الشكل واللقــاح

2020-10-03 | منذ 8 شهر

جدارية للفنان بابلو بيكاسو (1881- 1973م)

بشير عمري*

لم يتوقع مطلقا أن تكون النتيجة بتلك الفداحة بل الرزية، انهار كلية في أول صبيحة للخريف بالتقويم العربي، فاحتار برعب غير مسبوق لديه، ما الذي يمكنه قوله لها إذا ما طلبته مجددا على النت، لتنعم برؤية سمرته القزحية المشعة بانزياحات شمس حارة تغيب عن ربوعها الباردة البعيدة هي، هل يقول لها حتى لو رأيتك أنا وسمعتك فالأمر لن يكون متاحا لك من هذه اللحظة البائسة! وهي التي أكبرت فيه التضحية بنفسه من أجل الإنسانية كما عهدت عنه في ثقافته، فقد قطعت ذات مرة لذة الحديث العاطفي معه وسألته في غير سياق ولبق الكلام:

- لماذا تفجرون أنفسكم بالسيارات والدرجات وحتى الطائرات المفخخة؟

شعر وقتها بصدمة خارج كل القياسات الممكنة، ليس من السؤال في حد ذاته، فهو قد سُئل عما هو أمرّ وأخطر منه، سُئل ذات مرة لماذا "تخافون أنتم كعرب اختبارات الدي إن أي وتصرون على أنكم أصلاء آبائكم وأسركم الصاخبة؟". ومرة سألته إحداهن قبل أن تنصعق من إجابته وتحذفه نهائيا من حسابها بالبلوك "لماذا تحرمون الرجل من شهوة الرجال؟".. أسئلة صارت مذ تعلم المشي في الحاسوب وباع ركام أرشيف جرائده التي قرأ إلى عطار الحي القديم، تربكه وتجعل ملامحه تختل على شاشات الحواسيب والهواتف الذكية.

- لأننا من خلالكم نعبر حياة أخرى غير مرئية!

ضحكت من إجابته لكنها لم تبد تصلبا في الاعتراض عليها. ربما تحن إلى قليل من الكلام الخريف لهذا العربي الهارب من الحساب والمنطق المصفوف الملفوف! بهذا حدث نفسه وهو يحدق في ملامحها الضاحكة.

عاد إلى هواجسه، يبحث عما بوسعه أن يدعم حجته بعدم قدرتها على رؤيته مثلما كانت عليه الحال مذ عاد من رحلة موسكو الطبية قبل أسبوع، كانت خشيته أن يصدمها بما حصل وهي التي رافقته إلى هناك آملة في نجاح اللقاح، سينهار مشروعها الذي حدثته عنه يوم التقيا في بهو فندق كبير بموسكو، حيث وجدته عالقا ببصره في جدارية لصورة تشيخوف، فجأة سألته حينها:

- هل أنت من قراء أعماله؟

- بل وشغوف بها، أحيانا أرى العالم مقلوبا حين أقرأ قصص تشيخوف!

- رغم أنه هو من يقلب العالم في كتبه!

- أظن أن العالم قبل تشيخوف ليس كما بعده!

- صدقت. تحمل ملامح شرقية..

- نعم وعربية تحديدا، جئت كمتطوع لتجربة اللقاح ضد هذا الطاعون وأظنك للمهمة ذاتها أنت هنا؟

- وكيف عرفت؟

- من نزولك بفندق تشيخوف.

ضحكت بإعجاب ثم قالت:

- نعم صحيح. وصحيح أن العالم قبل تشيخوف ليس كما بعده، وصفك جيد ودقيق لهذا الزمن، فقط لا تقل لي بأنك شيوعي!

- إنكليزيتك متينة، أميركية أنت أظن؟

- صحيح من بوسطن، وأدرس الفيزياء..

- الفيزياء؟ إذًا ما كان عليك أن تخافي من الشيوعية، وخصوصا شيوعية العربي لأنها ممزوجة برائحة الرغيف اليابس..

لم تكن الفتاة راغبة في أن يصمت فقد استحلت واستلذت حديثه، كما كل الشرقيين المليئين بأحلام ثقيلة تثبتهم كثيرا على الأرض، كادت أن تنحرف هي الأخرى عن قوانين الفيزياء وتخبره بأنها تشعر بثقله أمامها على الأرض ليس بسبب قامته الفارعة ولباسه الكثيف في مقابل متوسط قامتها هي واكتفائها بتنورة تعتلي ركبتيها البيضاوين الجميلتين وسترة مفتوحة في أعلى صدر تبرز من خلالها سلسلة ذهبية على صفحة قلادتها المدورة بنقوش غريبة، خشي أن يغوص بناظره فيها ليقرأها فتظن أنه خاض بدون استئذان في منطقة يحمل حرمة العبور إليها في قائمة أخلاقه.. فكف عن التدقيق ومع ذلك طلبت منه التلاقي أكثر عبر النت لأنها أضحت تتوق لكلامه الأسمر، كما قالت له!

