قصتان قصيرتان - انتصار السري

2020-09-28 | منذ 1 شهر

اكتشافات مبكرة..


تدرك أنك لم تعد ذلك الطفل.. ذلك العضو أعلن عن حضوره وتمرده مبكراً.. هل كانت ابنة الجيران سبب تمرده؟!

لم تكن بنظرها غير ذلك الطفل الصغير الذي يلعب ويدرس مع شقيقها، تغدق عليه بالحلوى والسكاكر كأخيها.
صار اكتشافك لتكوّر جسدها.. ذلك المتمرد على الثياب يشكل لغزاً لديك.. عند وقوفك أمام المرآة في الحمام تفتش في صدرك عن ذلك البروز المدور الذي يطل من صدرها، علامات تعجب تنصدم بمخيلتك الصغيرة قائلة:

– لماذا هي وليس أنا؟!
يزداد تقربك منها عند كل درس، حواسك تتبع رائحتها.. تحاول اكتشاف مغزى ذلك الجسد، في كل يوم شيء يجعلك تتسمر أمامه.. رقة صوتها.. شعرها الأسود المنساب، غمازتي خدودها.. أناملها الناعمة.. لم تكن تلميذاً مجتهداً في دروسه، بل كنت متتبعاً ماهراً لكل ما هو محجوب بامتياز.

تدور في بالك فكرةٌ ما.. ترتقب انتهاءها.. تعتذر لشقيقها بحجةٍ ما لتغادر.. بخطواتٍ حذرة.. تقترب من الغسيل، بأنامل مرتعشة تسرق ثيابها الداخلية، كسارق مبتدئ تهرول إلى منزلك، تتوارى في غرفتك، تخرج غنيمتك.

تقربها من أنفك المتشرب رائحتها.. تتنفس عبق جسدها المعجون برائحة الغسيل، تملس بخديك على نعومتها، تعيش لحظات التماس والتصاق متخيلاً مع ذلك الجسد الذي حُفرت زواياه في مخيلتك.
كل مساء تمارس تلك اللعبة التي أتقنتها، عند غسل ثيابك تدرك أمك أن طفلها المدلل صار شاباً يحتلم…

 

وذاكرة ..
بعد أن قدم عقلي استقالته، وخروجه عن عمله، صرت أعاني وأكابد كل يوم مشقة البحث عن ذاكرة جديدة.
أووووف من تلك الذاكرة أين اختفت؟! هل كان علي سحبها قبل أن أنام؟! أين أنتِ أيتها المراوغة؟

آآآآآه أجل قد أكون نسيتها على سطح (كومودينو) سريري، أو في درج مكتبي، أنهض دون تأريخ لي كلحظة ولادتي، أحاول جمع شتات أجزائي، على المخدة آثار أحمر شفاه، ترى لمن هو؟ آه لو أجد تلك الذاكرة فسوف أعلم صاحبة ذلك الأحمر الشفاه وذلك العطر

أتوجه نحو المطبخ، الأطباق متراكمة فوق حوض المغسلة، فأر يقفز ما بين علب وأكياس فارغة، يهز بذيله نحوي، تلمع عيناه بتحدي، أمد له لساني دون اعتبار لتجوله في شقوق مطبخي، أفتح الثلاجة لا شيء ذا قيمة يؤكل، من نافذة جارتي الحسناء تصدح أغنية لتامر حسني تثير نفوري، أقترب أغلق النافذة، هي تلعب بخصلة من شعرها، تلفّها على شكل دائري، تتصنع عدم رؤيتها لي، صدرها يكاد يقفز من ثوبها شديد الالتصاق بجسدها الوافر، صوت طقطقة لبانها تتراقص مع صوت تامر، أقفلت النافذة بقوة محدثا صوتا هز زجاجها، من خلف النافذة اسمع للعنات جارتي الحسناء.

أواصل البحث عن الذاكرة، لا جدوى بين كل تلك الفوضى، في الحمام كانت رائحة عطر باريسي يملأ جنباته، آه لو أتذكر لمن هي؟!

تحت دش الحمام أعيد ترتيب خلايا جسمي المنتعش، أتركها تنعم بفوضى دون قيود، عيني تلمح قطعة سوداء صغيرة بحجم الذاكرة، تعتريني سعادة من وجد كنزا في إحدى جزر القراصنة، أمسكها أسرع بتركيبها في تجويف عقلي الفارغ منذ مدة، أضغط زر التشغيل، أسقط على بلاط الحمام، حالة هرج ومرج وتصادم بين خلايا الذاكرة، لم يتعرّف عقلي على بياناتها، أعيد تشغيلها مرة أخرى، يا لهول ما تحمله من صور تلك الذاكرة.

آه امرأة فاتنة يحتشد جسدها الغني بثرواته بين أحضان عدد من الرجال كان آخرهم أنا.

أفٍّ لهذه الذاكرة إنها لصاحبة أحمر الشفاه والعطر الباريسي .. رائحته تلف أليافها الإليكترونية، لا حاجة لي بها، كانت مزبلة الحمام مصيرها.

كيف أذهب إلى العمل دون ذاكرة؟ كيف سأتعرف على وجوه زملائي؟! وأين هو مقر عملي؟ أرتدي ثيابي، أتعطر، أمام المرآة أتأمل ملامح وجهي المبعثرة، أعيد ترتيبها من جديد، أبتسم لكي أكتشف وضعية جديدة تناسب يومي الذي بدأ بفقداني ذاكرتي الإليكترونية، أجل هي الآن متناسبة مع عيون غائرة لطول السهر، أنف أفطس لا يتناسب مع ملامح وجهي، يشبه أنف جاري الأفريقي، آه آه نعم لقد تذكرت فهو بالأمس أخذ أنفي وركبه على وجهه كي يقنع طبيب التجميل بعمل أنف يشبهه، وجهي يحمل بشرة متيبسة قد يكون ذلك لكثرة تعرضها لوخزات الشمس، ترى ما هو عملي؟

أغادر المنزل، أتوجه نحو محل بيع الذواكر في نهاية الشارع، لأقتني واحدة جديدة، يرمقني البائع صارخا:

– ها هو صاحب الذاكرة المفقودة؛ سيدي المحقق، اقبض عليه قبل أن يهرب لقد أتى ليشتري ذاكرة جديدة تبعد عنه آثار قتله جارته الحسناء وذبحها في حمام منزله.

 

 

*انتصار السري كاتبة وصحفيّة يمنيّة.. صدرت لها أربع مجموعات قصصيّة: الرقص على سمفونية الألم 2010م، والمحرقة 2013م، ولحربٍ واحدة 2016م وصلاة في حضن الماء 2017م. أعدت السري كتاب 25 قاصاً وقاصة الصادر عام 2013م وكذلك كتاب لحظة يا زمن محمد المساح، الصادر عام 2020م. وقد ترجمتْ مجموعتها ” المحرقة” إلى اللغة الإنجليزية خلال هذا العام.

 



إقرأ أيضاً


التعليقات

لا توجد تعليقات حتى الآن ، كن أول المعلقين

إضافة تعليق





شخصية العام

كاريكاتير

إستطلاعات الرأي