قصتان

2020-09-21 | منذ 9 شهر

حسان العوض

 

مراودة

ها أنت ذا تمتشق قلمك.. تضحكك كلمة «تمتشق» كيف اجتمعت فيها هذه الأحرف؛ مثلما يفعل معك، ومع صديقك الشاعر الذي صار ملحناً، كثير من الكلمات التي تتكون من حروف غير متناغمة في ما بينها. تشعر برغبة عارمة في كتابة قصة قصيرة.. لقد مضى على آخر قصة كتبتها أكثر من عام.. تتذكر صديقك الشاعر الذي ظل شاعراً، ولم يظل صديقك، عندما حدّثك عن شاعره المفضّل، الذي توقف عن كتابة الشعر لعدّة سنوات قبل أن يعود أنضج وأجمل.

تتذكر صديقك الشاعر الآخر، الصديق اللدود للأول، الذي كان يكتب القصة قبل الشعر، ثم صار يكتب المسلسلات، عندما أدرك معرفتك الواسعة بالأوزان أوصاك بكتابة الشعر قائلاً: «الشعر خير وأبقى». تتذكر صديقك القاص الذي راح يكتب المسلسلات أيضاً، عندما التقيت به بعد أول مسلسل عرض له على التلفزيون؛ أفشى لك بسره الخاص: «إن كتابة مسلسل من ثلاثين حلقة أسهل وأقل متعة من مراودة قصة قصيرة من ثلاثين سطراً».

إذن حاول كتابة قصة من صفحة أو اثنتين.. لا أعتقد أن باستطاعتك كتابة ما هو أطول من ذلك.. لا تفكر بالرواية أبداً.. مضى أكثر من عامين على مشروع الرواية الذي خطر على بالك، من دون أن تنجز منه حرفاً.. لا تنزعج أيضاً من تبجّح ذلك القاص الذي أصبح روائياً، والذي كثيراً ما تستعيده مستفزّاً، منذ قرأت حواره الذي قال فيه إن القصة القصيرة ليست إلا تمريناً على كتابة الرواية.

تهدّئ نفسك بتذكّر قاصّك المفضل الذي بقي مخلصاً للقصة القصيرة فلم يكتب سواها، مثلك، ولكنّك لست مثله؛ فهو مخضرم قال في آخر حوار معه إنّه كتب إحدى مجموعاته بطريقة غريبة، إذ كان يطلب من زوجته أن تفتح المعجم بشكل اعتباطي، وتقرأ له أول كلمة يقع نظرها عليه، ثم يبني عليها قصة قصيرة. لا تمزح بالتفكير في الذهاب إلى المكتبة من أجل إحضار المعجم.. لا بأس عليك.. لقد حاولت أن تكتب قصة قصيرة، وكما يقولون: يكفيك شرف المحاولة.

خيانة

بعد أن انتهى زكريا تامر من كتابته قصة جديدة، نفث عدة زفرات كمن انتهى للتو من علاقة جنسية.. أغلق قلمه بغطائه، ووقف ليحضر علبة دخانه؛ إلا أنه سمع صوتاً من جهة الطاولة فجلس على الكرسي، وإذ بالورقة تكلمه:

– هل أنت معجب بما فعلت!

– أنا الآن سعيد ومسرور.. وأعتقد أنه لا بأس بما كتبت.

– ولم لا يكون جيداً أو جيداً جداً أو ممتازاً.

– وهل نحن في امتحان مدرسي؟ أعرف كتّاباً يفرحون بالوسط والضعيف.

– وماذا عني؟ ألا يهمك أن أكون راضية؟

غادر زكريا تامر الطاولة، وهمهمات الورقة ظلت تلاحقه حتى وصل الشرفة.. أشعل سيجارة، وبدأ يفكر بقصة أخرى.



إقرأ أيضاً


التعليقات

لا توجد تعليقات حتى الآن ، كن أول المعلقين

إضافة تعليق





كاريكاتير

إستطلاعات الرأي