فكر أن يرد عليها بالقول "إنه تشبيه بليغ لسمرتي المتكلمة. لا أعرف كيف لفيزيائية أن تحصل عليه، تماما كما لا أعرف كيف لفيزيائية وأميركية بالخصوص، أن يرتفع لديها مؤشر الإنسانية فتتطوع لتجريب اللقاح روسي؟".

لكنه لم يشبع بعد من كلامها الأشقر فخشي أن تغضب من رده وينقطع حبل الود بينهما على الطبيعة قبل حتى أن يتصل بعالم الافتراض مثلما اتفقا عليه!

فسكت..

أما هي، فحجم حماستها للكلام كان يزداد بحيث استحال معه أن تسكت، فباغتته بمخاوفها الأميركية:

- رغم أني سعيدة بقبول عرض التطوع لتجريب اللقاح الروسي، إلا أني أخشى أن يتسبب ذلك في تعطيل مشاريعي!

تذكر للتو أنه الآن يقف قبالة أميركية خفيفة دوما سواء بملابس أو بدونها، حاملة كغيرها من الغربيين لمشاريع، أما هو فمشاريع عدة ظلت تحْمِلهُ لكن في السحاب، ثم شعر بأن السؤال الصعب قد اقترب منه جدا، فكيف سيرد عليها إن أطلقته من مسدس عقلها الفيزيائي؟ هل يقول لها إنه بلا وظيفة مذ تخرج قبل خمس سنوات، وأنه اختار التطوع لتجريب اللقاح ليعيد بثمنه بناء بيت عائلته المهتري؟

فأكيد لحظتها ستكتشف أن ليست الإنسانية من جلبه لحقل التطوع كما كانت تظن، وأن العرب مثل الغرب يراوغون، رغم أنه يحمل بجعبته ما يقلب عليها إنسانيتها التي تزايد به عليها، متى شعر الأميركان بالإنسانية؟ بيد أنه عاد ليهدأ بهدوئها البادي بشيء من القلق على ملامحها من أثر اللقاح الجانبي الممكن، رقَّ لها كما هي عادة الشرقي الوديع! وهما يجلسان على طاولة العشاء الأخير بنزل تشيخوف ليلة التجريب سألها:

- ما مشاريعك التي تخشين عليها؟

- مرتبطة أنا بعقد مع شركة إعلانات لعرض الملابس الداخلية ولا أريد آثارا جانبية للقاح على جسمي فهذا سيحرمني من مبالغ كبيرة..

- آه لهذا لم تأكلي سوى سلطة وقليل من الفاكهة، ظننتك تخشين شيئا من قائمة الغذاء الروسي، فكنت سأخبرك أنهم لا يأكلون الدببة..

- لا أنا على هذا الرجيم منذ ستة أشهر وبالكاد بلغت الحد الأدنى من الوزن الذي يفرضه العقد!

- ستة شهور بلا خبز ولحم؟

- أجل!

نطقت حقا سمرته بداخله هاته المرة! بدت له كما لو كانت لباسا تحت لباسه، مهلا لم يعد مبرر للخوف من كل أسئلتها التي لا يدري إن كانت موجودة في جعبتها أم هي عالقة فقط بخياله، فهو سريع صناعة الأسئلة الصامتة التي تعيش كطحالب القيعان العميقة للبحار في الظلام وإلا فسدت..

عاد الى لحظته المأزومة ولم يتذكر أنه فعلا موجود إلا بعد سماعه لجرس علبة رسائله بهاتفها الأميركي المحمول الذي تركته له كعربون صداقة لحظة ودعته في مطار موسكو بقبلة على الخد ظلت وعيا بموقعها في جغرافية وجهه السمراء، بيد أنه كان غارقا في البحث عن نفسه في المرآة يلاحقها فلا يكاد يجدها فهل سيقول لكارين!

خوفك بموسكو كان في محله واللقاح سيبخر جسدك وتفقدين حضورك في سوق عرض الملابس الداخلية فأنا ما عدت سوى صوت يجوب أروقة البيت فاحذري.. احذري.. احذري..!

فتح علبة رسائله بالحاسوب..

"عزيزي الأسمر العربي، لقد نجح اللقاح الروسي في أن يمحو شقرتي وكل صورتي من الأنظار وسأستغل ذلك في اقتحام البنوك والغرف القصية من قصور الحكم وأسرار الأسِرَّة الوثيرة إلى أن يُعدل ويصحح اللقاح كما وعدت الشركة الروسية المنتجة في موقعها اليوم! وماذا عنك أنت؟"

استفاق مرعوبا. أشعل مصباح السرير. تفحص جسده. قرص فخذه ثم تنهد تنهيدة طويلة وقبل أن يضع نظارته ويفتح كتاب أنطون تشيخوف "شيطان الغابة والخال فانيا" بعد إذ تناوله بيسراه المحمومة من طاولة السرير الصغيرة حيث كان قد وضعه قبل النوم، صاح الديك بحديقة البيت مؤذنا بفجر جديد.

 

  • قاص جزائري

 



إقرأ أيضاً


التعليقات

لا توجد تعليقات حتى الآن ، كن أول المعلقين

إضافة تعليق





كاريكاتير

إستطلاعات الرأي