالات مناسبة ورائقة لها، فلا تطرق بالطبع رؤوسًا أو أماكن سيئة كالتي نعيش فيها حاليًّا، الكرة الأرضية مثلًا.

ذات مرة سألت الحلم: لماذا تتأخر طويلًا يا جميل ولا تأتي إليَّ بشكل منتظم وفي أزمنة متقاربة، فقال لي: يا غروب نعاسي، هل تحب أن تتمتع بي الآن أم تفتح لي تحقيقًا يلتهم كل العمر؟ قلت له: أتمتع بك طبعًا، فالتحقيقات في اليقظة مضيعة للوقت خاصة إن شُكلت لها لجنة، فما بالك في الأحلام الظريفة اللطيفة خفيفة الدم والظل، ابتسم الحلم لي وعانقني بحرارة وأغرقني في عوالم ساحرة لا أتمنى أن أخرج منها، لكن الساعة المنبهة اللعينة رنّت فطار الحلم الوديع الذي لا يحب صخب الميكنة والآلة والإلكترون، وقفزت أنا واقفًا وسط السرير أرغي وأزبد وأركل المخدة ثم الساعة لتصير طراطيش، أي شظايا.

أنا إنسان أخاف الله، والساعة التي على الكوميدينو بجانبي أنقذتني كثيرًا من لعن المؤذن أو القفز من الفراش والصعود لسطح بيت الجيران لخنق الديك الذي يؤذن، وربما حتى من الاعتداء على زوجتي التي تهزّني كي أستيقظ عندما تشعر أني أعيش كابوسًا يخنق أنفاسي، حين ذاك أقول لها بلطف: حبيبتي حرام عليك لا تهزيني اتركيني أتقاتل مع الكوابيس؟ في أثناء نومي يكون معي جيش عرمرم يساعدني على هزيمة أي كابوس جاثم على صدري، عكس الحياة العامة حيث لا أحد معي غير الله الذي غالبًا ما يتركني لمصيري لحكمةٍ ما لا يعلمها غيره، ربما كي أعتمد على نفسي. وبعد أن أهزم الكابوس وأطوّح به بعيدًا عن جنة نعاسي أحس بالرضا والسعادة والفخر.

في كل مرة أحطم الساعة التي توقظني من حلم جميل والساعة تتفهم ذلك وترحب بغضبي وركلي لها وربما تبتسم لي؛ لأني لم أرتكب حماقة في حق الآخرين وارتكبتها في حق ممتلكات خاصة بي، هي ترن على الكوميدينو وأنا أقف غاضبًا فوق السرير، هي لا تخاف من غضبي وتظل ترن، أنا أركلها بقوة ناحية الجدار، فتتحطم وتتوقف عن الرنين لكنها تظل رغم الألم تتكتك، تك تك تك تك، ربما أعادت الركلة لها نشاطها من الداخل ومنحتها عُمرًا جديدًا، فبدت لي تكتكاتها من دون العقارب والزجاج الذي كان يغطي وجهها طازجة وشجية أسمعها بنقاء رغم ضعف سمعي، تكتكات كأنها تغني، أتكتك معها وأضبط عليها خطواتي الراقصة وأنا أتوجه إلى الحمام سعيدًا وبعدها أضبط عليها حركة الفرشاة على أسناني، وعندما أكون جاهزًا تمامًا للخروج ألتقطها من على بلاط الغرفة، أضمها إلى صدري أعتذر لها، أحفظها في كيس أنيق، وآخذها إلى طبيبها الساعاتي العجوز الذي يقول لي وقد عرفني من معاملات سابقة: كويس أنك أسعفتها سريعًا، ما زالت حيّةً، أسمعُ تكاتها المتألمة من أول ما دخلت السوق، آه كالعادة طبعًا يا أستاذ ستقول لي: انكسرت من جديد قضاءً وقدرًا، بالله عليك هل لديك أطفال عابثون أم قِطّ مُشاكِس يفسد مخلوقاتي الجميلة؟ أقول له: لا، أنا الطفل العابث، أنا القط الشرير، أنا من فعل ذلك، هي أيقظتني فجأة من حلم لذيذ وأنا بكل حمق حطمتها، الساعة يا أسطى اعتدت على حلمي جعلته يتبخر فجأة، والشيطان عليه اللعنة يقول لي: من يجهض حلمك لا تتردد حطمه، وإن كان الشيطان ليبيًّا يقول لي حطم دين أمه ثم قلْ: تم الدعس.

حقيقة كل هذه الركلات للساعة المنبهة أقوم بها في غياب زوجتي، أقوم بها عندما أنام في الظلّ وحيدًا، عندما تكون زوجتي إلى جانبي لا تأتي لي أحلام جميلة، فهي تغار من الأحلام الجميلة التي تدخل رأسي، تقول لي: اطردْ كل شيء، أقفل خيالك ورأسك وقلبك، أنا الحلم الجميل فقط، وتظل تحرس رأسي ممسكة بمروحة سعف لنشّ أي حلم يقترب حتى أنام نومًا عميقًا هادئًا، وإن داهمني أثناء النوم كابوس تهزني بعنف؛ كي أستيقظ وأستغفر الله، ثم أعود إلى النوم إن كان الصباح لا يزال بعيدًا.

 

  • كاتب ليبي


إقرأ أيضاً


التعليقات

لا توجد تعليقات حتى الآن ، كن أول المعلقين

إضافة تعليق





كاريكاتير

إستطلاعات الرأي